من جمهورية السوفييتات إلى الثورة الستالينية المضادة

تامر خرمه
2022 / 2 / 6



تجربة كومونة باريس، المثال الأول للثورة البروليتارية، قادت ماركس وإنجلز إلى نتيجة تحولية فيما يتعلق بفهمهما للدولة. على عكس الصيرورات الثورية السابقة، لا ينبغي أن يؤدي استيلاء البروليتاريا الثورية على السلطة السياسية إلى تبني واستخدام أجهزة الدولة، بل إلى تدمير الدولة البرجوازية، واستبدالها بدولة عمالية جديدة تمثل ديكتاتورية البروليتاريا، والتي يمكنها أن تتخذ إجراءات ضد محاولات الطبقة الحاكمة السابقة التمسك بالسلطة، وتحريك التحول في المجتمع والاقتصاد من أجل إنهاء الاستغلال واللامساواة الطبقية، كجزء من الانتقال الاشتراكي إلى الشيوعية.



بقلم جورجي مارتينيز، ترجمه إلى الإنجليزية كارلوس سابير، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية تامر خرمه


كما أنهما أكدا أن الانتقال إلى مجتمع لا طبقي سيكون “من كل النواحي، الاقتصادية والأخلاقية والفكرية، مدموغا بندوب المجتمع القديم الذي يخرج هذا المجتمع من رحمه.[1] تجربة الثورة الروسية التي قادها البلاشفة استمرت لفترة أطول بكثير من الـ 74 يوما لكومونة باريس. على مدى أكثر من سبعة عقود، انتقلت الدولة العمالية الروسية من فترتها الثورية بوجود لينين في الطليعة، عبر عقود طويلة من الثورة المضادة الستالينية، واضطلعت ليس فقط بالتحدي المتمثل بالفوز في الثورة المنتصرة، بل أيضا بالمهمة العملية للتعامل مع “ندوب” الدولة العمالية الجديدة ، فضلا عن التناقضات الأخرى التي لم يتنبأ بها ماركس وإنجلز، والتي نجمت عن الانتصار المفاجئ للثورة الاشتراكية في بلد اقتصاده رأسمالي متخلف.
في فبراير 1917، في خضم الحرب العالمية، نجح التمرد بالإطاحة بالقيصر، وإنشاء حكومة مؤقتة بهدف دفع روسيا قدما من ماضيها القيصري، وإقامة دولة برجوازية. الأشهر التالية من الاضطرابات السياسية، ومؤامرات الثورة المضادة، وازدواجية السلطة، هيأت المسرح لثورة ثانية، ثورة أكتوبر، حيث تم نقل السلطة إلى السوفييتات تحت قيادة البلاشفة، الذين تأثروا بدورهم بنفوذ لينين الحاسم، الذي كانت رؤيته حول الثورة في روسيا مطابقة لرؤية تروتسكي، ما أتاح للحزب البلشفي التغلب على الصعوبات والفوز بالثورة بنجاح.
ومع ذلك، لم يكن وجود الحزب البلشفي وقيادته الثورية قادرين على التغلب على حقيقة أن ثورتهم حدثت في الإمبراطورية الروسية، التي تعاني من التخلف الإقطاعي، والسيطرة الديموغرافية للفلاحين على الطبقات الأخرى (80٪ من السكان)، ووجود رأسمالية محلية ضعيفة تعتمد بشدة على رأس المال الأجنبي، ووضع الأقلية للطبقة العاملة بالنسبة لبقية شرائح المجتمع. هذه “الندوب”، التي شكلت الخصائص المميزة لروسيا، باتت عقبات رئيسية على طريق الاشتراكية، والتي كانت مهمة صعبة بالفعل، ومعرضة لمزيد من الخطر، بسبب الحرب المستمرة التي تستنزف أوروبا.
بالنسبة لقيادة ثورة أكتوبر، كان الهدف النهائي هو انتصار الثورة الاشتراكية في كافة أنحاء أوروبا. أولئك القادة، وتحديدا لينين وتروتسكي، كانوا مدركين للوضع المتزعزع والهش للثورة الروسية، ولكون مصيرها يعتمد على المساعدة الأممية عبر انتصار الطبقات العاملة في المراكز الرأسمالية الرئيسية في أوروبا، للتمكن من الإستيلاء على السلطة، وهزيمة الإمبريالية، والبدء في بناء المجتمع الاشتراكي على المستوى العالمي.
لذا، كانت الإستراتيجية الأساسية بالنسبة لهم هي إنشاء منظمة عالمية، الأممية الشيوعية (الأممية الثالثة) لدعم الثورة الأممية وقيادتها. حتى إنشاء روسيا السوفييتية كان خاضعا لهدف الثورة الأممية هذا. وبما أن الثورة قد فشلت في أن تترسخ في ألمانيا أو في دول أوروبية أخرى، فإن الجهود الأعظم للبلاشفة ستكون في الغالب اتخاذ تدابير طارئة للحفاظ على بقاء الثورة خلال مرحلة انتظار وصول الموجة الثورية العالمية.



النظام الثوري: روسيا السوفييتية


استيلاء البلاشفة على السلطة تم تأكيده في المؤتمر السوفييتي الثاني لعموم روسيا، والذي صادق أيضا على المراسيم الأولى التي أرست أساس الدولة الجديدة، وعالجت مخاوف جماهير العمال والفلاحين والجنود، الذين طالبوا بسلام ديمقراطي عادل مع القوى الإمبريالية التي تحارب روسيا، ومصادرة الأراضي التي يملكها النبلاء والملاك والكنيسة دون تعويض، وسيطرة العمال على المصانع. إضافة إلى ذلك، تناول الكونجرس مسألة السلطة، والتي كانت قضية جوهرية ومحط جدالات شرسة داخل الحزب البلشفي والأحزاب الأخرى المشاركة في الثورة. كان السؤال: من يتولى المسؤولية بعد سقوط حكومة كيرينسكي؟
كان موقف لينين السياسي هو نقل كل السلطة إلى السوفييتات (المجالس العمالية)، والتي كان يسيطر عليها الحزب البلشفي، وهو الحزب الوحيد الذي كان قادرا على المضي قدما بالثورة، وإنشاء دول عمالية جديدة. الأحزاب الاشتراكية الأخرى (المناشفة، والاشتراكيون الثوريون، والأمميون) وقعت في أزمات رهيبة بسبب تعاونها مع البرجوازية في ظل الحكومة المؤقتة التي كانت قد خلعت لتوها، وكذلك بسبب معارضتها للانتفاضة المفتوحة، ودفاعها عن سياسة إنشاء حكومة ائتلافية تتعاون أيضا مع البرجوازية والقوى الأجنبية. بعبارة أخرى، المضي بحكومة متعاونة طبقية. آخرون واصلوا دعم موقف الديمقراطية البرجوازية المترنح، مصرين على إيجاد حل “ديمقراطي”. لكن تجربة العمال والجنود والفلاحين تعني أنهم قد سئموا بالفعل من الديمقراطية البرجوازية. الدوما القيصري والحكومة المؤقتة، بما فيها الوزراء الاشتراكيين، فشلوا في فعل أي شيء أبعد من خداع الجماهير وتأجيل مطالبها، ودعم الجهود الحربية الإمبريالية، وقمع المعارضة. استمر ذلك القطاع بالتركيز على الدورة الانتخابية القادمة، وعقد الجمعية التأسيسية، وهو اقتراح سيتم رفضه أيضا باعتباره مسألة باتت بائدة إثر نهضة الدولة العمالية، التي كان تشييدها قيد التنفيذ.
في النهاية، ختم مؤتمر السوفييتات بالمصادقة على الاقتراح البلشفي، وتأييد شعار “كل السلطة للسوفييتات”. ورغم من معارضة الحزب الاشتراكي الثوري، ونقابة عمال السكك الحديدية التي يهيمن عليها، واللذين كانا يفضلان تشكيل حكومة ائتلافية، تم تبني الاقتراح بأغلبية ساحقة.



النظام السوفييتي


منذ الأيام الأولى للثورة، تم تصوير التمرد والاستيلاء على السلطة بشكل غير صحيح على أنه انقلاب بقيادة زمرة تفرض حكمها بدلا من إنشاء حكومة “ديمقراطية” مؤقتة. حتى في يومنا هذا، لا يزال هذا التصور الرجعي التسطيحي قائما كنظرية مؤامرة لا تزال تجتذب أتباعها الذين يجادلون بنظرية الانقلاب. خلال الثورة نفسها، أخذ لينين وتروتسكي على عاتقهما مهمة نشر الطبيعة الحقيقية لاستيلائهما على السلطة. البلاشفة تمكنوا من كسب غالبية السوفييتات من خلال تبني وجهات نظر سياسية ملخصة في شعاري “كل السلطة للسوفييتات” و”الخبز والسلام والأرض”. وهكذا، لم تكن الثورة محض صاعقة انبرت من العدم. الأمر كان متوقعا من قبل الجماهير، التي أبدت بالفعل استيائها من كيرينسكي في تموز. الجماهير أعربت عن دعمها للثورة في السوفييتات وعلى الجبهات وفي الحقول. لذا، فإن الثورة لم تكن من فعل نخب أقامتها على ظهور الشعب. كان لينين يثق ثقة كاملة في “المبادرة الخلاقة للجماهير”، أي قدرة الطبقة العاملة والجماهير على أخذ زمام المبادرة من أجل العمل والتنظيم الثوريين. كانت الشوارع والثكنات والحقول مليئة بالحماسة الثورية، ولينين عرف كيف يوجهها.
عشية الثورة، دافع لينين بقوة عن سياسة كل السلطة للسوفييتات في مواجهة الحلول الأخرى للمسألة المركزية للسلطة السياسية. بهذا المعنى، كان لينين متوافقا تماما مع دروس كومونة باريس، وأعمال ماركس وإنجلز. كانت صيغة لينين في صلب المسألة الأساسية للثورة العمالية الاشتراكية: تدمير أجهزة الدولة القديمة، وبناء دولة جديدة على أنقاضها تتوافق مع المهمة التاريخية للطبقة العاملة لتحرير البشرية من نير الرأسمالية وبناء الاشتراكية.. ردا على أولئك الذين دافعوا عن سياسة الديمقراطية البرجوازية، قال لينين:
السلطة للسوفييتات – هذه هي الطريقة الوحيدة لإحراز المزيد من التقدم بشكل تدريجي وسلمي وسلس، على إيقاع الوعي السياسي للجماهير وإرادتهم التي أنتجتها تجربتهم الخاصة. السلطة للسوفييتات تعني النقل الكامل لإدارة البلاد والسيطرة الاقتصادية إلى أيدي العمال والفلاحين، الذين لن يجرؤ أحد على مقاومتهم، والذين من خلال الممارسة، ومن خلال تجربتهم الخاصة، سيتعلمون قريبا كيفية توزيع الأرض والمنتجات والحبوب بشكل مناسب.[2] في كتابات مختلفة كتبت قبل الانتفاضة مباشرة، أعرب لينين عن ثقته في السلطة الشرعية والديمقراطية للسوفييتات، إلى حد القول بأنها ستضمن ثورة سلمية نسبيا، كما ورد في “الثورة الروسية والحرب الأهلية” (1917).
التطور السلمي لأية ثورة، بشكل عام، نادر وصعب للغاية، لأن الثورة هي الحد الأقصى لتفاقم أشد التناقضات الطبقية. لكن في بلد فلاح، في وقت يمكن فيه لاتحاد البروليتاريا مع الفلاحين أن يمنح السلام للشعب الذي انهكته حرب أكثر ظلما وإجراما، عندما يمكن لهذا الاتحاد أن يمنح الفلاحين كل الأرض، في ذلك البلد، في تلك اللحظة التاريخية الاستثنائية، يكون التطور السلمي للثورة ممكنا ومحتملا في حال نقل كل السلطة إلى السوفييتات.[3]

ويجادل في “مهام البروليتاريا في ثورتنا” (1917) بأن:

عبر الاستيلاء على كامل السلطة، لا يزال بإمكان السوفييتات اليوم – وربما تكون هذه فرصتها الأخيرة – ضمان التطور السلمي للثورة، والانتخابات السلمية للنواب من قبل الشعب، والنضال السلمي للأحزاب داخل السوفييتات. يمكنها اختبار برامج الأحزاب المختلفة عمليا، ويمكن للسلطة أن تنتقل سلميا من طرف إلى آخر.[4] السياسة اللاحقة التي فجر لينين عبرها انتفاضة أكتوبر، وعملية نقل السلطة إلى السوفيتات، واتخاذ التدابير الأولى للحكومة العمالية، كانت نتاج هذه الرؤية السياسية. ومع ذلك، فإن هجمة الثورة المضادة كانت عنيفة للغاية، ومتعطشة للدماء منذ البداية، ما أجبر الثوار على الرد بالعنف من أجل ضمان بقاء الثورة.



السوفييتات والديمقراطية العمالية


السوفييتات الثورية مضت بالمشروع الذي بدأ في كومونة باريس. لقد كانت خليفتها الروحية، وقدمت الأداة الرئيسية للجذور العمالية، ولكن أيضا للجنود والفلاحين، للتعبير عن “مبادرتهم الخلاقة” وفرض إدارة حياتهم بأنفسهم. السوفييتات، التي تم تشييدها كجسم نضالي ضد القيصر، تحولت إلى جسم نضالي جديد، للنضال من أجل بقاء الثورة وتطبيق البرنامج الثوري.
السوفييتات كانت مجالس عمالية مكونة من مندوبين منتخبين في المصانع والأحياء والثكنات والحقول. وفقا للوصف الذي قدمه بيير برويه [5]، كان لديها استقلالية لحل القضايا المحلية إلى جانب وضع المراسيم الصادرة عن السلطات المركزية موضع التنفيذ. لقد كانت تتولى المهام التنفيذية والتشريعية اليومية عبر المجالس التداولية الديمقراطية. انتخاب أعضاء السوفييتات كان يستند إلى أسس الانتخابات المقسمة وفقا للحدود الطبقية، بحيث يمنح العمال أغلبية في السوفييتات مقارنة بالفلاحين. أولئك الذين وظفوا عمالا آخرين لم يتم منحهم الحق في التصويت. كافة الممثلين في السوفييتات (وفي أماكن أخرى من الدولة الثورية) كانوا يخضعون لاستدعاء ديمقراطي فوري.
مسألة الحقوق المدنية والديمقراطية تم تناولها منذ البداية، وفقا لمبدأ منح أكبر قدر ممكن من الحقوق للعمال دون تعريض دكتاتورية البروليتاريا للخطر. بدأ النظام السوفياتي في منح حريات ديمقراطية واسعة. على سبيل المثال، حظر عقوبة الإعدام، رغم أنه اضطر لاحقا على إعادتها عام 1920 عندما بلغت الحرب الأهلية ذروتها. وكذلك كانت أولى الاعتقالات والأحكام التي صدرت بحق المنخرطين في الثورة المضادة حميدة للغاية. بعد اعتقال الجنرال الأبيض كراسنوف، تم إطلاق سراحه من الاعتقال إثر وعد شفهي بسيط بأنه لن يقوم بأي عمل يتعلق بالثورة المضادة. اختفى لاحقا ولعب دورا رئيسيا في تنسيق إرهاب الجيش الأبيض العنيف خلال الحرب الأهلية.
لينين نفسه كان يأمل في توسيع حريات الصحافة والتنظيم، مصرا على أن السلطة التي تمارسها الجماهير في السوفييتات هي كل ما هو مطلوب من أجل بقائها فعالة.
الأحزاب التي كانت موجودة قبل ثورة أكتوبر استمر أغلبها في المشاركة بالنظام السوفييتي الجديد. في الأشهر القليلة الأولى، كان لدى كل من يسار ويمين الاشتراكيين الثوريين، والمناشفة، والجماعات الأناركية، وحتى حزب الكاديت البرجوازي القدرة على التنظيم والطباعة علنا، والإبقاء على منظماتهم، ومنشوراتهم، والقيام بالأنشطة التي تضمنت التحريض ضد الحزب البلشفي والسلطة السوفييتية. وقد شهدت انتخابات الجمعية التأسيسية في بتروغراد وحدها مشاركة 19 حزبا، حيث شاركت الأحزاب الاشتراكية والبرجوازية وأحزاب الأقليات القومية على المستوى الوطني.[6] لكن أحزاب المعارضة لم يقتصر نشاطها على المناقشات في السوفييتات، أو التركيز على السياسات الأكثر صلة والمتنازع عليها. المناشفة والاشتراكيون الثوريون واصلوا الاعتقاد بأن الانتفاضة وإقامة دولة سوفييتية كانا خطأين فادحين، وكانت أنشطتهم السياسية في تلك الفترة تركز على هزيمة البلاشفة من أجل إعادة روسيا إلى طريق الديمقراطية البرجوازية. المناشفة انتهى بهم الأمر إلى دعم الثورة المضادة البيضاء، والاشتراكيون الثوريون، انسجاما مع جذورهم الإرهابية، نفذوا هجمات إرهابية مختلفة بهدف زعزعة استقرار الحكومة البلشفية. تم تنفيذ محاولة لاغتيال لينين عام 1918 والتي نجحت في إصابته من قبل إرهابي من الإشتراكيين الثوريين. في غضون ذلك، كان الكاديت منذ البداية يتآمر مع الجنرالات البيض لتشكيل جيوش الثورة المضادة البيضاء.
ظروف الحرب الأهلية، ومواقف الاشتراكيين الثوريين والمناشفة، التي كانت تتأرجح ما بين دعم الثورة المضادة ودعم السوفييتات، تعني أن الإجراءات التي تم اتخاذها ضد هذه الأحزاب لم تكن دائمة. وهذا يدل على عدم وجود “نية” لتثبيت نظام الحزب الواحد الذي يقمع الحريات المدنية بشكل مسبق. القيود على الحريات السياسية كانت خطوة ضرورية تم اتخاذها للدفاع عن دكتاتورية البروليتاريا، وضمان بقاء الثورة وسط واقع معادي.
لاحقا، تعين على النظام السوفييتي أن يحشد ذاته في خضم التحديات الهائلة المعقدة التي تطرحها اللحظة. كان للنظام منظور رئيسي: أن يكون قاعدة عمليات لتطوير القوى الثورية، سواء في روسيا أو بقية العالم.
الجزء الرئيسي من هذا التصور هو جانبه الأممي. بالنسبة للينين وتروتسكي، كان انتصار الثورة الاشتراكية في أوروبا هو هدفهما الأساسي، وأملهما الأعظم للبقاء. لقد فهما جيدا أن الطابع الدولي للرأسمالية، وتحديدا خلال مرحلتها الإمبريالية، كان عقبة هائلة أمام تحقيق الاشتراكية في بلد متخلف اقتصاديا. كان هذا التصور الأممي نقطة اتفاق أساسية، ومصدر إلهام للأمميين الثوريين، الذين وجدوا أنفسهم معزولين وغير منظمين، بعد خيانتهم من قبل الديمقراطيين الاشتراكيين في الأممية الثانية.
بالنسبة للأممية البلشفية، التي باتت في السلطة، كانت المشكلة الأولى التي يجب معالجتها على المسرح الدولي هي الحرب الإمبريالية المستمرة. زاد هذا من أهمية نداءات الثورة لشعوب أوروبا من أجل سلام ديمقراطي وعادل دون ضم الأراضي. مفاوضات السلام بين ألمانيا وروسيا في بريست ليتوفسك أثارت نقاشا حادا داخل الحزب. الحاجة الملحة لإنهاء الحرب على الجبهة الألمانية استلزم قبول تقديم تنازلات غير مرغوب فيها لألمانيا، الأمر الذي اعتبره بعض البلاشفة مرفوض أو حتى خيانة صريحة. في النهاية، تم تبني خط لينين في قبول المطالب. كان الهدف هو كسب الوقت لتأسيس حكومة عمالية في روسيا، وانتصار الثورة في أوروبا. ورغم اندلاع الصيرورات الثورية في بلدان متعددة، إلا أن أيا منها لم ينجح. هذه الهزائم لم تطفئ ثقة لينين وتروتسكي في أن الثورة العالمية ستأتي عاجلا أم آجلا. لذا، كانت إحدى مهامهما الرئيسية إعادة تنظيم الثوار داخل الأممية الثالثة.
كانت مهمة تطوير القوى الثورية داخل روسيا على رأس الأولويات الأخرى. التقدم نحو “بناء النظام الاشتراكي” كان يعني الانتقال من إقامة السلطة السوفييتية إلى إعادة تنظيم الاقتصاد بشروط جديدة. كان لا بد من فرض سيطرة العمال الكاملة على النشاط الصناعي والتجاري والخدمي والزراعي، وتطبيق ذلك من خلال اللجان والمجالس التي يسيطر عليها العمال، الذين ستكون لديهم سلطة التحكم في كافة جوانب الإنتاج (الحجم، السعر، إلخ). كما كلفت تلك اللجان برفع معدل الإنتاج الذي كان متوقفا في ذلك الوقت. وقد تطلب هذا الانضباط الذاتي الواعي من العمال الذين يعملون لتلبية احتياجات السكان ومكافحة التخريب.
مرسوم آخر نص على تأميم البنوك، وإلغاء الديون الخارجية والداخلية، وفرض العمل الإلزامي على كافة المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و55 عاما، والتوزيع المركزي للسلع الأساسية على المواطنين.
البلاشفة لم يكونوا قد اقترحوا بعد مصادرة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج [7]، مدركين أنه يمكن الإبقاء على علاقات الملكية الرأسمالية حتى اللحظة التي تتطور فيها الطبقة العاملة إلى الحد الذي يمكنها من السيطرة الكاملة على الإنتاج، مع كون اللجان المشكلة خطوة وسيطة نحو هذا الهدف. لكن الاحتياجات في ذلك الوقت، وتحديدا الاحتياجات التي فرضتها الحرب الأهلية ضد جيوش الثورة المضادة، فرضت على الدولة السيطرة الكاملة على القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.
ولكن أبعد من التخلف التاريخي للاقتصاد الروسي، حتى القدرة الإنتاجية المتواجدة آنذاك كانت شبه مدمرة، بسبب الحرب والأزمات السياسية التي حدثت منذ عام 1917. وفوق كل هذا، كان على الدولة أن تتعامل مع التخريب والمضاربة والنهب الصريح الذين ترتكبهم القوات البرجوازية المعادية للبلاشفة والدولة الجديدة. أعقب هذه المشاكل حرب أهلية، حيث قامت القوات المشتركة للجيوش البيضاء والإمبريالية وكافة أعداء الثورة الآخرين، بما في ذلك جزء كبير من المناشفة والاشتراكيين الثوريين، بجلب الإرهاب الأبيض إلى الدولة السوفيتية الفتية. وقد خلق هذا الحاجة إلى النضال ضد الثورة المضادة، وإنشاء الجيش الأحمر تحت قيادة تروتسكي. لذا، طوال فترة الحرب الأهلية، كانت الأولوية في كل من الميدان والمدن هي ضمان استمرار الدفاع عن الثورة.
بعد الانتصار في الحرب الأهلية، احتلت الاهتمامات الاقتصادية الأهمية القصوى. كانت الحاجة إلى إخضاع الإنتاج الزراعي والصناعي لاحتياجات الجيش الأحمر قد أدت إلى تأخير تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. كانت الندرة والجوع منتشرين في كل من المدن والميدان.
بدأ الاستياء يتنامى في المناطق الريفية. سئم الفلاحون من مصادرة محاصيلهم لصالح الجنود. ونظرا لأن الفلاحين لم يكونوا قادرين على بيع محاصيلهم بثقة، فقد انخفض الإنتاج إلى الحد الأدنى الضروري لبقاء الفلاحين على قيد الحياة. في المدن، لم تكن سيطرة العمال على الإنتاج كافية لرفع الإنتاج الصناعي. كان العمال الأفضل يقاتلون على جبهة المعركة، وكانت العديد من الصناعات شبه مشلولة بسبب نقص الموارد، أو حتى التخلي التام عنها من قبل القوى العاملة. كان البقاء الفردي هو القاعدة السائدة في الشوارع آنذاك، ولم تكن دعوات المواطنين إلى الانضباط والتركيز على الهدف النهائي لبناء الاشتراكية كافية للحفاظ على الروح المعنوية. كما أن التعاون الذي ولدته “شيوعية الحرب” لم يكن كافيا أيضا، وبدأ السخط يتصاعد بشكل خطير.
وبالتالي، كان لا بد من اعتماد سياسات جديدة. الحاجة إلى تنشيط الاقتصاد قادت إلى تبني أشكال التنظيم الرأسمالية، التي تركز على تحفيز فائض الإنتاج في الزراعة من خلال حوافز السوق. تم الترويج لهذا الإجراء كإجراء طارئ مؤقت، اتخذ لمعالجة مسألة الجوع، وانعاش الإنتاج الصناعي.
هذه الإجراءات عززت قوة الفلاحين الأغنياء (الكولاك)، الذين كانوا سيسعون عاجلا أم آجلا إلى التعبير السياسي عن مواقعهم المتميزة الجديدة كمستفيدين من سياسات السوق. كان لابد من معالجة هذا الخطر من خلال الضرائب التصاعدية، والإنتاج الجماعي الطوعي للفلاحين الأكثر فقرا.



الانشقاق عن النظام السوفييتي


على مدار فترة امتدت نحو عشر سنوات، من نهاية الحرب الأهلية حتى بداية الجماعية القسرية للإنتاج الزراعي، قاسى النظام الثوري، والحزب الشيوعي (البلشفي)، والأممية الثالثة لصيرورة بيروقراطية فرضت ثورة مضادة بحكم الأمر الواقع في الأجهزة الداخلية للاتحاد السوفياتي. هذه الفترة تزامنت مع مرض لينين وموته لاحقا. في أيامه الأخيرة، بدأ لينين يدق ناقوس الخطر بشأن المسار البيروقراطي الذي كان يرسخ وجوده داخل الحزب، لكن موته أوقف المعركة ضد البيروقراطية. بعد وفاته، قام ستالين وحلفاؤه بعزل وقمع منتقديهم عبر التلاعب وتدبير المكائد، ما أدى إلى تصفية كافة الكوادر القيادية التي قادت الثورة منذ العام 1917.
الحرب الأهلية في السنوات القليلة الأولى بعد الثورة جلبت عواقب تمثلت بآلاف القتلى، وإطالة أمد المعاناة الاقتصادية، بل تسببت أيضا في إضعاف الدولة السوفييتية نفسها. أفضل عناصر الطبقة العاملة التي قادت ثورة 1917، وأكثر الرفاق انضباطا وتحمسا للقتال من أجل البرنامج الاشتراكي، كانوا هم أيضا أول من سار إلى الخطوط الأمامية دفاعا عن الثورة من الإرهاب الأبيض. وإلى جانبهم، شكلت الرتب العسكرية للحزب البلشفي العمود الفقري للجيش الأحمر، الذي دافع ببطولة عن الثورة، وهزم الثورة البيضاء المضادة بنجاح.
هذا الانتصار كلف آلاف الأرواح، وحصد الجزء الأفضل من طليعة العمال والحزب البلشفي. في المصانع، كانت مناصب العمل قد شغلت بطبقة عاملة ضعيفة التدريب، والتي تم تجنيدها مؤخرا من المناطق الريفية، حيث أصيبت بالإحباط، وخضعت لسنوات من الحرب والمعاناة. وبغياب المعرفة التقنية للإنتاج، أو التثقيف السياسي الاشتراكي، كانت الطاقة الثورية للطبقة العاملة الروسية قد خبت.
في غضون ذلك، كانت هناك صيرورة مماثلة تجري داخل الحزب نفسه، فمنذ العام 1917، شهد الحزب نموا هائلا إثر انتصاره في ثورة أكتوبر. لكن لم يكن أفضل أفراد الطبقة العاملة فقط هم من انضموا إلى الحزب. انتصار البلاشفة اجتذب أيضا العديد من المهنيين والانتهازيين للانضمام إلى الحزب، أملا بالحصول على جزء من غنائم المنتصرين. في ذات الوقت، كان انهيار الأحزاب الأخرى يعني أن العديد من المقاتلين الذين تم تدريبهم على التقاليد السياسية الإصلاحية والانتهازية يأملون الآن في الانضمام إلى الحزب البلشفي، ومواصلة عملهم السياسي فيه.
على مستوى الدولة، رغم أن السوفييتات كانت أداة قوية، إلا أن قدرتها على إدارة الدولة بشكل فعال كانت تعتمد على قدرتها على معالجة المشاكل التي لا حصر لها، والتي تنشأ كل يوم. وبهذا المعنى كان من الضرورة منذ البداية الإبقاء على بعض أدوار ومواقف الدولة القديمة. هذه الطبقة من الموظفين، المعادية للبلاشفة منذ البداية، تمسكت بنفس أمل الاشتراكيين الثوريين والمناشفة، في هزيمة الحزب البلشفي. لكن البلاشفة نجحوا في الحرب الأهلية، وبقي العديد من هؤلاء الموظفين، الذين استقالوا للعمل مع النظام الجديد لإيجاد طريقة للحفاظ على مصالحهم الخاصة داخل بيروقراطية الدولة. هذه الشريحة من البيروقراطيين ازدهرت، في الوقت الذي كانت الطبقة العاملة تعاني خلال هذه السنوات، وارتفع صوتها داخل أجهزة الحزب الشيوعي الحاكم.
هذه الإرادة السياسية وجدت تعبيراتها في نهاية المطاف بالستالينية. ستالين، الذي كان قد أبدى بالفعل ميلا نحو التنظيم البيروقراطي، والتآمر، والاستبداد (الميول التي شجبها لينين نفسه)، أحاط نفسه بداية بكوادر الحزب الأقل استقطابا، ثم أضاف إليها تدريجيا الجناح المحافظ للحزب، وأعضاء جدد منحدرين من البيروقراطية القيصرية القديمة.
على عكس الحزب البلشفي في زمن لينين، حين كان المنظمون الرئيسيون مناضلين محترفين يعملون بشكل سري، وكان النظام الداخلي نظاما ديمقراطيا مركزيا منضبطا، بجدالات ومناقشات داخلية متكررة، كان الحزب الشيوعي في الثلاثينيات حزبا أحاديا، حيث يتم اتخاذ القرارات من قبل زمرة حاكمة صغيرة، ولم يكن لدى الرتب الحزبية الكثير من الخيارات سوى اتباع الأوامر من الأعلى.
في هذا السياق، برر ستالين وشركاؤه نهجهم السياسي على أنه استمرار صحيح وسليم لسياسة لينين. هذه الأيديولوجية، التي تتسم بعبادة الأبطال، تزوير للتاريخ، حيث وصفت المقاربة الدوغمائية للنظرية خطأ باسم “اللينينية”. لكن هذه الأيديولوجية ليست سوى تفسيخ لمبادئ لينين وانشقاق عن الإرث الثوري وبرنامج الماركسية ونظرياتها. ستالين أسس عقيدة عقيمة، خالية من التحليل المادي الديالكتيكي الفعلي، بصيغة مبتذلة، في محاولة لبناء تبرير نظري للتخلي عن استراتيجية الثورة الأممية لصالح التعاون الطبقي والبيروقراطية.
هذه الثورة المضادة عبرت عن نفسها عمليا في كل جوانب الحياة السوفيتية. التقدم الاجتماعي التقدمي الذي تم إحرازه بالدم والتضحية تم محوه شيئاً فشيئاً، وتنامى التقسيم الطبقي الاجتماعي واللامساواة يوما بعد يوم، مع تزايد انفصال طبقة بيروقراطيي الحزب، الذين يعملون كموظفين في الدولة، عن الطبقة العاملة والفلاحين الذين يعانون القمع والحرمان.
أما بالنسبة للعلاقة بين الحزب الشيوعي والسوفييتات، فلم تعد علاقة حزب طليعي يقود الشعب ويثقفه بالتعاون مع الجماهير الواسعة، المنخرطة في عمل الدولة والاقتصاد والمجتمع، بهدف تحويله، عوضا عن ذلك، تولى الحزب دور القضاء على المبادرات الثورية، من أجل فرض سيطرة شمولية مناهضة للديمقراطية، لترسيخ امتيازات الطبقة البيروقراطية الجديدة.
كل القيود المفروضة على الديمقراطية البروليتارية داخل الدولة والمجتمع والحزب، وكذلك اعتماد الأساليب الاقتصادية الرأسمالية في الخطة الاقتصادية الجديدة، كانت خلال الحقبة الثورية تدابير مؤقتة بهدف حماية الدولة العمالية من هجمة وشيكة للثورة المضادة، لكن في ظل حكم ستالين، شكلت الحريات الديمقراطية والوعي الثوري تهديدا لامتيازات البيروقراطيين، حيث انبرى نظام ستالين للدفاع عن الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي وفرت الامتيازات لتلك الطبقة.
وهكذا، فإن المبادرات الإبداعية الثورية للجماهير، التي كان يتم التعبير عنها في السوفييتات، فقدت نبضها، وانتهى بها الأمر كطبقة طلاء رقيقة تغطي حقيقة سلطة الدولة في الاتحاد السوفياتي: بيروقراطية دولة تتألف من الحزب الشيوعي، كما تم استبدال أجهزة الدولة بصدفة جوفاء مدعومة بالقمع الوحشي لكل تعبيرات السخط أو المعارضة.
من الناحية الاجتماعية، بدأت اللامساواة تتنامى إثر تعزيز مواقع موظفي الدولة والحزب على خلفية القمع والفاقة.
الأممية البروليتارية، التي دافع عنها لينين وتروتسكي، تم الارتداد عنها إلى القومية، والقبول بهزيمة الانتفاضات الثورية الأوروبية في عشرينيات القرن الماضي، واعتبار بقاء الاتحاد السوفيتي في عالم معاد علامة على جدوى بناء الاشتراكية في دولة واحدة، مستقلة عن الثورة الأممية. وهكذا، بدأ الاتحاد السوفييتي بتبنى نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” الزائفة.
وضع الفلاحين تغير أيضا في هذه الفترة. كان لينين وتروتسكي يؤيدان دوما سياسة التواصل مع الفلاحين لإقناعهم بمزايا الاشتراكية، والإنتاج الجماعي، والتقدم التكنولوجي مقارنة بالطرق القديمة للإنتاج الإقطاعي. لقد كانا يعلمان جيدا أن هذه الصيرورة لن تكون سريعة ولا سهلة، وأنها تعتمد على كل من تحرر الفلاحين من طبقة ملاك الأرض، والحفاظ على القيادة البروليتارية للمجتمع، أي دكتاتورية البروليتاريا.
وبالتالي، كانت السياسة الأولية هي الإقناع السلمي. المراسيم الخاصة بالإصلاح الزراعي قدمت تنازلات للفلاحين، ونقلت ملكية الأرض إليهم، بدلا من تجميع الملكية الريفية على الفور.

هذا ما قاله تروتسكي في العام 1933:

المشكلة ستصبح أكثر صلابة عندما نأخذ في عين الاعتبار التغييرات الأساسية في الهيكلية الطبقية لفترة الثورة. دكتاتورية البروليتاريا، كتنظيم لقمع المستغِلين، كانت ضرورية ضد الملاكين، والرأسماليين، والجنرالات، والكولاك بقدر ما كانوا يدعمون الطبقات المالكة العليا. لا يمكن أن ينجذب المستغلون إلى خندق الاشتراكية، فكان لابد من كسر مقاومتهم مهما كان الثمن. سنوات الحرب الأهلية شهدت أعظم ممارسة لسلطة البروليتاريا الديكتاتورية.
فيما يتعلق بالفلاحين ككل، فإن المهمة كانت ولا تزال مختلفة تماما. يجب أن ينجذب الفلاحون إلى صف النظام الاشتراكي. علينا أن نثبت للفلاح، من الناحية العملية، أن الصناعة الحكومية قادرة على تزويده بالسلع بشروط أكثر فائدة بكثير مما كانت عليه في ظل الرأسمالية، وأن الزراعة الجماعية أكثر فائدة من نظيرتها الفردية. [8] سياسة ستالين على كانت مخالفة لذلك، حيث تم تطبيق الجماعية القسرية، لتحل محل السياسة اللينينية للإقناع السلمي. وفي مواجهة تعزز قوة الكولاك، وتطور الميول الرأسمالية التي لا يسيطر عليها جهاز الدولة، استدار ستالين، الذي كان حتى ذلك الوقت يعتبر فلاحي الكولاك قاعدة أساسية للدعم، ليفرض مصادرة عنيفة للأراضي، والمحاصيل، والماشية على الأغنياء والفلاحين الفقراء على حد سواء، ما أطلق موجة جديدة من السخط، والاحتجاج، وأدى إلى انخفاض إنتاج الغذاء.
داخل الحزب، بعد أن فرض الحظر الدائم ضد الانقسامات والتوجهات المخالفة، قام ستالين باضطهاد وطرد كافة القادة والمناضلين الذين أعربوا عن انتقادهم لجهاز الحزب. الثلاثينيات اتسمت بالاعتقالات، والترحيل، والاغتيالات، والمحاكمات الصورية، والتي أدت في النهاية إلى إزاحة القادة السابقين للحزب البلشفي. تروتسكي وجد نفسه في البداية مطرودا من الحزب، قبل أن يتم نفيه لاحقا، ومن ثم اغتياله على يد عميل ستاليني في المكسيك. حتى أولئك الذين خدموا مصالح ستالين لم يسلموا. حلفاء ستالين في السابق، ومن بينهم كامينيف وزينوفييف وبوخارين، وجدوا أنفسهم متهمين بالقيام بأنشطة معادية للثورة، وبأنهم عملاء فاشيين أو امبرياليين، بعد سقوط “النعمة” الستالينية.
اللجنة الاستثنائية لعموم روسيا “التشيكا”، والتي تم خلقها في سنوات الثورة الأولى، لقمع نشاط الثورة المضادة وعملياتها التخريبية، تم استبدالها بالمديرية السياسية للدولة، (شرطة سياسية) تشبه “الأوخرانا” القيصرية (دائرة حماية الأمن العام والنظام) أكثر من كونها شبيهة بـ “التشيكا” البلشفية، حيث تم تعيينها مسؤولة عن تولي أعمال الاعتقال، والتعذيب، والمراقبة الجماعية. وقد بدأت محاكمات موسكو في العام 1936، وهي محاكم “شعبية” اعتقلت وأدانت وأعدمت عمليا الجيل البلشفي بأكمله.
أبعاد التطهير تشي بأن ستالين كان يسعى إلى القضاء على الطليعة الثورية التي قادت الثورة.
مقارنة قوائم أولئك الذين تم إعدامهم بقوائم أعضاء الهيئات القيادية مفيدة أيضا: الجزء الأفضل من أعضاء اللجنة المركزية 1917-1923، وأمناء الحزب الثلاثة 1919-1921، وغالبية أعضاء المكتب السياسي 1919-1924 تم القضاء عليهم. بين عامي 1924 و 1934، لم نتمكن من مواصلة هذا التحليل بسبب نقص البيانات. على أي حال، من بين 139 رفيقا تم انتخابهم للعمل أو الترشح كمندوبين للجنة المركزية عام 1934، تم سجن ما لا يقل عن 10 في ربيع عام 1937، واعتقال 98 آخرون أعدموا بين عامي 1937 و 1938، 90 منهم بين الجلستين الثانية والثالثة في موسكو. 22 عضوا فقط، أي أقل من سدس أعضاء الهيئة، وجدوا أنفسهم في اللجنة المركزية عام 1939، وقد تم بالفعل إعدام الغالبية العظمى من الغائبين بحلول هذا التاريخ. [9] تهمة أن الإرهاب الستاليني وبيروقراطية الاتحاد السوفييتي كانا نتيجة مباشرة لرؤية لينين السياسية تتكرر في كل مكان. لكن قراءة أفكار لينين، كما أعرب عنها في كتاباته، وكذلك الأدلة التاريخية لهذه الفترة، تبين أنه عوضا عن كونها نتاجا للينينية، كانت الستالينية انحرافا عن اللينينية والماركسية، وانفصالا عن السياسات السابقة. لقد كانت واقعا سياسيا جديدا في الاتحاد السوفييتي بداية، ثم في الدول العمالية الأخرى التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.
الاختلاف الجوهري بين الفترة اللينينية الثورية في بداية الاتحاد السوفيتي، والستالينية التي مهدت للبيروقراطية والانحطاط، هو التحول في كيفية تعامل الدولة مع “الندوب” الرأسمالية، والتناقضات الهائلة التي ظهرت بعد انتصار الثورة الاشتراكية في بلد متخلف.
لينين وضع ثقته في الطبقة العاملة، وأيد سياسة الصراع الطبقي، وإطلاق المبادرات الثورية للجماهير، حيث لعبت هذه الجماهير نفسها دورا رائدا في دفع الدولة نحو الاشتراكية. في مواجهة التهديدات وخطر الثورة المضادة، تم تبني سياسة فرض قيود على الديمقراطية والحريات العمالية، ولكن بصراحة كإجراءات انتقالية، يفترض أن لا تكون إلا مؤقتة.
في المقابل، قام ستالين، رغم ماضيه البلشفي، بحل التناقضات و “الندوب” عبر تعزيز قوة الجهاز البيروقراطي في مواجهة الديمقراطية البروليتارية، ومشاركة الجماهير في أعمال الدولة من خلال السوفييتات. القمع الشمولي للديمقراطية العمالية، والمركزية البيروقراطية المطلقة التي فرضت على الدولة والمجتمع عبر الحزب، كفلا بقاء البيروقراطية وامتيازاتها، ما أدى في النهاية إلى استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول العمالية، إثر حنق القواعد الاجتماعية والاقتصادية لتلك الدول.

المراجع

[1]

ماركس، “نقد برنامج جوتا”

[2]

لينين، “أحد المسائل الأساسية للثورة”

[3]

لينين، “الثورة الروسية والحرب الأهلية”

[4]

لينين، “مهام الثورة”

[5]

برويه، الحزب البلشفي، 67

[6]

بايبس، الثورة الروسية، 585

[7]

تروتسكي ، سيطرة العمال والتأميم ، 229

[8]

تروتسكي ، “مشاكل النظام السوفيتي”

[9]

برويه، الحزب البلشفي، 213

مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق