صبرا يا عراق... إنها لعبة الأمم لن تدوم

داخل حسن جريو
2022 / 3 / 3

يا لها من مفارقات عجيبة وتناقضات غريبة يشهدها عالمنا المعاصر, فغزو روسيا لأوكرانيا بصرف النظر عن أسبابه ومبرراته ودواعيه, قد أقام الدنيا ولم يقعدها وكأنه الغزو الوحيد الذي شهده العالم المعاصر , متجاهلين عن عمد غزو الولايات المتحدة لدول عديدة لإسقاط حكوماتها التي لا تروق لها ولا تخدم مصالحها الإستعمارية , دون أن يكترث لها أحد وكأن الغزو حق مشروع للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية الغربية حصرا ,متى شاءت وأينما وكيف ما شاءت دون حسيب أو رقيب. لم تحرك هيئة الأمم المتحدة ساكنا إزاء أي من هذه الغزوات التي دمرت بلدانا عديدة , وهي الهيئة التي أنشأت عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية ,بهدف نشر ثقافة السلام وصيانة كرامة الشعوب وحفظ حقوقها , صغيرها وكبيرها على حد سواء, وحفظ السلم الدولي وفض المنازعات بالطرق السلمية. والأمثلة على ذلك كثيرة , نذكر هنا البعض منها , غزوالولايات المتحدة الأمريكية بنما في منتصف شهر كانون الثاني عام 1989,بهدف عزل الزعيم البنمي الفعلي مانويل نورييغا ، الذي عمل لفترة طويلة مع وكالة المخابرات المركزية , فكان لها ما أرادت بجلب الرئيس البنمي المتهم بترويج تجارة المخدرات , مخفورا إلى الولايات المتحدة الأمريكية , وغزو الولايات المتحدة أفغانستان بعد أحداث 11 أيلول 2001، بدعَم دول حلف شمالي الأطلسي, حيث أطاحت بحكومة طالبان, لتدخل بعدها في آتون حرب مستعرة لمدة عشرين عاما , خرجت بعدها مندحرة تجر أذيال الخيبة والهزيمة المرة , لتسلم زمام الحكم صاغرة مرة أخرى إلى حكومة طالبان , وغزو العراق عام 2003 بدعوى إمتلاك العراق أسلحة دمار شامل تهدد أمن دول المنطقة والعالم أجمع بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر ترسانة أسلحة دمار شامل في العالم بأسره , والدولة الوحيدة في العالم التي إستخدمت ترسانتها النووية فعلا بإلقائها أول قنبلة ذرية في حربها مع اليابان عام 1945, والتي راح ضحيتها ملايين اليابانيين في مدينة هروشيما, وتدمير( 90% ) من مباني ومنشآت المدينة، وقتل أكثر من ( 80,000) شخص، كما جرح (90,000) آخرون، وتشريد عشرات الآلاف. وإلقاء قنبلة أخرى على مدينة ناجازاكي, أودت بحياة أكثر من( 75,000) شخص.
ثبت للعالم أجمع زيف وبطلان دعاوى الولايات المتحدة بإمتلاك العراق أسلحة دمار شامل, التي إتخذت منه سببا لغزو العراق وتدميره حكومة وحضارة وشعبا , وحصد آلاف الأرواح البريئة ,وحرمان ملايين العراقيين من العيش الكريم في بلادهم, وتهجير ملايين آخرين في بلدان العالم المختلفة, ونهب ثرواته وممتلكاته وتشويه إرثه الحضاري ومحاولة طمسه ومحو ذاكرة العراقيين , وتفتيت وحدة شعبه بدعاوى عرقية ودينية وطائفية مقيتة, وقضم أراضيه وحرمانه من بعض ممراته المائية لصالح بعض دول الجوار ,وغيرها الكثير الكثير ما لا يتسع المجال الخوض بتفصيلاتها .
إن ما أردنا قوله هنا أن كل هذه الممارسات اللاقانونية التي مورست بحق العراق وشعبه لم تكن موضع إهتمام أحدا بما فيهم هيئة الأمم المتحدة التي سرعان ما قامت بإصدار قوانين جائرة بحق العراق ,عند غزو النظام العراقي السابق للكويت عام 1991, دون إعطاء فرصة حقيقية لجهود السلام لفض النزاعات بين الدول , بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يوفر الإطار الذي يجوز فيه لمجلس الأمن الإنفاذ. ويسمح للمجلس أن يقرر "ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان" وأن يقدم توصيات أو يلجأ إلى القيام بعمل غير عسكري أو عسكري "لحفظ السلم والأمن الدوليين". بل ذهبت أبعد من ذلك بإلزام العراق بدفع تعويضات بلغت (58) مليار دولار من عائداته النفطية لمن وصفتهم بالمتضررين من غزو العراق للكويت ,دون السماح للعراق إبداء الرأي بأي من هذه المطالبات , حيث إنها شكلت لجنة لإستقطاع نسبة (5%) من عائدات نفط العراق وإيداعها في مصرف أمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية , للصرف منها تحت بند التعويضات وصرف رواتب ومخصصات أعضاء اللجنة , وقد أشارت بعض التقارير إلى ممارسة فساد قام بها بعض اعضاء اللجنة ,وسوء تصرفهم بهذه الأموال السائبة التي وضعت تحت تصرفهم . والأهم من كل ذلك أن مجلس الأمن جهة سياسية, وهو بهذه الصفة لا يحق له البت في منازعات مالية التي هي من إختصاص السلطات القضائية بحسب رأي الكثير من القانونيين , وإن بإمكان المدعين بالضرر من غزو العراق للكويت ,بما فيهم حكومة الكويت تقديم طلب إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة للبت فيها في ضوء الأدلة المقدمة من جميع أطراف النزاع.لكن العراق إلزم مرغما على دفعها دون حق الإعتراض أو إبداء الرأي . وعلى الرغم من سداد العراق لجميع هذه التعويضات , فأنه حتى الآن لم يتم إخراجه من بنود الفصل السابع المجحفة بحق العراق. ومن ممارسات هيئة الأمم المتحدة الظالمة الأخرى بحق العراق , تشكيل لجنة لترسيم الحدود بينه وبين الكويت في سابقة خطيرة لم تشهدها الدول في علاقاتها مع جيرانها , دون أن يحق للعراق الإعتراض على قراراتها , حيث قامت اللجنة بإقتطاع جزء من الأراضي العراقية الغنية بالنفط وضمها إلى الأراضي الكويت دون وجه حق , وحرمان العراق من بعض ممراته البحرية .
أما لحق بالعراق من دمار شامل وزهق للأرواح جراء غزو الولايات المتحدة عام 2003 وما قبلها عام 1991 من دمار شامل لبنية العراق التحتية التي لا علاقة لها بإخراج القوات العراقية المسلحة من الكويت , وإستمرار عملياتها العسكرية الجوية بتدمير مؤسساته المدنية طوال عقد التسعينيات دون مبرر, وجميعها تشكل خرقا واضحا للقانون الدولي ومصادرة صريحة لأبسط حقوق الإنسان , فهذه لا تستحق النظر من هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية , بل إنها تغض النظر عن الجاني وتخشى مطالبته بدفع تعويضات للعراق ولو لفظيا ,عما لحق به من أضرار على غرار ما قامت به بإلزام العراق بدفع تعويضات للكويت , من منطلق أن على الغزاة دفع فاتورة غزوهم لشعوب البلدان التي غزوها. لكن ذلك لن يحصل أبدا طالما أنهم يتصرفون بمنطق حق القوة وليس قوة الحق وهكذا هي الأمور على مر التاريخ.
أن ما قامت به روسيا بغزو وإحتلال أوكرانيا مؤخرا , لا يختلف عن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية عام 1961 , بمحاولة غزو كوبا الفاشلة بدواعي تهديدها لأمن الولايات المتحدة الأمريكية , بقيام الإتحاد السوفيتي نصب صواريخ قابلة لحمل الأسلحة النووية على الأراضي الكوبية , وهي الذرائع نفسها مع إختلاف التفصيلات اتي تتذرع بها روسيا , بإنضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي . يومها أقامت الولايات المتحدة الأمريكية الدنيا ولم تقعدها بجعل العالم يقف على حافة التهديد بحرب نووية , تماما كما تفعل روسيا اليوم بإصدار الرئيس الروسي بوتين أوامره بجاهزية صواريخه النووية .لم تفكر أية دولة بفرض عقوبات أو التهديد بفرض عقوبات على الولايات المتحدة الأمريكية يومذاك, بل كان الجميع يسعى لنزع فتيل الأزمة التي تمكن الزعيم السوفيتي يومذاك نيكتا خروشوف من نزعها بعقد صفقة سياسية مع الرئيس الأمريكي جون كنيدي , تضمنت سحب الصواريخ السوفيتية من الجزيرة الكوبية مقابل ضمان الولايات المتحدة الأمريكية بعدم غزو كوبا , وهو الأمر الذي ضمن إستقلال كوبا والحفاظ على أراضيها ونظامها السياسي حتى يومنا هذا على الرغم من إنهيار الإتحاد السوفيتي وتفكيك جمهورياته والتي منها جمهورية أوكرانيا موضوع الأزمة الراهنة.
يتباكى البعض على محنة أوكرانيا الراهنة , لا من وجهة نظر إنسانية لما حل بسكانها المدنيين وتشردهم بحثا عن ملاذات آمنة كما يحصل عادة في هكذا نزاعات , بل من وجهة نظر أنهم لا ينبغي أن يحصل ذلك لأوربيين متحضرين وذوي عيون زرقاء في بلد أوربي, فهم ليسوا من العراق أو سورية وبلدان الشرق الأوسط ليحصل لهم ذلك . فأية عنصرية مقيتة هذه حتى في الأزمات الإنسانية. متناسين أن البلدان الأوربية هي الأكثر البلدان التي شهدت حروبا وغزوات وصراعات دامية ما زال بعضها قائما حتى يومنا هذا , تسببت بتشريد ملايين الناس , يكفي أن نشير إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وحرب جمهوريات يوغوسلافيا السابقة وصراعات أيرلندا الشمالية والباسك في إسبانيا والقبارصة الأتراك واليونانين وغيرها.
صبرا يا عراق الخير والمحبة والإيمان على ما تحملته من أهوال تهد الجبال الشامخة , على أيدي بعض أبنائك المارقين دون ذنب منك . لقد عانيت يا عراق ما لم يعانيه أي بلد من البلدان من حروب عبثية إحترق فيه الأخضر واليابس , وفتن وصراعات سياسية دامية جراء نزوات سياسية لبعض مراهقي السياسة وصبيتها ممن إعتقدوا أنهم حملة رسالة عقائدية مكلفين بتنفيذها , كونهم طليعة فكرية متقدمة على الآخرين الذين لم يدركوا مصلحتهم التي هم أعرف بها , وعليهم القيام بواجبهم النضالي نيابة عنهم لتحقيق تلك المصالح, مهما كلفهم الأمر من تضحيات وسفك دماء ,تحت يافطة الكفاح المسلح والعنف الثوري وما إلى ذلك من شعارات ثورية , من أجل غد أفضل موعود لم يلمس الناس منه شيئا ,كان اشبه بالسراب .
عاش العراق صراعات دامية جراء إنقلابات عسكرية وصفها القائمون بها بالثورات العظيمة التي ستنقل العراق إلى مصاف الدول المتقدمة في بضعة سنين,ولم يحصدوا سوى المزيد من الخراب . وقيل لهم قد جاءكم الغيث على أيدي حكام جدد عاشوا سنين طويلة في المنافي وتأقلموا على أجواء الحرية والديمقراطية وصيانة كرامة الناس وضمان حقوقهم ورعايتهم , ليقيموا العدل والسلام والأمن والآمان في ربوع الرافدين, وبدعم دولي غير مسبوق وحماية أمريكية . وها هو العراق بعد مضي أكثر من ستة عقود وحاله يتدهور من سيئ إلى أسوء في جميع مناحي الحياة , ليس قياسا على حاله السابق فحسب ,بل قياسا على حال دول العالم أجمع , خلافا لسنة الحياة القائمة على تطور الحياة الإنسانية لما هو أفضل , بفضل معطيات العلوم الحديثة ومستجدات التكنولوجيا وقدرة الإنسان على توظيفها لتيسير سبل حياته وتحسين مستوى معيشته .
نقول صبرا يا عراق , ولا نقصد بالصبر هنا , الخنوع والإستكانة وقبول الأمر الواقع كمن لا حول ولا قوة له , بل تحمل الصعاب ولو إلى حين , والسعي بكل الوسائل للخلاص من هذا الواقع البائس بالمثابرة والعمل الدؤوب , وعدم اليأس مهما تلبدت الغيوم وضاقت السبل , وكما يقول أهلنا الطيبون في سالف الأزمان عندما تمر بهم محن الزمان "من الباب للكوسر فرج" , فالفرج قادم قريب بإذن الله .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت