يسمونه - الوطن-!

فلورنس غزلان
2022 / 2 / 9

في الأماكن المنكوبة يهبط الشتاء بمعاطف بيضاء على الأرض رمادية في السماء ، حزينة مرتجفة في القلوب ، هاجس المنكوب في بلدٍ تستمر نكبته ماينوف عن نصف قرن من الزمان البحث عن الدفء ، لا الشمس تحنو ولا الإنسان الذي يمسك بمصير حياته يملك شيئا من الإنسانية ، يريده مواطنا مبلولاً بالذل مغموساً بالطين جائعَ البطن لايفكر إلا بكيفيةٍ يمرُ فيها يومه بسلام وشبع ، إن مَرِض فله " الله " وإن أصابته بلية فهي" إرادة السماء " ، يعرف سبب أوضاعه لكن رعب الموت والبراميل والكيماوي والصواريخ لم تُمحَ من ذاكرته القريبة...يخسر كل مقومات الحياة ومعها يخسر الانتماء والأخلاق والقيم، فالقيم والأخلاق تولد من رحم المجتمع والحياة اليومية التي يعيشها الفرد ، فأي قيمة وخلق أمام طفل يرتجف جوعاً ومرضاَ وبرداً؟ ...يحق له الاصطياد والسرقة والاحتيال...يحق له التشبيح والتشليح ومن ثم الخطف والنهب، فهو في بلد لاقانون يحمي أو يردع، إنها شريعة الغاب وانفلات المعايير ، إنها الفوضى ، فالقوي المدعوم من يعيش ويطفو على سطح العَبث القائم فيما يدعى " وطن"!.
وطنٌ ينام على الماضي ويستيقظ على الضياع في خارطة لايعرف لها حدوداً ولا طبوغرافيا ، كان له موعداً مع الحياة فأغلق دونه باب الموعد وانحشر في صندوق السلاطين والقتلة وعمائم التيه والفقيه، الألوان اختلطت ولم يعد يعرف منها سوى السواد والظلام ، غربة وغرابة يعيشها الفرد رغم أنه مجازاً بين أهله وذويه، يرى وطنه مستباح يباع في سوق النخاسة كل نوافذ التجارة مفتوحة ومسموح لها بالمقايضة والتفاوض فلا علاقات مجتمعية ــ وطنية إلا علاقات المصلحة انفلتت كل المعايير فالعورات مكشوفة ولا ضير طالما أنها توصل للغاية المنشودة .
بعضنا يصاب بالخيبة والصدمة حين يقرأ أو يرى أو يسمع عما يجري هناك فوق أرض كنت أدعوها " وطني"، اغتيالات ، خطف ، سرقة، قتل ، تحشيش، تجارة مخدرات، تشليح ، وتشبيح ...الخ... ناهيك عن الاعتقالات والتغييب والتعذيب والموت المستمر سلطوياً ، فهذا هو دور السلطة لاغير...أما ماسبق ذكره فهو من عمل " الشيطان "! وحين يرتفع صوت ما...تبادر عمائم السلطان إلى القول" أن الله يرزق من يشاء " وأن الرزق من عند الله والفقراء هم من سيدخل الجنة قبل الأغنياء ...مهمتهم إذن التخدير والاخضاع والتنويم وإلغاء التفكير!!!
أرض يسمونها الوطن!، وطن لاكرامة فيه لمواطن ،لا حرية ،لا لقمة عيش ،لا دفء ولا ماء ،لا كهرباء لادواء ،لا مدرسة، ولا بيت أو سقف يحميك وعليك أن ترضى لأنك تخدم وطناً لايخدمك ولا يقدم لك إلا الخراب والقهر والفقر...عليك الصمود والصبر كي تكون مواطناً صالحاً ....في وطن لايصلح للعيش والحياة...وإلا فأنت خائن متآمر تجب معاقبتك ومنع الهواء والحياة عنك.
الوطن الذي لاعمل فيه ولا كرامة ولا حرية ولا أي سمة من سمات الحياة ...لايمكن أن أحس حياله بالانتماء...الوطن الذي أعيش فيه بكرامة ويقدم لي حقوقي ويعترف لي بمواطنتي وإنسانيتي...هو وطني...الجغرافيا وحدها لاتمنح الانتماء، الانسان ، القانون ،الحرية ،الحياة الكريمة هي أساس مقومات الانتماء الوطني.
لا أستغرب أن تخوض سوريا في وحل الفوضى والتردي الأخلاقي والقيمي للإنسان ، فما نراه هو مُنتَج طبيعي لبلد تحكمه عصابات، فالعصابات لاتعرف القانون ولا المساواة والحرية وووو، لها قوانينها الخاصة ومن يشذ أو يعترض مصيره الهلاك...وطنكم هو سجن لاخيار لكم فيه سوى كسر الأقفال والقيود .
فلورنس غزلان ــ باريس 09/02/2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت