رحل سيد القمني.. المناهض للفكر ألمتأسلم

فهد المضحكي
2022 / 2 / 12

يُعد سيد القمني واحد من أكثر المصرين إثارة للجدل بأرائه التصادمية الجريئة مع رجال الدين المسلمين وحركات الإسلام السياسي من جهة،واحتسابه ضمن التيار العقلاني والتنويري، مثل فرج فوده من جهة أخرى..يتأرجح الموقف منه.. علاوة على ان معظم أعماله تناولت مرحلة حساسة من التاريخ الإسلامي، فالبعض اعتبره باحثاً بالتاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسية، في حين أنه يعتبر نفسه من أتباع فكر المعتزلة. وبحسب ما ذكره الأكاديمي محمود محمد علي في صحيفة المثقف الإلكترونية، ينتسب سيد القمني الى طائفة من الباحثين في علوم الدين، واجتماعيات الشريعة الإسلامية، ممن يفكرون خارج مناطق الصندوق التقليدي للفهم الديني، وهو ما جر عليه مصاعب حياتية قصوى جعلته في مرمى الكفير والتهديد بالقتل، كما فعلت في العام 2005 «جماعة الجهاد»، التي اتهمته بالخروج عن نواميس الشريعة، وبأنه «مارق» و«مرتد»، ولكن ذلك لم يمنعه من مواصلة دق جدران خزان المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي، مواصلاً مسيرة مفكرون عرب وإسلاميين بعضهم قضى نحبه في هذا الطريق الزهرة. راح القمني منذ حصوله على الدكتوراه في تأريخ علم الاجتماع الديني، يبحث في مناطق إشكالية في التاريخ الإسلامي، وفي النصوص الدينية، اسفرت عن عدد من الكتب جرى مصادرة اغلبها من قبل الأزهر، وتعرض بسببها إلى المحاكمة باعتباره «مرتدًا».

وينقل الباحث، عن الكاتب الصحفي مجدي حسين بان القمني من الباحثين الذين وهبوا حياتهم للأسطورة والتاريخ والبحث في سراديب الاديان المقارنة، كاشفًا عن الجواهر التي تختفي وراء الانقطاع المعرفي والاغتراب عن النسق. ٱثر البقاء في صومعة البحث العلمي، راهبًا في محراب تاريخ المنطقة التي شهدت الأديان السماوية الثلاثة الكبرى اليهودية.. المسيحية.. الإسلام. رافضاً العمل في الجامعات ومراكز الابحاث، ويرجع السبب في نظره الي رفض اساليب التعليم ليس في الجامعات المصرية فحسب، بل في الجامعات العربية كلها، خاصة أن المادة العلمية التي يبحث فيها والمنهج الذي يستخدمه له من التميز والخصوصية ما قد يتعارض مع اساليب التعليم المعمول بها في مصر أو الوطن العربي، بل قد يحدث معه ما هو انكى من ذلك.. وأبحاث الدكتور القمني ترتكز على دراسة تاريخ الأديان والتاريخ المقارن وأساطير مصر القديمة، أي في المنطقة الحضارية الأولى، التى بعثت الدراسات فيها منذ أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الماضي، وأوائل القرن الحالي، سعيًا لإثبات هذه الوحدة الحضارية في ديانات، وثقافات الشرق القديم. في حين يرى بعض النقاد، انه لا يفرق في تحليلاته بين ما ينتمي إلى السجل الخرافي ولا ذلك المحسوب على العقل، وإنما بموضعهما معًا في إطار الشروط التاريخية والثقافية التى فعلت في إنتاجهما. إنها المسافة الضرورية واللازمة مع التراث التي تجعل الإنسان يدرك أن ذلك المأثور في كليته ما هو إلا نتاج اجتهادات أهل عصوره.. عمل إنساني. وبحكم نقده العميق للاسلام السياسي والمراجعة التفكيكية للتراث الديني جعلت القمني في عين العاصمة باستمرار. ولم يكن، كما أشار الاستاذ اسامه خيي في احد مقالاته، صدفة أن بهدر دمه قبل عشر سنوات ولا أن يلاحقه محتسبة الإخوان والنظام معا في محاكمة شهيرة ترافع فيها، ليس عن نفسه، وإنما عن الفكر الحر بمعرفة عميقة بالفقه والشريعة والاصول.وهو ما فعله مع صنوه في جبهة التنوير، المفكر الراحل نصر حامد ابو زيد يوم كالوا له تهمة الخروج عن الملة وسعوا لتطليقه من زوجته. يجسد سيد القمني، الذي ساهم في إحياء تراث المعتزلة، امتدادا لتلك المدرسة والمنارة الشاهقة التى وضع حجرها الأساس مفكرون في قامة طه حسين وعلي عبدالرازق ولطفي السيد وسلامه موسى ومحمود أمين العالم وفرج فوده وسواهم كثير.

اعتبر القمني (1947-2022) في أغلب أبحاثه أن العامل السياسي هو السبب في اتخاذ القرار الديني، وذلك في الفترة المبكرة من التاريخ الاسلامي، ويظهر هذا جليًا في عدد من كتبه مثال «الحزب الهاشمي تأسيس الدولة الإسلامية» في هذا الأصدار حاول القمني إظهار دور العامل السياسي في اتخاذ القرار الديني في التاريخ الاسلامي المبكر. ناقش دور البيت الهاشمي في التمهيد لتأسيس الدولة الإسلامية على يد النبي محمد، ورصد ما كان لديهم من تطلعات ليكونوا أصحاب حكم ورئاسة، وناقش أيضا دور مركز مكه التجاري في دعم تلك التطلعات، وإرساء قواعد الدولة الإسلامية الناشئة.

بينما يظهر في كتابه «اهل الدين والديمقراطية» أن الحداثة بشكل عام هي منجز الإنسان وكده وعقله وعمل يديه، بل رفض ونقد كل منجز جاهز، ومن الطبيعي أن تقوم ثقافة العربي على مرجعية مقدسة جاهزة، لاحل معها ولا اختلاف ولا مخالفة، فمن الطبيعي أن يتصادم مع الحداثة بكل قيمها. ولكن الاسلام الذي تقدم بالأمة خلال القرون الاربعة الأولى إلى مواقع حضارية وعلمية متقدمة لابد أن يكون قادرًا على مواصلة التقدم لو أن المسلمين اعادوا النظر في أنفسهم ومناهجهم وطريقة قراءتهم للنص. فالمشكلة بحسب رأيه ليست في الدين ولا في أي دين، وإنما في كيفية استثمار هذا الدين، فهناك من استثمره في التقدم وهناك من يستثمره في التخلف، وهناك من احترم الدين فصانه بعيداً عن الألاعيب السياسية، وهناك من يستثمره حفاظاً على خط فكري نظري واحد ليظل سيد الموقف في كل شأن وكل أمر. وبهذا الموقف لا تشغله الأمة ولا الناس ولا الدين، بقدر ما تشغله سيادته وسيطرته على العقل،واستمرار هذه السيادة في استعباد الناس. وفي أحد عناوين الكتاب يرى إن الإرهاب هو النتيجة الطبيعية والمفترضة لسوء السياسات التي استخدمت الدين في اغراضها لجر الشعوب عن رضا وإيمان، والغريب أن التفاعل مع التكنولوجيا أنتج ٱلة عملاقة من الفضائيات والصحف. ومواقع الإنترنت لترويج التخلف والإرهاب.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق