داعية سلام في زمن العنف رحيل الشيخ جودت سعيد

عبدالجبار الرفاعي
2022 / 2 / 17

زرتُ جودت سعيد في دمشق قبل ربع قرن تقريبًا، ففوجئت بفلّاح تلقائي مباشر في تعامله مع كلِّ الناس مهما تكن مقاماتُهم، يخلو كلُّ شيء في حياته من البروتوكولات المتعارفة عند الزعماء السياسيين والوجهاء.كان كلُّ شيء في شخصيته عفويًا يشبه أبي الفلّاح، إلا قبعته وملابسه التي لا تشبه لباسَ الفلّاحين في جنوب العراق. لأول مرة التقي بعالِم دينٍ يتعامل بوصفه فلّاحًا، قبل أن يظهر للناس بأيّة صفة أو عنوان آخر، حتى بناء منزله يشبه بيتَ فلّاح نقله بكلِّ ما فيه من قريته إلى المدينة.كان يمضي بعضَ الوقت في المدينة حين ينتهي موسمُ الزراعة. يعيشُ في بيتٍ يقع في منطقة شعبية فقيرة بدمشق، أزقتُها ضيقة تربض على منحدر جبل قاسيون، لا تصل السيارةُ إليها إلا بعد أن تمرّ بضريح ابن عربي، وبعد عدة أمتار يتطلب الوصولُ إلى بيته المشيَ في أزقة متشعبة. المفاجئة الجميلة كانت اكتشافَ ضريح الشيخ الأكبر وأنا في طريقي لزيارة الشيخ جودت، من دون دراية بموضعه الدقيق بدمشق من قبل. اقترنتْ زيارةُ الشيخين محيي الدين بن عربي وجودت فكانتا من أبهج ما أحظى به كلَّ مرة حين أكونُ في الشام.
ولد جودت سعيد في قرية بئر عجم التابعة للقنيطرة بسوريا عام 1931 وتوفي في إسطنبول يوم السبت 29-1-2022. تخرج في الأزهر بالقاهرة، إذ أرسله والدُه بعمر 15 سنة، ليكمل دراستَه الثانوية والجامعية فيه.كان يقضي أغلبَ أيامه بمزرعته في بئر عجم، منشغلًا بالزراعة وتربية النحل.
أمضى جودت سعيد حياتَه يعيش على فلاحة الأرض، الفلاحةُ مهنةٌ تتيح للإنسان معانقةَ الطبيعة، والإصغاءَ لصوت الحياة الذي تنشده النباتاتُ والحيوانات والحشرات وكلّ الكائنات.كلُّ يوم يسقي المزرعةَ بالماء، والماء ليس منبعًا لحياة النبات خاصة، بل لـ " كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ". في مهنة الفلاحة تنبعث حياةُ الإنسان وتتجدّد حيويتُه كلَّ يوم. الفلّاح صديقُ الأرض، صديقُ الأرض قلبُه أبيضٌ كملح الأرض، شخصيتُه مضيئةٌ كالشمس، عذبٌة كالماء. الحياةُ شغفُه، مولعٌ بإنتاج ما يقوّم الحياة، متيمٌ بصوت الطبيعة. عاشقٌ للبناء، وذلك ما يجعلُ الفلّاحَ أقلَّ البشر عنفًا وأحرصَهم على العيش بسلام. تقول عائلةُ جودت انه كان يبتهج بالماء والنبات والطبيعة أكثر من أيّ شيء آخر، وأظن أن نزوعَ جودت للاعنف عزّزه الحضورُ اليومي في المزرعة، والمثابرةُ على الإصغاء لصوت الطبيعة. المعروفُ عنه أنه كان يؤمن بالأساليب الحديثة في الزراعة وتربية النحل، يُقال في أحد السنوات الباردة أهلك النحلَ الصقيعُ في خلاياه في بئر عجم، ولم يُهلك الصقيعُ نحلَ جودت. ظن الناسُ أن اللهَ يختصُّه بعناية غيبية، لكن علموا لاحقًا أنه كان يتبع أساليبَ علمية تحمي النحلَ من برد الشتاء.
يقول أبناءُ جودت سعيد أنه كان لا يفارق القرآنَ الكريم، ومن عاداته كتابةُ آيات القرآن على الورق، ويعلّل ذلك بقوله: كلّ نص نفهمُه أكثر حين نعيد كتابتَه بأيدينا. عندما يسأله أحدٌ ماذا نقرأ؟ يجيب: اقرأوا القرآنَ وافهموه جيدًا. اقرؤا القرآن مرةً من حيث هو عمل الله، ومرة أخرى من حيث هو عمل الإنسان. هناك فعلٌ إلهي يتحدّث عنه القرآن، وفعلٌ بشري يتحدّث عنه القرآن. يجتمع بعائلته مساءً كلّ يوم بعد الصلاة، وينشغل معهم بإعراب آيات القرآن. الإعرابُ كما يرى جودت أداةٌ للفهم والتدبّر والتأمل في المعاني. خطبُه وأحاديثُه ومواقفُه وكتاباتُه يوظّف فيها آياتِ القرآن، ويدلّل دائمًا على ما ينشده بآياته. وهكذا كان ينتقي عنواناتِ مؤلفاته من القرآن، كما يقول: "أختار عناوين لكتبي أجزاء من آيات قرآنية"، مثل: حتى يغيروا ما بأنفسهم، إقرأ وربك الأكرم، لا إكراه في الدين.
بعد ظهور بوادر تورط الجماعات الدينية بالعنف أدرك الشيخُ جودت سعيد مبكرًا ‏أن القتلَ وسفكَ الدماء أحدُ أعمق عوامل المأزق التاريخي ‏الذي يعيشه المسلمون، فبادر لتأليف كتابه "مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العمل الإسلامي" صدر الكتاب سنة 1966، وكان هذا الكتابُ خطابًا صريحًا ودعوةً مباشرة للذين يتبنون العنفَ منهجًا في الدعوة إلى الله من الجماعات الدينية. على الرغم من أن صفحاتِ هذا الكتاب محدودةٌ إلا أنه كان بيانًا استثنائيًا للسلام والمناداة باللاعنف يخترقُ دعواتِ العنف في أدبيات الجماعات المتشدّدة. يذهبُ الشيخُ جودت الى أن المقصدَ المحوري للقرآن هو السلام لا الحرب، وينطلق من الآية الكريمة: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ"، فيقرؤها قراءةً إنسانية أخلاقية، يؤسّس عليها دعوتَه للاعنف. يكتب جودت: "إن مرض العنف ليس مرض الشباب فقط، وإن كانوا أجرأ على حمله. إن العالَم كله مريض بتلك الجرثومة، اليمين منه واليسار على السواء، وحتى الزوايا المطوية من سرائر الصوفية تجد فيها الجينات التي تحمل هذه المورثات الثقافية. إن الموضوع يحتاج إلى انقلاب شامل في سلوك البشر، فنحن لا نزال في تهمة الملائكة لبني آدم في الفساد في الأرض وسفك الدماء، "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". إننا نحمل جرثومة ابن آدم الفاشل الذي لم يُتقبّل قربانه، والذي كان اسلوبه في علاج المشكلة أن قال لأخيه: "لِأَقْتُلَنكَ").
كثيرًا ما يستدلّ جودت بالآية: "وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا". ويعني بذلك الجهادَ الأكبر الذي يبدأ ببناءِ النفس وتغييرِها، وتحصيلِ العلم والمعرفة، وهي عناصر القوة والتمكّن والغلبة اليوم، وليس الحروب التي لا تتوالد منها إلا الحروب. الكفرُ ليس سببًا للجهاد، الكافرُ لا يجوز قتالُه بوصفه مختلفًا في المعتقَد. الموقفُ من المختلِف في المعتقَد هو البرُّ والقسط،كما نصّت على ذلك الآية: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". يدعو جودت إلى أن يتأسّس التعاملُ مع المختلِف في المعتقَد بوصفه إنسانًا قبل كلّ تصنيفٍ ديني وهوياتي، ويحذِّر الجماعاتِ الدينية من الخلط بين مفهومِ الجهاد الذي قام به الرسول "ص" واختلاطِ هذا المفهوم بخروج الخوارج بعنوان الجهاد، ويخاطب هذه الجماعاتِ بقوله: "المشكلة التي ضاعت مفاتيحها وإدراك سُننها وشروطها الدقيقة في خضم الفتن المتتالية، هي تحليل مفهوم الجهاد الذي قام به الرسول (ص)، واختلاط هذا الجهاد بجهاد الخوارج".
رحل جودت إلى الملكوت الأعلى، وكان الواقعُ الذي فرضته الجماعاتُ الدينية المتشدّدة على المسلمين أضيقَ من أن يتسع لاستيعاب دعوة اللاعنف التي كرّس لها جهودَه. على امتداد عمره الذي تخطّى 90 سنة كان ينادي بنبذ العنف، ويؤكد على أن العنفَ لا ينتج إلا العنفَ المضاد. يشاهد جودت سعيد أغلبيةً تتطلع لدعوته وغيرِه للسلام في السرّ وتتمنى أن تسود، غير أن هذه الأغلبية تظلّ صامتةً لخوفها من إعلان موقفها بعد أن أفزعتها وأسكتتها شعاراتُ الجماعات العنيفة الصاخبة، ودعواتُ مناهضةِ غير المسلم وإعلانِ القطيعة معه، انطلاقًا من مقولات علم الكلام القديم، وما انبثق في سياقها من أحكام وفتاوى مماثلة في المدونة الفقهية.
كان جودت سعيد رائيًا راعه ظلامُ نهايات النفق الذي تسوق المسلمين إليه الجماعاتُ الدينية المتشدّدة قبل أن يراه غيرُه. للأسف لم تكترث بدعوته تلك الجماعاتُ العنيفة، التي تتحمّس وتزهو بصوت مَنْ يجيدون ترتيلَ آياتِ القرآن على ضجيج الدماء.كأن هناك تواطئًا غيرَ معلنٍ بين السلطة وأهل الثروة وهذه الجماعات على تجاهل دعوات السلام في كتابات جودت سعيد وأمثاله.
بالغ جودتُ سعيد في دعوته للاعنف، إلى الحد الذي ابتكر معادلةً تجعل ايمانَ المرء يتلوثُ بالوثنية بمقدار حنينه للعنف، إذ يقول: "ينقص من عقله بقدر ما يمارس من عنف، ويتلوث أيمانه بالوثنية والشرك بقدر ما يبقى في قلبه من حنين للعنف".كلُّ إنسان أخلاقي يطمحُ أن يسودَ اللاعنفُ الحياة، إلا أن هذه الأمنية الجميلة لن تتحقّق مالم تتبدل طبيعةُ الإنسان.
العنفُ ليس طارئًا، العنفُ من الثوابت الأبدية في الطبيعة الإنسانية،كما يقول: علمُ النفس، وعلمُ الأعصاب المعرفي، وعلمُ الاجتماع والأنثربولوجيا، والعلومُ الإنسانية الحديثة. دعوةُ اللاعنف غيرُ واقعية في عالَم لا يتكلم إلا لغة العنف، عالَم بدأ العنفُ فيه بإبن آدم الأول ومايزال العنفُ مقيمًا حتى اليوم.
في الاسبوع القادم نناقشُ الحلمَ الجميل لجودت سعيد ودعوته إلى أن يسودَ اللاعنفُ حياةَ الإنسان في الأرض

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان