قراء في كتاب نصير الحسيني (سلسال الكلام)

نبيل عبد الأمير الربيعي
2022 / 2 / 19

قراءة في كتاب نصير الحسيني (سلسال الكلام)

نبيل عبد المير الربيعي
في معجم المعاني يأتي معنى كلمة السَّلْسَالُ: بمعنى الخمرُ اللينةُ، أي شَرِبَ ماءً سَلْسالاً: بمعنى ماءً عَذْباً صافِياً. ويُقالُ ماءٌ سلسالٌ: أي سهلُ المرور في الحلقِ لعذوبتِه وصَفائِه. وكذلك شراب سَلْسَل وسلسال، قال امرؤ القيس:
قليلة جرس الصوت إِلا وساوسا *** وتبسم عن عذب المذاقة سلسالِ
وقد اختار د. نصير الحسيني عنواناً لكتابه (سلسال الكلام) أي بمعنى الكلام السهل المرور والفهم للقارئ الكريم، والكتاب يتضمن (219) مقالة قصيرة حاكى الحسيني واقع الوطن المأزوم، ويحاكي به المواطن لما يمر به البلد من مأساة وتخلف ومصائب، نشرها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي للفترة من 2/8/2019 ولغاية يوم 15/9/2020 في اماكن متفرقة بين استقراره في مدينته الحلة أو سفره إلى عمان، ثم جمعها في هذا الكتاب.
الكتاب صدر بطبعته الأولى عام 2020م عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة بواقع (297) صفحة من الحجم الوسط بغلاف جميل وورق آرتي، وبكلمات لم تخترقها الأخطاء المطبعية أو الإملائية. وعناوين مقالات الكتاب متنوعة شاملة، وهي ومضات يعالج فيها الحسيني بعض الأمور من مواقف يمر بها الفرد العراقي أو المواطن العربي سواء كانت طريفة أو حقيقية واقعية، ونختار من تلك العناوين ما يلي: مكتبة، عمل شعبي، ونَّه، شهر عسل، حيرة، استنساخ، بوري، امرأة، بطالة، برلمان، ذنب، كاكا حمه، سيارة، بريد، كوجيتو، رقص، بروفا، القلق، رئيس الجمهورية، جنود، عنف، الوداع، مندسون، استقالة، إله الصدفة، تاريخ الكذب، أموال مهدورة، نزاهة، جباية، مجلس شقندحية، بريمر، كنك زادة، القضاء الأعرج، جمال خاشقجي، غاز، محاكمة، وزير، رئيس الوزراء الجديد، تهافت الصبيان، السيد حلاّل المشاكل، أبو نهب، مؤتمرات، التعليم العالي، قلّة ذوق، مدرسة للفساد، سكراب، تسعير الأدوية، الشيطان الأسود، سرقة، من مذكرات الصبا (1-17 حلقة)، مديرية الجوازات، عندما يموت الموت، مظاهرات، مصائب، المظاهرات السلمية، نريد وطن، كورونا، كوفيد 19، نمرود، يوميات محجوز، هيته.
العناوين اعلاه هي مجموعة من النصوص والهواجس والانتقادات كتبها الحسيني دون رتوش، بعضها موجع لما يمر به البلد من أوجاع وهدم ونهب وعواصف صفراء، وجيوش متخلفة تنهب وتحرق وتسرق وتغتصب وتقتل وتُغيب من يقف في طريقها، وبعضها ذكريات في زمن مضى يلتقطها الحسيني ويكتبها وتنشر كي يقرأها المتلقي بسبب ابتعاد الشباب اليوم عن المتابعة والقراءة.
من خلال مقالات ونصوص الدكتور نصير الحسيني دائما ما تجتذبني هذه النصوص التي تنشر على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، اعشقها، إنها تُسكب في عينيَّ لمعان صقالتها واختيار عناوينها المثيرة لمشاعري ومشاعر القارئ، فالكتابة فنٌ وتناسلٌ وحَبلٌ، ومن ثم ولادة نصوص، فالحسيني خير خلف لخير سلف، فوالده الشاعر والناقد علي الحسيني.
مفردات مقالاته تستنطق الضمير المستتر وتعتريني الرغبة الجامحة بالتعليق دون شعور. مقالاته تخرجني من خرسي إلى القول النابه، فهي محاولات لجر القارئ إلى معرفة ما يدور في فلك العراق والدول الأخرى، وكل مقالة قصيرة تتجمل عن سابقاتها، وإحداها تغيظ الأخرى، وتسعى مناكدة لتمنح صاحبها براعة المكتوب وكمال الصنعة.
فالكتابة لدى الحسيني لا تأتي إلا في لحظةٍ استثنائية، تحلُ بلحظة فجأةً فيدونها من خلال حروف الموبايل دون أن يترك لها مجالاً للهروب، ودون أن تذوب كالثلج بسرعة، فيخترق بمقالاته قشرة الواقع، ويشرّع بحواسّهُ لاقتناص ذلك، فينوع بمقالاته أبهى أشواقهِ صفاءً ونقاءً، ذلك هو نصير الحسيني، فسواد حروفه هو الملح الذي لا يفسد، ولكن يثير من يتابع ما يكتب اعصابه ومشاعره لما يحدث في هذا الوطن المحتل، المحتل من قبل الامريكان وخفافيش الظلام، وعصابات المافيا المنظمة وسراق المال العام، والمحتل من قبل ساسته القصيري النظر.
موبايل الحسيني عبارة عن سجلٍ صغير، يسجل فيه كل شاردة وواردة، ويأخذ به الحال إلى سياحة القارئ بين سطور مقالاته، فألتقيه في مكتبة ودار نشر الفرات في الحلة، يهمس بأذني لأطالع ما كتب من لقطات ذلك اليوم، أعتقد أنا أول من يطّلع عليها قبل النشر، فأجد بذلك بهجةً وزيادة معرفة ومعلومة لما يدور حولنا، ابدأ بالعنوان، فهو جدير باختيار العنوان، العنوان السُلَم الذي يرتقيه الحسيني في النص أو المقالة، وكأنه يجيب عن كل سؤال، اختيار العنوان يمثل نصف المقال أو النص، فالحسيني جدير بما يكتب من نصوص إبداعية ناقدة لاذعة، فيصوغ نصوصه من خلال العنوان.
يعتبر العنوان عنصراً مهماً في كتابة المقالات أو النصوص، والعنوان مفتاح إجرائي ضروي في انتاج الدلالة، ولن تتم القراءة ما لم يكن العنوان ممراً إليها، فالحسيني أجده بوعي تام يختار العناوين بدقة لتكون دليلاً لنصوصه ومقالاته.
أما الإهداء فأرغب من خلال حروفي هذه أن اذكر أن جميع مؤلفات د. الحسيني يمسك نفسه بوظيفة الإهداء على المستويين العام والخاص، أي الإهداء مطبوعاً في الصفحة التي تلي صفحة العنوان عند اصدار مؤلفه، فيعتبر النص قاصراً من دون واحة الإهداء. فأرى عتبة الإهداء في الكتاب ينبغي تفعيلها بعد انجاز الكتاب إلى من يعرف قيمة المنجز، لا لمن لا يهتم ويركن الكتاب على جانب، وهذا كان حوارنا أنا والحسيني والأديب شكر حاجم الصالحي في جلسة من جلسات بي دي سي مول، وكان الصالحي ينبه ويشدد على ذلك. والإهداء الخاص لمنجزه المطبوع بخط يده وتوقيعه إلى عددٍ لا يحصى من الصدقاء والقراء، وإلى عددٍ من المؤسسات الثقافية والجامعات والمكتبات العامة داخل البلد وخارجه سواء في مصر أو الجزائر أو عمان. بُنية الإهداء هي حالة ملازمة للحسيني، وتعد ضوء ينير عتبة كتبه ومؤلفاته فضلاً عن دعمه للأدباء لانجاز مؤلفاتهم، كذلك السعي وبجد لإنجاز ما تركه والده من منجزات ونصوص شعرية.
والإهداء لدى الحسيني لم يعد شكلاً زخرفياً ولا لفظاً اعتباطياً، إنه يختار الأشخاص الذي يعرفهم بإشارة قصدية، والإهداء الخاص هو دالاً على معرفة الحسيني بصاحبه وما يجمعهما من مشتركات في الكتابة وغيرها فهو يسعى للحفاظ على علاقته بالصديق.
تجد الحسيني يسجل ما علق بذاكرته من مذكرات الصبا التي وصلت حتى سبعة عشر حلقة، صاغ مفرداتها بشكل قصصي جميل لحياته مع عائلته وزملائه في مدرسته، ومعلميه وجيران محلته، وعشقه للنهر والسباحة ودار جدته. وبعنوان مقالاته القصيرة يومض فنار مقالاته الذي يلجأ إليها من خلال ضياءه إلى سفينة الكتابة لتهتدي بضوئه. وشبكة الحسيني تصيد في ذلك اليوم لقطات أو مواقف ما تصادفه أو عثر عليها في لقاء أو خبر عبر قنوات التلفاز، فيصنع جملة إنشاء الكلمات من خلال حروفها المقروءة، فيجد متعة وراحة في كيمياء حروفه، وأخيراً يكون الإقفال ملائماً لمقالته القصيرة.
من خلال متابعتي ما يكتب أجده ذلك المبدع الفطن الناصح والمرشد، يمتلك الحدس والدهشة الدائمة، ومقالاته هي رحلة استكشافية إلى قارة المجهول، ليختار من خلال كثافة الأدغال المتشابكة بعض نصوصه. فيجعل عيون قارئيه ترى العالم بعينيه هو، لا بأعينهم هم، من خلال نصوصه التي جمعها في كتابه (سلسال الكلام)، فمقالاته صادمة للقارئ، وقد تترك جرحاً عذباً لدى المتلقي عندما يطالع ما يحدث من فساد وأحداث في وطنه المحتل.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار