هل من دولةٍ في هذا العالم تحترم مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة؟.

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 3 / 4

بعد كل هذا الزمن الطويل الذي مرّ على تاريخ البشرية، وكل ما جاء من أديانٍ تدعو الإنسان إلى الرحمة والإنسانية وفِعلِ الخير ونبذِ الشر، ورفض استخدام القوة والعنف بين البشر، وبعد كل المواثيق والاتفاقات الدولية، ومبادئ القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وصكوك حقوق الإنسان، التي ترفض العنف واستخدام القوة في علاقات البشر، إلا أنّ كل هذا لم يمنع عقلية الإنسان، الأنانية بالفطرة، من الجشع وإشعال الحروب، وحتى الإفراط في استخدام القوة، لأجل المصالح الخاصّة، سواء مصالح أفراد أم مصالح دول..
*
تنص المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على ما يلي:
(يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجهٍ آخرٍ لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة)..
إذا الفقرة واضحة في الميثاق الذي وُقِّعَ في 26 حزيران/ يونيو عام 1945 ، في سان فرانسيسكو، وفي خِتام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية.. وأصبح نافذا في 24 تشرين الأول/ أكتوبر من ذات العام.. فاستخدام القوة ممنوع، والتهديد بها ممنوع، وكافة النزاعات يجب أن تُحلَّ بالوسائل السلمية وفقا للمادة الأولى، الفقرة الأولى من الميثاق..
*
مشكلة العالم ليست في الافتقار للنصوص القانونية، أو الاتفاقات الدولية، وإنما في الاختلاف والتناقض في التفسير.. فكل طرفٍ يُفسِّرُ القوانين الدولية حسب ما تقتضيه مصالحه الخاصة، ويُكيِّفها كما يريد، وليس حسب ما تقتضيه النصوص القانونية الدولية، والاتفاقات الدولية..
وآخر مادة من الفصل السابع من الميثاق، المادة 51 ، وضعت استثناءات، وباتت مادّة جدلية، إذ أتاحت منطق استخدام القوة حينما نصّت على ما يلي:
(ليس في هذا الميثاق ما يُضعِف أو ينتقصُ الحق الطبيعي للدول، فُرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تُبلَّغُ إلى المجلس فورا، ولا تُؤثِّر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس من الحق في أن يتّخذ في أي وقتٍ ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه)..
وهنا أيضا عُدنا لذات المُشكِلة، وهي كيفية تفسير هذه المادة، فكلُّ دولةٍ تُفسِّرها بحسبِ ما تقتضيهِ مصالحها..
وجديرٌ هنا الإشارة أن الولايات المتحدة اغتالت قائد فيلق القُدس الإيراني في كانون ثاني 2020 ، وبرّرت ذلك استنادا لهذه المادّة في حق الدفاع عن النفس، بحسب الرسالة التي أُرسِلت إلى مجلس الأمن الدولي..
وهذا مبدأٌ مطّاطٌ أيضا، ويمكن لكل دولة أن تُفسِّرهُ حسب مصالحها، تحت عنوان الدفاع عن النفس تارة، أو الدفاع عن الأمن القومي تارة أخرى، أو الدفاع عن السلم العالمي..الخ..
فالولايات المتحدة احتلّت أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 ، بعد أحداث 11 أيلول 2001 بحُجّة الدفاع عن النفس أو الدفاع عن الأمن القومي، أو تهديد السلم العالمي، في وجه الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل..
كما غزَت جزيرة "غرينادا" عام 1983 تحت عنوان تهديد الأمن القومي..
واستمعتُ حينها إلى كلمةٍ لمندوب غرينادا في الجمعية العامة للأمم المتحدة(حيث كنتُ وقتها عضوا في وفد بلادي) يسخرُ فيها من الذريعة الأمريكية، ويقول: هل يُعقَل أن غرينادا الجزيرة الصغيرة، التي يتّسعُ بُرجي التجارة العالمي في نيويورك، لكلِّ سكانها، أن تُهدّد أمن الولايات المتحدة، الدولة العُظمى، لِمُجرّدِ أنها استعانت بِكوبا لبناء مطار مدني فوق أراضيها يُستخدَم لأغراض السياحة وليس لأغراض عسكرية؟.
وروسيا تدخلُ اليوم أوكرانيا تحت عنوان تهديد الأمن القومي الروسي، والغرب يقف في وجهها تحت عنوان تهديد الأمن الأوروبي..
وإسرائيل تقصف في سورية باستمرار تحت ذريعة تهديد أمنها القومي..الخ..
*
وفضلا عن ذلك فقد تمّ اعتماد مبدأ في القانون الدولي المعاصر، وهو التدخُّل لأسباب إنسانية، وتبرير استخدام القوة باسم الإنسانية، والتدخُّل في شؤون أي دولة الداخلية، تحت عنوان أنها تضطهد مواطنيها وترتكب ضدهم أعمالا وحشية وقاسية، وتنتهك قيم حقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي الإنساني..
واستنادا لهذا المبدأ كانَ تدخُّل "الناتو" في يوغسلافيا السابقة عام 1999، والتدخُّل الغربي في ليبيا عام 2011، والتدخُّل الدولي ضد تنظيم الدولة في العراق والشام(داعش) عام 2014 ..
*
وبذات الوقت، فهناك مُعضِلة كبيرة تتعلق بالمعايير المزدوجة في تطبيق كل ما تقدّم.. فالدولة التي تتدخل لسببٍ ما في دولةٍ ما، تُنكِر على غيرها التدخل لذات السبب.. أو أنها تُطبِّق هذا السبب هنا وترفض تطبيقهُ هناك..
فالمنطق مفقود في كل هذه الحالات، ويحلُّ مكانهُ مصالح الدول وتصفية حساباتها هنا وهناك، وتوسيع نفوذها، تحت كل تلك العناوين..
*
بل هناك تدخُلا أيضا بناء على ما يُعرفُ بـ (الدّعوات) أي تدعو حكومة ما دولة أخرى للتدخُل لأجل مساعدتها ضد خطرٍ مُحدقٍ بها، كما تدخُّل السوفييت بأفغانستان في زمن الرئيسين حفيظ الله أمين، وبابراك كارمال..وتدخُّل السعودية في اليمن، وروسيا في سورية.. الخ
من السهل جدا أن تخلق كل دولة المُبرِّرات لاحتلال دولة أخرى، أو الاعتداء عليها، استنادا إلى حق القوة وليس قوة الحق..
*
وحينما نتحدثُ عن مفهوم " الإمبريالية" كسياسةٍ تهدفُ للتوسُّع لأجل المصالح الاقتصادية والسياسية، فهذا ينطبق على كل الدول، فكلٍّ منها يسعى لتوسيع نفوذه السياسي والاقتصادي، بعضها بالأساليب الناعمة، وبعضها بالأساليب الخشنة، عن طريق التدخل العسكري، إن فشلت الأساليب الناعمة..
*
تاريخ الدول الأوروبية الغربية مليء بهذه الأمثلة، وكذلك تاريخ الولايات المتحدة، وتاريخ روسيا القيصرية، وروسيا السوفييتية، وروسيا البوتينية.. الكل يترقّب فرصة لتوسيع نفوذه الاقتصادي والسياسي بطريقةٍ أو بأخرى..
روسيا القيصرية احتلّت ما بين عام 1743 و 1833 ، أي على مدى مائة عام تقريبا، منحدرات آسيا الوسطى المُطِلة على الصين ومنغوليا، والمناطق المجاورة للبحر الأسود ولِتركيا وإيران وبحر قزوين..
وفي الفترة من عام 1880 وحتى 1900 احتلت مناطق طشقند وسمرقند وبُخارى والصحراء المُجاورة لهما.. إلى أن جاء احتلال أفغانستان عام 1979 ، واليوم الهجوم على أوكرانيا..
وحُجّة بوتين أن هذه كانت أراضٍ روسيةٍ، إنما ترتدُّ على روسيا ذاتها.. فكل أراضي شمال القوقاز(الشيشان الداغستان..الخ) لم تكن للروس، وإنما ضمتها روسيا خلال حروب شمال القوقاز الطويلة التي امتدّت مائة عام، مابين 1763 وحتى عام 1864 حيثُ كانت آخر معركة بين الشركس والروس في وادي (كبادا) في سوتشي في 21 أيار / مايو، وقد تحوّل هذا التاريخ إلى يوم حِداد في التاريخ الشركسي، وباتَ يُسمّى بـ "يوم الحزن الشركسي"..
(وتجدرُ الإشارة أن لقَب "شركسي" ووفقا للمؤرخين الشركس، ليس اسما لأحد الأقوام من شمال القوقاز، وإنما هي كلمة أطلقها عليهم "الكُرد" حينما جنّدهم صلاح الدين للقتال في جيشهِ).. وهؤلاء ينتمون إلى ثلاثة شعوب (الأديغة والأبخازيا والوبخ)
كما أن جنوب القوقاز( جورجيا وأرمينيا وأذربيجان) أُدرِجت في الإمبراطورية الروسية في أوقات مختلفة في القرن التاسع عشر نتيجة الحروب الروسية مع الإمبراطورية العثمانية وبلاد فارس..
*
وبالنتيجة، تاريخ البشرية كان دوما تاريخ البربرية، أي القوي هو من يفرض إرادته على الأضعف، على مستوى الأفراد والقبائل وحتى الدول والشعوب، قديما وحديثا.
ومبدأ تقرير المصير الذي عادةً ما يستخدمهُ البعض كحُجّة لضمِّ أراضٍ ومجموعات تتبعُ لدولةٍ أخرى، يُساءُ كثيرا استخدامه ويُستخدَمُ لتفتيت الدول..
فحتى في تعديلات الأمم المتحدة هناك نوعان من حق تقرير المصير، الأول خارجي، يتعلق بتصفية الاستعمار والاحتلال الأجنبي(ويندرج ضمن مفهوم الحق السياسي) والثاني داخلي ويتعلق بحق أي شعب على المستوى الوطني أن يتمتع بكافة حقوقهِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية، بما فيها الحق في المشاركة بالحُكم واحترام كافة حقوق الإنسان في الحرية والديمقراطية وحرية التعبير وتداول السلطة..وبشكلٍ مُتساوٍ، بغض النظر عن العِرق أو الدين أو الطائفة أو اللون أو الجِندر..
حق تقرير المصير على الأصعدة الوطنية، المُشارُ إليه، علينا أن نعترف أن الدول ذات الأنظمة الديمقراطية البرلمانية، لاسيما في الغرب، قد قطعت شوطا كبيرا في هذا المضمار.. بينما الأنظمة ذات الحُكم الشمولي، ما زالت تُراوحُ مكانها، وتعاني المشاكل داخل بُلدانها مع شعوبها، وخارجها..
*
وللأسف، وبحيادية وموضوعية، فإن روسيا عبر تاريخها، لم تُقدِّم نموذج حُكمٍ جاذبٍ للشعوب وتلعب فيه الشعوب الدور الرئيس في تقرير مصيرها وفرضِ إرادتها وتداول السلطة، وتكون كلمتها هي الكلمة العليا، وقادرة على محاسبة قياداتها، وعزلهم أو محاسبتهم إن أخطئوا أو قصّروا، وعدم اتخاذ قرارات مصيرية دون العودة لها..
ومن هنا تأتي المشكلة اليوم، فالشعوب في زمن الاتحاد السوفييتي، تريد أن تبتعد عن روسيا باتجاه الغرب، ليس كراهية بروسيا، وإنما رفضا لِنَمط الحُكم.. وهذا من طبيعة تكوين الإنسان، فهو بالفطرة يميلُ نحو الحرية..
كثيرون لن يُعجِبهم هذا الكلام، وسيُكابرون ويقولون، أن ديمقراطيات الغرب مُزيّفة وكِذبة.. ولكن هناك من يُجيب ويقول: وليكُن.. الشعوب تحبُّ تطبيق هذه الكذبة، فلتُطَبّق.. فهل مَن هو حاكما يقبل على نفسهِ أن يُعامَل بذات الطريقة لو كان محكوما؟. هنا السؤال..
*
النظام الدولي الذي تأسسَ بعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية وأعطى حق الفيتو لخمسِ دولٍ قوية، لم يعُد صالحا في هذا الزمن.. ويجب إلغاء حق "الفيتو" في مجلس الأمن، ومنحِ هذه الصلاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تضمُّ كافة الدول الأعضاء وتتساوى في الحقوق بغض النظر عن حجمها وقوتها، وتُعتبرُ بمثابة "البرلمان الدولي" وهي من يجب أن يكون صاحب الصلاحية في هذا الحق من خلال نتيجة التصويت على مشروع أي قرار مطروح أمامها.. فحينما يحصل القرار على الأكثرية يُصبِحُ مُلزِما، وحينما لا يحصل على ذلك، يُرفَض، وهذا يعني "الفيتو" على هذا القرار من طرف المجتمع الدولي، وليس من طرف دولة بعينها في مجلس الأمن..
هذا الأمر، أي إصلاح الأمم المتحدة، طُرِح وما زال يُطرَحُ، ولكن أعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمون، ومهما اختلفوا، فإنهم يتّفقون على عدم المس بحقهم في الفيتو، من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وحتى روسيا والصين..
فتبقى شريعة الغاب قائمة.. وما يجري هنا وهناك هو شريعة غاب..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق