نظرة في أصل المفاهيم... العلاقة بين الحضارة والثقافة

حسين محمود التلاوي
2022 / 2 / 6

دار حول مسألة العلاقة بين الحضارة والثقافة الكثير من المناقشات والحوارات التى اختلف فيها المتخصصون والعامة على حد سواء. ويعود الخلاف فى هذه القضية بالدرجة الأولى إلى نقطة مرتبطة بأيهما أشمل؟! الثقافة أم الحضارة؟!
البعض يقول إن الثقافة الإنسانية تضم من أسفلها عدة حضارات، وكذلك الثقافة الأقليمية، فيما يقول آخرون إن الحضارة هى الأعم والأشمل، وإن الثقافة تندرج تحت الحضارة.
بيد أن الراحل الدكتور حسين مؤنس له وجهة نظر ثالثة تقول إن الحضارة تمثل الإنجاز الإنسانى المتحقق فى مجال العلوم، على اعتبار أن العلوم ذات قواعد واحدة، لا تختلف باختلاف الأفراد، ولا اللغات؛ فمرض السرطان له العلاج ذاته فى الشرق والغرب. في الوقت نفسه نجد أن الثقافة هى المنجز المتعلق بالفنون والذى يرتبط بالمجتمع الذى أبدع هذا الفن أو ذاك ؛ أى انه يحمل خصوصية المجتمع الذى أبدعه.
ومن هذه المقاربة نلاحظ أن:
1- الحضارة ترتبط بالعموميات فيما أن الثقافة ترتبط بالخصوصيات وهذا يعنى أنه لا يوجد منهما من يشتمل على الأخر أو يحتويه.
2- الثقافة منتج اجتماعى وذلك واضح فى التأكيد على أنها ما يحمل خصوصيات أى مجتمع.

ومن الواضح أن هذا الرأى هو الأقرب للدقة والأصوب، إلا أنه من الممكن إضافة بعض النقاط؛ وهى أن مفهوم الحضارة يتسع ليشمل — بجانب العلوم الإنسانية — ما أتفق عليه مختلف المجتمعات الإنسانية من أنماط معيشة وحياة، وطرق تذوق للمعيشة؛ كمفهوم الشعر على سبيل المثال، وليس مجرد علم نظم الأشعار؛ أى أن الحضارة تشمل مختلف المفاهيم العامة بين الإنسانية، فيما تقتصر الثقافة على المنجز الذى يميز كل مجتمع عن غيره. وعلى ذلك فإننا يمكننا أن نقول إن الحضارة كمفهوم: "كل ما اتفقت عليه المجتمعات الإنسانية من مفاهيم وسلوكيات فى مختلف مجالات الإبداع؛ وهو الكل المتسم بالمرونة والقابلية للتطوير بالإضافة"؛ أى أن الحضارة الإنسانية مرنة؛ وهذا يعنى أنها تقبل الإضافات إليها، وتستمر فى تلقى الإضافات إلى نهاية المجتمعات الإنسانية. لكن في الوقت نفسه، لا تقبل الحضارة الحذف منها؛ فما استقر فى الوجدان البشرى لا يزول، وإن كان يخفت ضوؤه فقط، ويظل فى العقل الباطن للإنسانية إلى أن يثار مجددًا.
من هذا نستخلص أن الحضارة منتج اجتماعى أيضًا مثل الثقافة، ولكن الحضارة منتج اجتماعى عام، فيما الثقافة منتج اجتماعى خاص. ونجد كذلك أن دور الفرد فى التحرك الحضارى يكون ملحوظًا، وإن كان المجتمع ككل هو ما يضيف لحضارة؛ حيث إنها ثمرة تحرك المجتمعات الإنسانية ككل. ويشير هذا إلى أن دور الفرد فى تكوين الثقافة يكون أكثر وضوحًا ومباشرة من دوره فى تشكيل الحضارة الإنسانية عامة. كذلك فإنه الأمد الزمنى المطلوب لحصول تغيير ثقافى فى الغالب أقصر من ذلك المطلوب لحصول التغيير الحضارى.
وفى نقاط سريعة يمكننا أن نوضح الفوارق بين فكرتى الثقافة والحضارة:
1- الثقافة تعبر عن خصوصيات اجتماعية، فيما تعبر الحضارة عن عموميات إنسانية.
2- دور الفرد فى التغيير الثقافى أوضح وأكثر مباشرة من دوره فى التغيير الحضارى.
3- الأمد المطلوب لحصول تغيير ثقافى أقصر من المطلوب لحصول التغيير الحضارى.

كانت هذه مناقشة سريعة لمفهومى الثقافة والحضارة، والعلاقة المتداخلة بينهما، وأبرز الفوارق التى تميز أحدهما عن الآخر.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار