الأدب الشعبي والسلطة السياسية

فهد المضحكي
2022 / 2 / 19

يحكى أنه في قديم الزمان وحين كان فساد السلطات يستبد بالجماهير تاركًا إياهم يضيقون ذرعا بالأوضاع الداخلية المتجسدة في الظلم والفقر، كان الناس يلجأون إلى الحكايات والمواويل الشعبية لتسكين أوجاعهم ومن خلقوا من مخيلتهم الشعبية أبطال السير الملحمية الذين جسدت شخصياتهم دور المقاومة لفساد السلطة، وقد اندرجت تلك السير الملحمية تحت بند الأدب الشعبي، والحقيقة أن أبطال تلك السير لم يكونوا خيالين ولكن الشعب هو من خلع عليهم صفاتهم البطولية حتى لو كانوا لا يستحقونها. ونتفق مع الكاتبة المصرية أسماء رمضان فيما ذهبت إليه من أن الأدب الشعبي هو الذي يجسد التاريخ الحقيقي للشعوب، حكايات ومواويل، طقوس وارتجال، أشعار وأهازيج، فجميعها، على حد تفسيرها، فنون تتكامل جنبا إلى جنب لتشكل لوحة شديدة الثراء لتعكس هوية المجتمع، إذ يستهل الشاعر غناءه بتناول سيرة البطل الشعبي حتى تدخل الربابة على استحياء على خط المتلقي إلى الجمهور المتلهف لاستقاء قصة البطل الشعبي التي يتغنى بها الشاعر منذ مطلع الفجر وحتى نهاية الليل.

يقول برتولد برخت: «لا يمكن للسلطة السياسية أن تستولي على الأعمال الإبداعية، كما تستولي على المصانع، كذلك لا يمكن الاستيلاء على أشكال التعبير الأدبي، كما يتم الاستيلاء على الرخص والتصاريح»، في إشارة إلى أن الأدب يستمد سلطته من صعوبة السيطرة عليه. فرغم القيود التي تفرضها السلطات السياسية على حرية التعبير، كان الأدب دون غيره يملك القدرة على تطويق تلك القيود من خلال اللجوء إلى الرمز والحيلة وإضفاء جزء من الخيال، وذلك عبر صناعة بطل منقذ يقفز فوق الواقع المتردي. ففي الساحات الشعبية المفتوحة كان الجميع، يقبل على مغني الموال الشعبي الذي يقص على الحاضرين الحكايات الشعبية التي تعج بقصص الأبطال الذين طالما سحروهم، لأنهم كانوا دوما يشبعون حاجتهم في الانتقام من الظلم ويعيدون إليهم إيمانهم بأن الخير من الممكن أن ينتصر على الشر، في تلك الحكايات الشعبية وقصص الأبطال كان الجمهور يجد استراحة من آلام الحياة. ولهذا فقد انبثقت دوما سيرة البطل الشعبي بصفة خاصة من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية، ففي كتابه «السينما المصرية والفلكلور» الصادر عن الهيئة العامة القصور الثقافة يقول الناقد السينمائي زياد فايد إن شخصية البطل في التراث الشعبي لا ترتبط بالتفوق الجسدي أو المهارة وإنما ترتبط عادة بالفعل الجمعي من أجل تحقيق الهدف العام، البطل إذ يصنعه المجتمع من احتياجه للثورة على السلطة الظالمة أو ربما من حاجته للانتقام من تلك السلطة.

ثمة إجماع على أن السير الشعبية تنتشر كرد فعل على الهزائم الجسيمة، فالسيرة الهلالية، كما تذكر رمضان، انتشرت في مصر بعد الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، أما شخصية ذات الهمة فقد انتشرت في القرن الثاني الهجري في أثناء الحكم العباسي وهي الحقبة التي شهدت تغيرات اجتماعية عديدة سببها الاختلاط مع الأجناس غير العربية والازدهار المادي والثقافي وتضاؤل دور العربي أمام غير العربي، ومن هنا كان مبعث البحث الجمعي عن بطل عربي يربط بين القديم والجديد ويتمحور دوره في الحفاظ على جوهر الذات العربية، وبالنسبة لمصر فقد فرض سياقها السياسي والاجتماعي ظهور نوعية أخرى من الأبطال الشعبيين أهمهم: علي الزيبق وأدهم الشرقاوي. علي الزيبق أو كما يطلق عليه في السير الشعبية هو أشطر الشطار، تعد سيرته من أشهر النصوص الشعبية التي استقرت في وجدان المصريين كونها تجسد سيرة بطل نجح في مواجهة الاستبداد والظلم رغم أنه كان لصا، ففي تقديمه للكتاب النادر «سيرة علي الزيبق» يقول الكاتب محمد سيد عبدالتواب إن الزيبق كان عضوًا في جماعة العيارين في بغداد وهي جماعة سرية ذات تكتلات اجتماعية لها قواعد سلوكية خاصة وكان هدفها السرقة من الأغنياء وإعطاء الفقراء. عاش الزيبق في أزقة الحواري القاهرية ولهذا فإن سيرته تقدم صورة حية من حياة الناس وظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عاش الزيبق في وقت حرج من حياة الدولة المملوكية المصرية حين كانت موارد الدولة تنهب من كل حدب وصوب، ويضيف عبدالتواب في قراءته التحليلية لسيرة الزيبق بأن ما كانت تردده المواويل الشعبية في المقاهي والموالد عن الزيبق يعد وثيقة فنية بالغة الدلالة تنم عن أن الوجدان الشعبي غاص في أعماق الحياة المصرية وبنيتها التحتية والفوقية وكشف في أثناء ذلك التناقصات الاجتماعية الصارخة التي يعاني منها المجتمع المصري، وبالتالي كانت سيرة الزيبق بمثابة تعرية لجهاز الحكم في الدولة الذي انهار وجن جنونه من ألاعيب وحيل أشطر الشطار الذي لم يكن بالمناسبة يملك قدرات خارقة.

كثرت الحكايات عن أدهم الشرقاوي ذلك الطفل النابغة الذي كان يملك جرأة نادرة ألهمت الشعراء الذين صاغوا حكايته في مواويل أحياها الشعب المصري طوال أزمان مديدة، تبدأ الحكاية حين كان أدهم صبيًا صغيرًا يرتاد المدرسة ثم جاءه وفاة عمه الشرقاوي فبكاه كثيرًا وقرر الانتقام له مهما كان الثمن، وتكتمل القصة باشتباه أدهم في أحدهم وقتله بعدها تقبض عليه الشرطة لتنتظره المفاجأة في السجن، إذ يعترف أحدهم بأنه قتل عمه الشرقاوي، وهنا يقتله أدهم. يعد ذلك تغيرًا لحياة أدهم للأبد، فمع انطلاق ثورة 1919 يتمكن من الهرب من السجن بصحبة عدد من المساجين، حيث يقنعه أحدهم بضرورة الانضمام للثورة ومقاومة الإنجليز وبالفعل ينخرط الشرقاوي في مقاومة الاحتلال ويأخذ من ثروات الإقطاعيين ويعطي الفقراء، ورغم محاباة السيرة الشعبية المصرية للشرقاوي، فإن الدولة لها رأي آخر، فالرواية الرسمية التي أصدرتها الصحف القومية في تلك الفترة مثل جريدة الأهرام واللطائف المصورة، ذكرت أن الشرقاوي مارس أعمال السرقة والإجرام واشاع الرعب في أرجاء إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وفي يوم مقتل الشرقاوي احتفلت الدولة، إذ قالت إنه أشاع الفوضى في أنحاء البلاد وزعزع أمنها. لكن المواويل الشعبية لها رأي آخر، فبعد وفاته صورت المشهد كونه بدراما مهيبة ربما هي الأشهر والأكثر شعبية عبر تاريخ المواويل: «وقعت يادهم ولو كان الرصاص له قلب مكنش صابك وكان اترد على الأندال، يا خسارة يا خسارة يادهم، الصبر طيب يا راية الظلم ما تعليش، لادهم بطل والبطل جوا القلوب بيعيش، من بعد الأدهم هتطرح أرضنا، ثوار ثوار يرددوا المظالم كلها في النار».

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق