انتحار أستاذ جامعة

شريف حتاتة
2022 / 2 / 9

---------------------------------------------
انتحر أستاذ جامعى .. ألقى بنفسه من الدور التاسع بأحد فنادق عابدين . لقي مصرعه فور سقوطه .. فانتقلت سيارات النجدة والإسعاف وتبين أن الجثة للدكتور"مختار ناشد فهمى" ، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة .
وفى المعاينة التى أجرها وكيل النيابة محمد النجار ، لحجرة القتيل اكتشف أنه ترك رسالة يقرر فيها اعتزامه على الانتحار لإصابته بمرض مزمن ، واكتئاب نفسى دفعه للتخلص من حياته بعد انتهائه من وضع امتحانات كلية الهندسة ، وأوصى فى رسالته بكل ميراثه لزوجته الوفية التى عاشت معه طوال حياته دون إنجاب .. كما طالب شقيقته بالتنازل عن ميراثها لزوجته .
قرأت هذا الخبر على الصفحة الأولى من الأهرام ، وأنا جالس فى الصباح بجوار النافذة .. الشجرة منتصبة على الجانب الأخر من شارع مراد كتلة مشتعلة من الورود الحمراء .. والنسيم يتسلل إلىً بطراوة الساعات الأولى للنهار .. من الباب المفتوح للحمام ألمح ابنى " عاطف "يحلق ذقنه فى المرأة . شاب فارع الطول فى عينيه صفاء .. طالب فى كلية الهندسة بقسم الالكترونيات .. وحاصل على جاهزة القصة القصيرة من الجامعة منذ ثلاث سنوات .. الآن فى السنة النهائية يجتاز الامتحانات . عندما أعود إلى البيت أدس مفتاحى فى الباب ، وأنطلق إلى حجرته لأسأله عن الأخبار .. أحياناً نتحدث قليلاً عن مختلف الأشياء ثم أتركه . أحب الحديث معه .. إنه جزء منى ، مستقل عنى ينمو فى هدوء وإدراك.
نحيت الجريدة جانباً دون أن أكمل باقى الأخبار . توقفت حركة الدنيا من حولى . وغابت الأصوات .. أصبحت وحدى مع الأستاذ .. تصورته جالساً على مكتبه يضع الأسئلة على ضوء المصباح . يقوم بأخر مهامه فى الحياة .. قرر ألا ينصرف قبل أن يفى بكل التزاماته .. الطلبة الذين عاش بينهم أكثر من أربعين سنة ، والزوجة التى سيتركها وراءه بعد أن سارت معه مشوار الحياة .. أطفأ المصباح وخرج إلى الشرفة .. القمر يطل عليه من السماء ، وجهه أبيض بلا ملامح ولا إحساس .. والمدينة ساهرة لا تحس به ، ولا تنام.. تسير على أقدام مستترة فى الظلام .
ظل معى عدة أيام كالشبح .. حزن بعيد فى الأعماق .. لماذا هو بالذات ؟ . لم أعرفه ، ولم أسمع عنه فى يوم ما . ألا أننى أقترب أنا أيضاً من نهاية المشوار .. ؟ . لا ليس هذا .. فأنا لا ينتابنى هذا الإحساس . لماذا إذن . ؟ . رفعت سماعة التليفون لأسأل عنه بعض الأصدقاء .. الدكتور " فايق فريد " .. لم أره منذ سنوات .. كان وكيلاً لوزارة الكهرباء . وأشرف على مد شبكة الإثارة إلى الأرياف .. صوته لم يتغير .. تتدفق نبراته الدافئة خلال الأسلاك .. صوت رجل عاش ، وعارك وأعطى للحياة .. نعم كان زميلاً له فى قسم الكهرباء .. ثم عين فى قسم الفيزياء لأسباب تعلق بقلة الأماكن الشاغرة فى بعض الأقسام .. وفى المساء طلبت الدكتور " ميلاد حنا " لأسأله عن معلوماته ولأسمع ضحكته التى اكتشف معها أن الأمور أسهل ، وأبسط مما تبدو فى بعض الأحيان .
أصبح الرجل رئيساً لقسم الفيزياء ثم أستاذاً متفرغاً . قارب على سن الخامسة والستين ، أو ربما تعداه .. قصير القامة ، أشيب الشعر ، يميل إلى البياض .. هادىء الطبع ، دمث الأخلاق ، حسن العلاقات مع الناس .. الإثنان يتفقان ، وأكدت حرارة الكلمات هذا الإحساس .
عند هذا توقفت عن السؤال .. لا أحد منهما يعرف أكثر من ذلك ، عن الظروف التى أحاطت بحياته .. فعاد ذهنى إلى تخيلاته .. ربما ذلك الحساسية الخاصة التى تصيب الذين يسيرون على الصراط .. بعد أن أعد أسئلة الأمتحان وراجعها عدة مرات . وضع القلم وأطفأ المصباح . سؤال يلح عليه . الآن ما الذى سيحدث بعد ذلك ؟ . وصل إلى آخر المطاف ، ولم يعد يتطلع إلى شىء قادم .. سيصبح أستاذاً غير متفرغ .. المحاضرات التى تتكرر .. وجدران الكلية تشع بالكآبة .. المبانى القديمة .. والعلم المحنط كالمحفوظت عفى عليها الزمن فى عصر ينطلق إلى الفضاء ، ويفتت المادة إلى شحنات وأمواج وينبض بئورة فى فضاء المعلومات .. أما جدران البيت فلا يتردد فيها صدى الأصوات .. أصبح الصمت قانون الأيام .
افتقد القدرة على اختراق الطوق الذى أحاط به منذ البداية .. الأسرة ، المدرسة ، والكلية ، والنظام ، فالحياة تحتاج إلى قدر من المغامرة .. إلى كسر الأغلال ، والأوتاد التى تربطنا بوضع قائم . منذ القدم غرست فينا قيم الوفاء . والطاعة والخضوع لقالب يقود إلى النجاح والاستقرار .. فتدور الساقية ليل نهار ، لنكتشف فجأة فى سن الخامسة والستين أن الحياة راحت ، وأن العمر انتهى .
أعطى لقسم الفيزياء ما عنده .. وبعد أن كبر واضمحلت قدراته لم يعد يستطيع أن يتبوأ المكانة التى أحتلها طوال السنوات . أصبح المنحنى هابطاً ..ولأنه لم يمارس نشاطاً آخر ، ولم تكن له اهتمامات خارج الحيز الضيق الذى أعطى له قدراته ، أحس بالنبض فى كيانه يتوقف .. بانعدام الدافع .. بتروس الفكر والرغبة وقد انحصرت فى ذاته .. دخل فى حارة سد .. إلى منطقة الظلام .. الأن يتذكر كل سنوات الحياة .. كل اللحظات القائمة .. منْ أساءوا إليه . ومنْ ظلموه ، ومنْ تغاضوا عن مجهوداته .. أعطى المحاضرة تلو المحاضرة ، أسبوعاً بعد أسبوع ، وشهراً بعد شهر ، وسنة بعد سنة .. الطلبة الذين يحضرون محاضراته يقلون .. يقولون عنه ثرثاراً يعوض عن الصمت الطويل . فهو خارج المدرجات رجل صامت . فى البيت لا بنت ولا ولد . فتموت الكلمات قبل أن تولد ، أو تتردد مثل أصوات الشارع ، أو رش الصنابير ، أو دوران ماكينة المياه فى العمارة . طالت الوحدة أكثر من اللازم .. فالوحدة أحياناً ملاذ . وفى الأغلب سجن يقتل الأنفاس . وزاد التوتر ، فالمخاطر تتجمع فى الأفق . التضخم ينهش فى الدخل الثابت .. شبح المرض يلوح فى الزمن .
أصبح سجين ذاته ،جزيرة فى البحر المتلاطم . هذا هو ما يراد لنا جميعاً ، أن ينعزل كل منا عن الآخر جرياً وراء لقمة العيش .. أو العمل أو السكن . أن ننقسم ونتعارك فتضيع البقية الباقية من التضامن .. بين الرجل و المرأة ..بين الجار والجار .. بين المسلم والمسيحى ، بين الشيعى والسنى ، وفى داخل كل طائفة أو جماعة .. أن تتفتت ونتشرذم .. أن يحارب بعضنا لبعض دون هوادة فى لقمة العيش .. وفى الأرض .. وفى الوطن . هكذا يمكن التهامنا الواحد تلو الآخر .. حتى لا تبقى أمام جحافل المال والاستغلال التى تمتص دماءنا ، وتضخها إلى الخارج فى سيل لا ينقطع ، أى قدرة على المقاومة .
عدت إلى البيت فى هذا اليوم مرهقاً . دخلت إلى حجرة ابنى أسأله عن الأخبار .. ولكنه تجاهل سؤالى قاتلاً : " هل قرأت خبر الأستاذ ؟ . " قلت : " نعم ، أتعرفه ؟ .
" قال : " ليس عن قرب . كان يدرس لى فى السنة الثانية . ولم تكن بيننا وبين الأساتذة علاقات " . قطب جبينه وأضاف : " رجل قصير القامة ..أشيب الشعر .. تبدو عليه الطيبة " .. سرح لحظة . لم ابتسم ابتسامة فيها مرح .. وفيها مسحة من الخجل .. كأنه جاء إليه خاطر ، أحس أنه غير مناسب .
ترى ما الذى يمر بخاطره .. ربما فى يوم ما سأتذكر وأسأله .. فلكل شىء وقته .. مازلت أجلس فى الصباح إلى جوار النافذة وأمامى قدح الشاى أرتشف منه .. ألمح الشجرة المنتصبة على الجانب الآخر من الشارع كتلة تشتعل بالورود الحمراء .. من المذياع تأتينى موسيقى هادئة .. وفى حجرة مجاورة ينام أبنى . طوله فارع ، وجفونه مغمضة بعد ليل طويل من السهر .
الأستاذ انتحر .. ولكن كل شىء على ما يرام .. كل شىء عاد كما كان .. فلا وقت عندنا لمثل هذه الأشياء .. ولا داعى لأن ننشغل بها .. فلكل منا مشاكله ، والحياة لا تحتمل . أليس كذلك ؟ .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
-------------------------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان