الآليات التي يضعها المجتمع من أجل تنظيم شؤونه - 3 - المجال الاجتماعي

حسين محمود التلاوي
2022 / 2 / 25

جـ. المجال المجتمعى: عندما نتحدث عن المجال المجتمعى فإننا نتناول هنا كل ما له علاقة بعلاقات الأفراد معًا والقيم التي تتحكم في هذه العلاقات ووسائل المجتمع من أجل التفاعل مع التغيرات التي تطرأ عليه وكذا وسائل التربية والتعليم وحفظ النمو الإيجابى – كل وفق رؤيته – للفرد وللمجتمع ولم نقل المجال "الاجتماعى" وذلك لأن كل ما هو قائم بين الأفراد بدءًا من السياسية وحتى الاقتصاد مرورًا بالعلاقات البينية داخل المجتمع وتفاعل المجتمع مع الكيانات الخارجية المشابهة – كل ذلك هو من قبيل المجال الاجتماعى إلا أن تعبير مجتمعى يستثنى الجانب السياسى والجانب الاقتصادى ومن أهم الوسائل التي يصيغها المجتمع لأجل الاستمرار والتفاعل بين الأفراد كأفراد أو كجماعة:
1- الأخلاق: لكل مجتمع منظومته الخلقية والتى تنبع من خلفيته الثقافية وتهدف إلى تحقيق الصالح الاجتماعى والإنساني الفردى ولطالما كانت هذه المنظومة الأخلاقية أساسًا لانطلاق كفاح مجتمعات من أجل النمو أو من أجل مواجهة تحديات دخيلة على المجتمع ولكن هل الأخلاق مطلقة أمر نسبية؟! وهل في إطلاقيتها فيه؟! أم إن الخير في النسبية؟! من الضرورى وقبل أن ندخل في أية تفاصيل حول هذه النقطة لابد لنا من تعريف الأخلاق ولكن هذا التعريف لابد له من منطلق فهل يكون المنطلق تطبيقيًا؟! أم لغويًا؟! أم فكريًا؟! في الواقع خير وسائل تعريف الأشياء هي أن يتضمن مضمونًا فكريًا وجانبًا تطبيقيًا فعندما عرف الرسول صلى الله عليه وسلم "الإيمان" قال بأنه "ما وقد في القلب وصدق العمل" أي مضمون داخلى وأخر تطبيقى وهكذا الأخلاق يتضمن جزءًا داخيًا نظريًا وأخر تطبيقيًا. يمكن القول بأن الأخلاق هي المنظومة الفكرية وتطبيقاتها السلوكية التي تضعها المجتمعات من أجل الرقى والتقدم على الجانبين الروحى والمادى أي أن الأخلاق أفكار يصل إليها المجتمع عن طريق أفراده والثقافة العامة التي وضعوا أنفسهم فيها وكرسوا حياتهم لتطويرها وتهدف الأخلاق إلى تطوير المجتمع والرقى به من أجل الاستمرار في الأداء بكفاءة على المستويين الروحى والمادى ولكن هذه المسألة الأخلاقية تعد مسألة نسبية إذ أنه ما هو جيد بالنسبة لمجتمع هو سىء بالنسبة لمجتمع آخر أو على الأقل هو غير جيد بالنسبة لمجتمع ثالث ومن أبرز الأمثلة على نسبية المسألة الأخلاقية بين المجتمعات هو ممارسة الجنس بين الرجل والمرأة في خارج إطار الزواج فالمجتمع المسلم على سبيل المثال لا يقر مثل هذه العلاقات ويعتبرها مفسدة من المفاسد تضربا من واستقرار المجتمع ككل لا مجرد المنظومة الأخلاقية فيما إن المجتمعات الغربية تقى هذه العلاقات وتعتبرها من وسائل صيانة المجتمع ودلالة على حق الفرد في ممارسة أي نوع من العلاقات يرغبه دون فرض إطار محدد لهذه العلاقات. أي أن الأخلاق نسبية تختلف من مجتمع لآخر وتنبع الأفكار الأخلاقية عمومًا من الثقافة السائدة في المجتمع وتعد من الوسائل التي يمكن من خلالها التعرف على ثقافة أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية بل وحتى طريقة التعرف هذه تتأثر بالمنظور الذى نستخدمه من أجل التعرف فإذا نظرنا إلى انتشار العلاقات سابقة الذكر في المجتمعات الغربية من وجهة نظر إسلامية فإننا سنعتبر المجتمع الغربى مجتمعًا لا أخلاقيًا و "منحلاً" وإذا نظرنا إلى رفض المجتمع الإسلامى لهذه العلاقة من وجهة نظر غربية نجد أن المجتمع الإسلامى يعد في هذه الحالة – مجتمعًا رجعيًا متزمتًا وهكذا. فالأخلاق نسبية ومن نسبيتها تنوعت العلاقات الاجتماعية وتعددت المسميات لكل سلوك وتصرف إلا أنها في النهاية إطار عام يضم الأفراد لأجل تحقيق الاستقرار في المجتمع وحفظ بنائه واستمرار هذا البناء وعليه فمن الضرورى أن تكون المنظومة الأخلاقية مرنة تستجيب لمتطلبات العصر والظرف العام بحيث تحفظ الإطار العام الأخلاقى وتعمل على تطوير نمط أخلاقى جديد يستجيب لهذه الحاجة الوافدة ولا يخل بالميراث الأخلاقى للمجتمع.
2- العادات والتقاليد: لكل مجتمع عاداته وكذلك تقاليده التي يمارسها من أجل استمرار التفاعل البينى الداخلي للمجتمع فلكل مجتمع العديد من الطقوس التي يمارسها إما يوميًا أو موسميًا عندما تحل مناسبة معينة ويكون لها نوع معين من الممارسات التي لا تتبع إلا فيها فمثلاً من عادات المجتمع المصرى تناول الفول في الإفطار ورغم أن هناك العديد من الفئات التي لا تمارس هذه العادة إلا أن تناول وجبة الفول عند الإفطار يظل أحد أهم العادات الغذائية للمجتمع المصرى. ويمكن للناظر أن يستخلص من هذا المثل السابق عدة نقاط ومن أهمها أن العادات تشمل جميع الممارسات في المجتمع من تناول للطعام وزواج وذهاب للدراسة كما أن العادة أو التقايد لا ينبغى أن يكون منتشى بطول المجتمع وعرضه ولكنه يكون في الأغلب الأعم من فئات المجتمع ومن العادات والتقاليد ما يكون عاملاً لتقدم المجتمع ورقيه ومنها ما قد يؤدى إلى عرقلة هذا التقدم ومن أمثلة العادات التي تدفع إلى الرقى في المجتمعات التزاور في المناسبات لدورها في تنشيط ورفع العلاقات بين الأفراد إلى جانب إشباعها الحاجة الاجتماعية لدى الإنسان وهذه الممارسة تعد الأكثر انتشارًا بين المجتمعات الإنسانية ومن النماذج على العادات أو التقاليد السلبية وأد الفتيات كما في بعض قبائل المجتمع الجاهلى العادة التي من شأنها القضاء على النوع لومورست على نطاق واسع.
3- العلاقات المجتمعية: وتعد هذه العلاقات هي نوع الوسائل التي يتفاعل بها الفرد مع الآخرين من الأفراد أو الجماعات الإنسانية إلى جانب كونها وسيلة تفاعل الجماعات الإنسانية مع بعضها في المجتمع الواحد فعلى سبيل المثال يهتم المجتمع المسلم بحقوق الجار بالنظر إلى وجود أمر نبوى بالاهتمام بالجار وهو ما نجده قد صار جزءًا من التراث الشعبى لا الدينى فحسب في مقولة "النبى وصى على سابع جار" وتتحدد العلاقات الاجتماعية من خلال أنماط الثقافة والقيم السائدة في المجتمع فإذا كان المجتمع الإنساني مجتمعًا ماديًا فسوف نجد علاقات باردة تعتمد على الماديات فقط وذلك على العكس مما لو كان المجتمع يجمع ما بين الاهتمام بالماديات والمعنويات. ذلك بالإضافة إلى أن طبيعة هذه العلاقات الاجتماعية ومستواها تعد إحدى العلامات على شكل الثقافة السائدة في المجتمع موضوع البحث وبطبيعة الحال يؤثر شكل الثقافة السائدة في المجتمع موضوع البحث وبطبيعة الحال يؤثر شكل ومستوى العلاقات الاجتماعية في كيفية تفاعل أي مجتمع مع التحديات التي يتعرض لها هذا المجتمع سواء على المستويين الداخلي والخارجي وبالتأكيد كلما تماسك المجتمع كلما اتجه نحو الإيجابية وكلما قل تماسكه اتجه نحو السلبية لذلك تعمل القوى الاستعمارية في إضعاف المجتمع المستهدف قبل بدء عملية استعماره أو في أثناء العملية لأجل إجهاض أي اتجاه نحو المقاومة ويتحول من "مجتمع المقاومة" إلى "مجتمع الهزيمة".
بالتأكيد هناك العديد من الوسائل والأساليب التي يبتكرها المجتمع من أجل تنشيط العلاقات على المستوى البينى للأفراد والجماعات الإنسانية التي يحتويها المجتمع الواحد ولكن هذه هي أبرز وسائل بناء الحياة الاجتماعية كما توصل إليها المجتمع الإنساني على مستوى الأفراد والجماعة.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار