تجربتى مع أحد التاكسيات الاسلامية

محمد فُتوح
2022 / 2 / 9

تجربتى مع أحد التاكسيات الإسلامية
-----------------------------------------------
مرة أخرى ، أتأمل الأحداث الارهابية الأخيرة ، والتى تصدمنا وتحبطنا ، بين كل فترة وأخرى . واخص بالذكر تلك التفجيرات التى روعت مدينة شرم الشيخ .
أثارت هذه الأحداث الاجرامية ، ولا تزال تثير ، عدة نقاط مرتبطة ، أهمها الإصرار على تعدد مكافحة الإرهاب ، أمنياً وفكرياً ، وعقد مؤتمر دولى لبحث إمكانيات التعاون الدولى فى هذا المجال ، لأن الإرهاب أصبح " عالمياً " ، أو ما تسمى عن حق بظاهرة " عولمة الارهاب " .
لا يصح أن تكون المقاومة محلياً ، أو معتمدة فقط ، أو محصورة على " محلية المكافحة " . فعولمة الإرهاب ، تحتاج إلى عولمة المقاومة .. عولمة التعاون ..عولمة المكافحة .. وعولمة الإستئصال.
وهذا لا يتناقض مع بدء تنفيذ حملة المكافحة الدولية ، أن تكون هناك على المستوى " المحلى " فى كل بلد " مرصاد " عالى الكفاءة .. عالى اليقظة .. وعالى الوطنية ، ليرصد كل مظاهر وأشكال ودرجات التعصب الدينى ، والتطرف الإسلامى ، من الأفراد والجماعات ، بل على العكس ، إن المكافحة المحلية ، تختصر المشوار أمام المكافحة الدولية .. والعكس صحيح ، فالمكافحة الدولية ترسخ إجراءات المكافحة المحلية.
وكلنا نترقب بشغف عقد القمة العربية ، فى شرم الشيخ ، التى ستظل " مدينة السلام " والأمن ، رغم أنف الإرهابيين ، ىلتدشين منظومة فعل نشطة ، على المستوى العربى ، وتخدم بحركتها الجادة التى لا تغفل ، الاستراتيجية التى سيتبناها العالم للمكافحة العالمية. ولن أطيل كثيراً فى الكلام عن الدلالات لاختيار مصر عقد هذه القمة العربية للقادة العرب فى شرم الشيخ. الدلالات متعددة ، وهامة.
لكن من ناحية أخرى ، لا يمكن تجاهل الأمر ، فالمدينة المصرية العالمية ، التى أصبحت فى العالم كله ، رمزاً للسلام ، والجمال ، والسحر الطبيعى ، والهدوء ، وعقد المؤتمرات والندوات التى تخدم البشرية ، لم ولن تتأثر بتفجيرات أو تهديدات ، أو بعض التدمير هنا أو هناك. هى نفسها ، وربما بشكل أقوى ، ترسل للعالم كله ، أنها صامدة وباقية ، وعنيدة ، صمود وبقاء وعناد الشعب المصرى. وأنها وإن كانت ضحية للإرهاب المجرم ، فهى أيضاً الأرض التى ستنطلق منها المسامير الأخيرة لنعش الإرهاب والمؤمنين بأفكاره والممولين لأسلحته ، والراسمين لسياساته وسيناريوهاته ، " من الداء يصنع الدواء ".
ولأن التعاون الدولى ، أو عولمة مقاومة ، ومكافحة الإرهاب ، لم تتضح صورته بعد ، وإن كانت كل دولة فى العالم ، قد أعلنت سواء بالبيانات أو مظاهرات شعوبها التنديد بهذا الأخطبوط الذى حركته الفلوس والكراهية ، وعدم القدرة على العيش فى عالم مسالم ، آمن ، يحترم ويحب " الآخر" ، أياً كانت اختلافاته العرقية والدينية والفكرية ، والجنسية.
فإننى هنا أود طرح رؤية لمكافحة الإرهاب محلياً فى مجتمعاتنا العربية ، التى يعتبر الإسلام فيها الدين الرسمى للدولة. وان تقتضى الأمانة والمنطق والاستفادة من دروس التاريخ ، القول بأن الدول ليس من المفروض ، أن يكون لها ديانات .
أقترح أن تعيد الحكومة حملتها الصارمة ، الحازمة ، الناجحة ، والتى صدر بها قرار وزارى. وكانت الحملة التى لاقت استجابة فورية من الناس ، إنها حصرت مطلقاً الاستعراض العام للرموز الدينية ، أو كتابة آيات قرآنية على زجاج السيارات .. فقد عاصرنا منذ سنوات ظاهرة تفشت ، وهى أن كل سيارة ملاكى أو أجرة أو أتوبيس عام أو ميكروباص ، قد استخدم زجاج السيارة لاستعراض فتوى من الفتاوى الرجعية .. أو دعاوى جهاد متطرفة ، أو التخويف من عدم ارتداء الحجاب .. أو عدم تلاوة القرآن فى كل أوقات الفراغ وفرضه على الناس والركاب بصوت عالى.
حينئذ وقفت الحكومة وقفة مشرفة ، وراقبت جميع هذه المركبات السيارة .. وفعلاً لم تمض أيام معدودة حتى اختفت هذه الظاهرة. لكن يؤسفنى القول إن الظاهرة عادت مرة أخرى ، فى الكثير والعديد من المركبات السيارة ، سواء الملاكى أو الأجرة أو الحكومية ، وكأن شيئاً لم يكن ، وذلك ليس فقط لتفشى اختراق العقول بشكل متزايد ، ولكن لتوقف حملة الحكومة التى كانت متربصة بكل سيارة ، تستخدم أى جزء فيها ، للترويج إلى التعصب الدينى والإسلامى .
إننى على يقين ، أن الحكومة مثلما نجحت فى الماضى فى هذه الحملة ، سوف تنجح أيضاً لو أعادتها ، فالمناخ مناسب جداً.
منذ يومين ، ركبت أحد التاكسيات ، التى كُتب على زجاجها من الوراء: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، وتحتها كُتب : " الإسلام هو الحل " و " الحجاب فرض وجهاد " ، و " الله لا يحب الكافرين " و " أعدوا لهم ما استطعتم من قوة " .. سائق التاكسى يضع مصحفاً فى السيارة ، وأدعية دينية ، ومسبحة.
أحسست إننى أركب إحدى السيارات المفخخة المخصصة للإرهاب ، خاصة أن السائق له لحية ولابس جلباب .. جلست .. وطلبت من سائق التاكسى إغلاق الكاسيت الذى كان مداراً على إذاعة القرآن الكريم .. نظر إلىّ نظرة عدائية .. إرهابية .. متشككة .. مصدومة .. وقال : " أطفى القرآن .. إزاى يا أستاذ .. ده كلام ربنا .. أنت مش مسلم ولا إيه حكايتك بالضبط ؟! . " قلت له : أنا مسلم .. لكن الإسلام لم يقل لك أن تفرض على أحد أن يسمع القرآن ، وبصوت عالى فى الوقت الذى تريده أنت .. لأن القرآن يحتاج إلى أن ننصت له بتركيز واحترام وأن نكون مؤهلين لتأهل كلماته .. وكمان إيه الكلام اللى أنت كاتبه على ازاز العربية ده ؟! مش الحكومة كانت منعت ده " ؟!
نظر إلىّ بعدوانية أكثر قائلاً : " أنت اسمك إيه لمؤاخذة " .. قلت له " محمد " .. قال : مش عيب عليك ، يكون اسمك على اسم رسولناوحبيبنا وشفيعنا يوم القيمامة ، وتقول الكلام ده؟!
هم الظاهر وأعوذ بالله ، لعبوا فى دماغك يا سيدنا ، وبعدين حضرتك راكب
" تاكسى إسلامى " .
قلت له : تاكسى إسلامى ؟! ومين دول اللى لعبوا فى دماغى ؟! .. قال : " معرفش .. لكن مش هاطفى الكاسيت ولا هاوطيه ، دى حريتى الشخصية فى التاكسى بتاعى ".
قلت : " حرية شخصية ؟! يبقى المسلم يحط مصحف فى السيارة ، والمسيحى يضع الكتاب المقدس .. وتعود التفرقة الدينية .. وما دام أنا سامع اللى بسمعه وبصوت عالى ، متبقاش حرية شخصية ! .. قال : لأ أنا حر فى التاكسى بتاعى وأركب كمان اللى أنا عاوزه .. اتفضل انزل !! ".
قلت له : " أنا مستعجل لأن أختى مريضة فى السمتشفى وهتعمل عملية .. وتعبان ومرهق بقالى كام يوم ".
قال السائق : " يبقى تسبنى أتصرف فى التاكسى بتاعى على حريتى .. وهاعلى كمان الكاسيت أكتر و أكتر .. ده بركة ".
قلت له : " بركة صحيح لما الواحد ينصت إليه ".
أخذت أفكر واهتديت إلى شىء وقلت أجربه .. سألته : أنت هتاخد ِمنى كام من هنا لغاية حدائق القبة ؟ . .. قال : " أنت راكب من مصرالقديمة .. يعنى بالصلاة على النبى تدفع عشرين جنيه .. قلت له : " إذا أعطيتك ثلاثين جنيه .. يعنى عشرة جنيه زيادة بالصلاة على النبى .. هل توطى الكاسيت ؟! .. صمت لحظة .. ثم قال : " خليهم خمستاشر .. العيال عايزة تدوق المانجة .. قلت : " ماشى كلامك .. خمستاشر جنيه عشان المانجة " .
لأول مرة يبتسم .. نظر إلىّ وأنا أخرج الفلوس من المحفظة وانطلق دون كلمة إلى حدائق القبة .. لم يخفض صوت الكاسيت ولكن أغلقه نهائياً . نزلت وأعطيته خمسة وثلاثين جنيهاً ، ومشيت .
وجدته يلاحقنى قائلاً : " يا سعادة الباشا .. لو عايزنى أمسح اللى مكتوب على الازاز كله .. أمرك .. بس تسعيرة المسح خمسة وعشرين جنيه ، عشان العيال تاكل لحمة .. وأمسحه دلوقتى حالاً قدامك لو عايز كمان ". ابتسمت وقلت : " ومَن يضمن لى إنك لن تكتبه مرة أخرى ، بعد أن تأخذ الفلوس ؟! ". قال :
" عيب يا باشا أنا راجل مسلم .. عندى ذمة ".
من كتاب " الشيوخ المودرن وصناعة التطرف الدينى " 2002
-----------------------------------------------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار