- شو - عمرو خالد وغضبة القرضاوى

محمد فُتوح
2022 / 2 / 27

مازلت أتذكر عندما وقع الخلاف بين منْ يسكنان فى البيت الواحد ، دب الشقاق بين شخصين ، كل منهما يسوق وبتاجر فى نفس البضاعة . كل منهما يعتبر نفسه ، وكيلاً معتمداً ووصيا ، على مخلوقات الله من البشر المسلمين . واذ أتذكر هذا الأمر ، يتأكد أن التيارات الاسلامية بشيوخها ودعاتها وأتباعها ، لم ولن تغير قيد أنملة من أسلوب تفكيرها الذى يحصد الفشل وراء الفشل . مجتمعات حقا غريبة ، وعنيدة ، لا تتعظ . والسبب ليس لأنها لديها مناعة ضد أن تتعظ وتتعلم وتتغير . ولكن لأن أفكارها وسلوكياتها بالتالى ، لا يهمها أن تتعظ ، فالذى يتعظ هو منْ لديه قضية فكرية منطقية نبيلة المقصد ، والعظة له بمثابة ضرورة للتقدم والارتقاء فى قضيته والسمو بها . وهذا ما لا يتوفر لدى الاسلاميين بكل أشكالهم ودرجاتهم . نضف الى ذلك ، الغطرسة واللاستعلاء والغرور ، الذى يمنعهم من الاعتراف بأنهم أخطأوا . وكل أطيافهم بينهم خلافات وتناقضات كفيلة بأن تقضى عليهم واحدا تلو الآخر ، وفصيلة تلو الأخرى .

فالقرضاوى يرجع إليه الفضل والريادة والبدء فى تأجيج مشاعر المسلمين فى المشكلة الخاصة بالرسوم المسيئة للرسول. فمن مقر منتجعه المخملى الذى استراحت نفسه إلى الإقامة شبه الدائمة فيه بجوار دولارات الخليج ، يجلس الشيخ فى الغرف والاستديوهات التلفزيونية المكيفة ، يصدر الفتاوى مستخدماً أسلوباً ديماجوجياً ، فتهب الجماهير من المسلمين . وما أسهل أن توجه وتعبىء وتشحن عواطف الناس ، خاصة إذا كان الأمر يتصل بالدين فى مجتمعات مثل التى نعيش فيها .
لقد أعلن القرضاوى الغضب والمقاطعة على دولة الدنمارك كلها ، بالرغم من أن شخصاً واحداً هو الذى رسم هذه الرسوم ، وبالرغم من أن الجريدة التى نشرتها لا توزع أكثر من خمسة آلاف نسخة ، فاشتعلت المظاهرات وكانت المقاطعات وسحب السفراء ، وحرقت ودمرت بعض السفارات والكنائس ، وهدد بعض الأجانب ، وطالب البعض بقطع رؤوس منْ أساؤوا إلى الرسول ، وسقط الكثير من القتلى المسلمين تحت أقدام المتظاهرين ، وبرصاصات رجال الأمن المسلمين أيضاً.
لقد تحولت حمى الغضب إلى فيروس شرس ، ينتشر ويعربد فى الجسم الإسلامى كله . فالبسطاء من المسلمين من جانب ، تأججت مشاعرهم واستشاطت نفوسهم باسم الغيرة على الإسلام والدفاع عن الدين وحرصاً على مكانة االرسول ، فأعلنوا حرباً ضروساً لا هوادة فيها . ومن جانب أخر ، لم يعد خافياً على أحد أن هذه المظاهرات قد استخدمت استخداماً سياسياً بعيداً عن الغيرة على الدين أو حرصاً على مكانة الرسول.
لقد علق القرضاوى على هذه المظاهرات ، بأنها أثلجت صدره برغم ما سقط من قتلى . لكنها فى نظره قد عبرت عن مدى تماسك ووحدة المسلمين فى شتى بقاع الأرض.
إن القرضاوى يكيل بمكيالين ، أو أنه يقع فى التناقض البين الذى قد لا يعيه أو يدركه . لقد اعترض وغضب الشيخ حينما وقع الخلاف بين السنة والشيعة ، فى العراق على إثر تدمير مرقدى الإمامين فى سامراء ، وأخذ يلوم بعض المرجعيات الشيعية والتى دعت إلى تنظيم المظاهرات السلمية لإدانة هذا العمل ، محذراً من خطورة هذه المظاهرات حتى لو كانت سلمية ، معللاً ذلك بأن هؤلاء المتظاهرين يخضعون لما يطلق عليه فى علم الاجتماع بــ " العقل الجمعى " ، الذى يقصد به الشيخ القرضاوى أن يتحرك الناس وفقاً لسيكولوجية القطيع ، أى أنه لا يمكن السيطرة على سلوكيات ومشاعر الناس فى مثل هذه المظاهرات التى يحركها الغضب والانفعال ، حتى لو كانت سلمية . ومع ذلك تناسى وتجاهل الشيخ هذا التفسير الاجتماعى فى المظاهرات ضد الرسوم المسيئة للرسول ، فأحرقت السفارات وقتل البسطاء من المسلمين الذين دفعهم القرضاوى دفعاً ، بسبب تحريضه لرجال الدين وخطباء المساجد فى العالم الإسلامى وشحنهم باسم الدفاع والذود عن الدين.
إلى هنا وعمرو خالد لم يظهر على مسرح الأحداث بالشكل الذى يرضيه . إن دوره كان عادياً بل هامشياً بالنسبة للبطولة المطلقة التى قام بها الشيخ ، ومن هنا كان البحث عن دور ، عن " شو " ينهى به العرض ، ولأن عمرو خالد قد جاور الفنانين والفنانات ، المعتزلين منهم والمعتزلات ، وعلية القوم وبعض رجال الأعمال من أصحاب القنوات الفضائية الدينية ، فقد أصبحت النجومية تسرى فى دمه ، خاصة بعد أن نجح نجاحاً منقطع النظير فى دغدغة المشاعر الدينية مسيطراً ومهيمناً على قلوب وعقول الشباب والشابات ، الذين خذلهم واقعهم واستعصت عليهم أحلامهم البسيطة ، فسلموا واستسلموا وراحوا يتذللون ويبكون ، علهم يكفرون عن ذنوب لم يقترفوها.
إذن كان لابد لعمرو خالد أن يتسلق الموجة ، ليشارك الشيخ فى دور البطولة ، أو يزيحه من على خشبة المسرح ليستأثر بالبطولة المطلقة.
ومن هنا كانت غضبة الشيخ ، كيف يشوه عمرو خالد القصة فى آخر فصولها ، ليعبث بالحبكة والنهاية المفتوحة. لقد سحب البساط من تحت قدمى الشيخ، فبدلاً من أن تستمر المقاطعة والغضب ، جاء عمرو خالد مقترحاً أسلوب الحوار والمناقشة ، لقد اتهمه القرضاوى بقطع الطريق على غضب الأمة ومخالفاً " لإجماع المسلمين".
لقد استقبلت مبادرة عمرو خالد باالرفض من الأزهريين إلى درجة وصمه بالخيانة، ومهادنة الحكومة الدنماركية من أجل تحقيق مكاسب شخصية ، وذلك بالطبع على حساب مصلحة الأمة الإسلامية.
الآن نتأمل كلا من الأسلوبين التى واجه وتعامل بهما ، كل من الشيخ والداعية لقضية الرسوم المسيئة إلى الرسول .
فعن المقاطعة أتساءل إلى أى مدى ستستمر هذه المقاطعة التى يصر عليها الشييخ القرضاوى وأعوانه ؟. وإن قدمت الحكومة الدنماركية اعتذاراً ، هل ستستمر دعوات المقاطعة ؟ . هل سنقاطع حكومة الدنمارك فقط ، أم سنقاطع كل الدول التى نشرت فى صحفها الرسوم المسيئة للرسول ؟ . وأود أن أذكر هنا أن بعض البلاد العربية والإسلامية قد نشرت هذه الرسوم ، فهل سنقاطعها أيضاً ؟. هل سنقاطع المنتجات الغذائية أم سنقاطع الصناعات الأخرى ؟ . إن الدنمارك مثلاً تعد من أكبر المصنعيين والمنتجين لعقار الأنسولين فهى تنتج 80% من الانتاج العالمى ، أما بقية دول العالم فتنتج 20% . فإذا لم نكن نستورد عقار الأنسولين منها وتعذر علينا استيراده من أى دولة أخرى ، فماذا سنفعل هل سنقاطعها ، ومصر وحدها يوجد فيها ملايين المرضى بداء السكر اللعين ، والذين لا غنى لهم عن هذا العقار. ثم إن ما تصدره الدنمارك إلى البلاد العربية والإسلامية يقترب من 1.5% من صادراتها ، فالمقاطعة سوف تكون بلا جدوى ولن يكون لها تأثير كبير.
إن أسلوب المقاطعة قد أثبت فشله فى أغلب الأحيان ، ألم نجرب من قبل مقاطعة المنتجات الأمريكية والمنتجات الإسرائيلية وفشلنا فشلاً ذريعاً.
أما ما يطرحه عمرو خالد لفكرة الحوار ، فأود أيضاً أن أتساءل مع منْ سيتحاور فى كوبنهاجن ، مع الحكومة أم مع الشباب الدنماركى ؟ . وماذا سيقول لهم لكى يقنعهم بالاعتذار الذى وضعه شرطاً لإنهاء المقاطعة ؟ . هل يعتقد أن سفره بمصاحبة مجموعة من شيوخ الفضائيات ، هو الذى سينتزع من الحكومة الدنماركية هذا الاعتذار الذى فشلت كل الحكومات العربية والإسلامية فى انتزاعه ؟ . والسبب بسيط هو استقلالية الجريدة التى نشرت الرسوم ، والتى لا سلطة لحكومة الدنمارك عليها ، أما الجهة التى كان من المفترض أن يعول عليها فى هذه المشكلة هى القضاء. وهو ما استعصى على فهم هؤلاء الدعاة والشيوخ. لقد استخدم عمرو خالد طريقته التى يلعب بها على المشاعر لاستمالة منْ يحاوره ، وهو ما لا يتناسب مع الغربيين ، الذين يأخذون من العقل وسيلة ومنهجاً فى المناقشة والحوار.
وللأسف جاءت نتيجة هذه الخطوة فاشلة ، كما أكد الشيخ رائد حليحل رئيس اللجنة الأوروبية لنصرة النبى ، فقد غاب التمثيل الرسمى الدنماركى عن المؤتمر الذى دعا إليه عمرو خالد ، بما فى ذلك الجهة الراعية للمؤتمر وهى وزارة الخارجية الدنماركية ، ولم تجد فعالياته أية أصداء فى الأوساط السياسية ، واقتصر حضوره على الدعوات الخاصة وكان أشبه بجلسة مغلقة.
إن موضوع الرسوم المسيئة للرسول ، كان من الممكن احتوائه ، ووأده منذ ولادته لو أن الشيوخ والدعاة ممنْ ينصبون من أنفسهم أوصياء على المسلمين ، كانوا قد تريثوا واحتكموا إلى العقل بدلاً من إثارة وتأجيج مشاعر المسلمين . فكان الحصاد مراً ، قتلاً وحرقاً وتدميراً . الأمر الذى يؤكد ويخدم فى النهاية فكرة الغرب عن عدوانية المسلمين ، وعدم إجادتهم إلا للغة الدم والعنف والإرهاب.
من كتاب " أمركة العالم .. أسلمة العالم منْ الضحية ؟ ". 2007
----------------------------------------------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار