مشوار باقة البقدونس: من خبرات الطفولة!؟

مريم نجمه
2022 / 2 / 2

مشوار : باقة البقدونس " من خبرات الطفولة " ؟!
- ابنتي مريم : ألله يرضى عليك روحي لبيت ِستّك لوسيّا واحضري لنا جُرْزة بقدونس من حوش جارتنا مريم الزين ( أم جريس ) محتاجتها للطبخ .
- فرِحتْ الطفلة ذات الستة أعوام .. عند سماعها هذه المُهمّة المٌمتعة والسهلة وفرح المشوار لبيت جدّتها المُحبّب لها في " حارة التِحتا " ,
ليس لتعبئة جرّة الماء لها ومساعدتها اليوم , بل لحاجة أخرى صغيرة سهلة وضرورية وسريعة -

كان الوقت ربيعاً , الأعشاب والأزهار والأشجار تلون سطح الأرض , وتعبق الوادي والروابي وسفوح الجبال بالأخصّ شجرة الأكاسيا المعشّشة بالعصافير ودوي أصوت النحل .
.... صيدنايا , أربعينيات وخمسينات القرن الماضي , لم تكن مياه الشفة ممدّدة للمنازل , ولم تكن كما اليوم كل ما نطلبه نجده من خضار وفواكه بالدكاكين والمحلات أو السوبر ماركات .
معظم بيوت القرية القديمة تملك حدائقاً منزلية جنائن و ( أحواش ) ترابية تزرع فيها العائلة كل حاجاتها تقريبا من أشجار ( الرمان التين الدالية " العريشة " أشجار التوت الأبيض والأحمر المشمش اللوز الزيتون الحور الخ .. , والبيلسان والزيزفون والورد البلدي لغذاء النحل والزينة .. . فتقتطع ربة البيت زاوية صغيرة أم كبيرة منه تسمّى " الحاكورة " وتسيّجها بالطين وتغطيها بالمنخل الزردي لتزرعها بالنعناع والبقدونس البصل و الكزبرة والخيار ... وغيرذلك لوقت الحاجة والإستعمالات المنزلية .
فكانت المرأة تضع فوق الحوض الترابي الجانبي , غطاءً من الشبَك أو المُنخل , أو أغصان العنب الدالية " الزبارة " حماية من الماشية والطيور والدجاج المُرّبى منزلياً في قِنّ الحوش أو فسحة الديار, أي الحديقة . . فكان ينمو بارتياح بهذه الطريقة وربة البيت تعتني بهم بالسقي وبالسماد الطبيعي الحيواني ليغذي المزروعات النباتية المحلية .

..... بين منزلنا و دارأهلي الواقع في مركز السوق الشارع الرئيسي للبلدة , وبيت جدّتي على تلّة سفح جبل مارجريس على أطراف البلدة مسافة ليست بعيدة بالنسبة للطفلة ..
درب منحدرة نوعا ما نحو وادي مارجريس وادي البلدة , بمحاذاة قناة السيل الجنوبي . لكن
الفتاة تحب هذا المشوار منذ صغرها , تهرول مسرعة بمحاذاة قناة السيل ثم البيادر وبيوت الجيران الذي تعرفهم واحداً واحداً ويعرفونها جيداً إبنة " الياس الحلبي " نجمه وأمها وديعة الخوري فتاة الحي , تسلّم عليهم إذا شاهدت أحداهن - أحدهم - جالسين فوق " المصطبة " أمام الدارمستمتعين بالأعمال اليدوية , أو بشرب القهوة أوالشاي . .
ثم تبدأ في الصعود درباً صخريةً معشوشبة غير معبّدة لبيت الجدة الحجري القابع بين الصخور .
هو كذلك , مؤلف من غرفة المربّع الفوقاني ذو العتبة الأسمنتية الواسعة وفوقها طاقة الجرّة للمياه النظيفة الذي يحوي اليوك والمخزن داخله مع خوابي الجوز والتين وصندوق الصدف الخشبي , و ذات الرفوف الطينية الناصعة البيضاء العالية المزخرفة على الجدران للصمديات , وغرفة المطبخ الكبير تحته الذي يفصله عن غرفة الجلوس والنوم بأربع درجات الحجرية , والذي تحوي زاويته الجنوبية على الموقد , والإستراحة الأرضية بالجلود والبسط الصوفية وحلة الماء الكبيرة ونملية المؤونة الخشبية والطاقات الحجرية الطينية للأواني المنزلية , المطل على جنينة الأشجار المثمرة كالتين والرمان التوت الشامي وووو ... , وغرفة المؤونة والحطب وطيور الدجاج بجانبه , وغرفة التنور المهدّم في نهاية الدار الريفية الجميلة المطلة على القرية كلها , د ون حراسة أو رقيب .
أمام البيت فُسحة واسعة كبيرة ترابية - صخرية معشوشبة بأعشاب البابونج والميرمية والزعتر ودون سياج . مفتوحة على الطريق العام المؤدية لدير القديس مارجريس في الأعلى - يصعد إليه عن طريق الدرج الصخري ماراً بشجرة البطم المعمّرة العريقة , الذي يعشقها الأطفال بالمراجيح وذكريات الطفولة المخبأة هناك مع بنات وأولاد خالاتي

دار جدّتي لوسيا غير مسيّجة بالأسوارلا الحجرية ولا الطينية والحديدية , عِدا سياج بسيط جدا للحديقة " الجنينة " الخاصة بالمزروعات و بالأشجار التي ذكرتها أعلاه ......
يا إلهي ..!
مشرّعة الأبواب والبيوت للمدى والفلاه ..... حيث الأمان والشمس والهواء الصخري النظيف النقي ينعش الروح , والحب حرّاسها ,
لا لصوص ولا اعتداء ولا خوف ولا ولا " مخبرين " أو جواسيس !
أمان سلام محبة فلا ومدى يطل على .... مناظر البستان التابع لديرسيدة صيدنايا وسهل بلدة المعرة وكنيسة القديس خريستوفارس على هضبة نهاية الوادي والكروم !

..كان الخال حنا الخوري هناك في البيت حينذاك - قبل سفره للأرجنتين - , مع صديقيه جريس كحلا وحنا سابا وآخرين رفاق الطفولة والصيد , صيد العصافيروالفرّي وغيره .. من الوادي القريب رفيقهم وهواياتهم أوقات الإستراحة -
سلّمتْ مريم على جدّتها وخالها وأخبرتها عن حاجة والدتها للبقدونس من حديقة قريبتها مريم الزين , ,

بيت الجدة مُحبّب دائماً للأطفال والأحفاد , فيه جاذبية وسحر وراحة ورائحة يميّزها ويعرفها الأطفال . فهو الحضن الدافئ المريح والحكايات المثيرة , والماكولات الطيبة اللذيذة المخبأة للصغار وجيوبهم من جوز وتين ولوز وزبيب وقضامة وكعك , وغيره من التسالي والحلويات.
كانت الإستراحة الأولى على درجات البيت الأربع الصخرية العريضة .
- نادت لوسيا على مريم الزين جارتهم وقريبتها أيضاً , حيث الصوت يسمع بسهولة لقرب البيوت لبعضها وانفرادها , والصمت والهدوء المخيّم , وشذى الحقول الذي يغمر البلدة والحارة خاصة .
فلا وجود لحواجز و أبنية إسمنتية شاهقة ترده وتعيد الصوت , بل يصل الكلام بسرعة البرق , فهدوء المكان حتى أصوات النحل المتجمعة في جني رحيقها حول الأزهار يسمع أزيزها . ما يميز هذه الحارة بيوتها المنفردة قرب البيادرعلى أطراف البلدة ..
- " بنت بنتي وديعة رايحة لعندكم تعمْلي معروف اقطفيلها باقة بقدونس , نادت " جدتي لوسيا :
- تكرم عينك أختي أم ميخايل ابعثيها لعندي -
نزلتُ من بيت جدتي بفرح الطفلة بإتمام المهمة الجديدة , بعد أن وافقت الجارة .
اجتزتُ بيت أبو عُقدة جيران جدتي وأصدقاءها , ثم يأتي بيت الزين ذوالطابقين العلالي ودور أرضي , دخلت الحوش المفتوح الجوانب دون أبواب وأسيجة كذلك , ناديتها خالة مريم : كانت المرأة بالداخل في هذه اللحظة بالذات دون أي إنذار ومقدمات !!
فجأة استقبلني عواء الكلب غير المقيد برباط لا أعلة من أين أتى !؟.
ظهر كلب الدار حين سمع صوتي - هذا صوت غريب؟ ..... يا إلهي ... ماذا أعمل ؟
- أخذ يعوي ويعوي ويتقرب مني بسرعة .. فأخذت أرجع وأبتعد للوراء .. وأركض وأركض للوراء دون وعي كأنني طائر أو طائرة بالهواء تقفز بي والخوف يلبسني , لا أعلم ما أفعل لا أعلم كيف كنت أسبقه وهو يركض ورائي وأنا أركض هو يركض وأنا أركض واستمرت المطاردة والخوف والصريخ مني ومن جدتي , التي سمعت موسيقى البيادر بنا هكذا استمر المشهد الدرامي المضحك المبكي حتى أوصلتني قدماي لطريق " الكرّوسة " المؤدي لبستان السيدة " ..
كان الكلب قد عرف حدوده فتوقف , بعد ان تعالت الأصوات من كل جانب من قِبل أصحابه وجدّتي وخالي والجيران , الذين خرجوا من بيوتهم للإستفسار عن المعركة الموسيقية الشاذة النادرة الحدوث في بيئتهم الهادئة لانقاذ الطفلة التي تركض أمامه معوبة أن يصل إليها وينهشها بعضة الكلب !؟
بين البيادر والطريق " الدرب " الضيق المحدود المساحة الذي إذا ما أخطأتْ قدماي شمالاً أم يميناً, سأقع وأنزل أسفل البيدر والدرب الترابية تؤدي إلى طريق الكروسة النازل لبستان الدير أو طاحونة القرية .. وما زال الكلب يركض ورائي وأنا أركض بخوف ورعب .ورعب ...
لم تعد المسافة بيني وبينه سوى مترًا واحدًا . فسمعتْ جدتي وخالي عواء الكلب , فأخذت تنادي على صاحبة البيت.. ركضت جدتي نزولاً نحوي وهي تنادي على قريبتها : " ضبّي الكلب ضبي الكلب " .. حتى سمعت مريم الزين ونادت الكلب ليعود وراءها تجلبه حتى توقف .
....حتى أهل الحي والجيران استغربوا الضجيج والصراخ والعواء , ركضوا أمام الأبواب ليستفسروا ما الخبر والقصة الفريدة , قصة مريم ومريم والكلب وباقة البقدونس ...!؟
ما زلتُ أتذكّر الجيران هناك .. بيت أبو عقدة وبيت عطية التلي وأبو عبدالله التلي وشاهين ونايف الزهر وغيرهم .... فأكملت الطريق إياباً بغير اتجاه قريب منه لكن من غير درب من أمام بيت الخوري وشاهين فتجمهر كل أهل الحارة أمام منازلهم حينما سمعوا أصوات الصراخ والعواء !.
انتهت هذه الحفلة على سلام دون أذى
بل رعبة الطفة واصفرار وجهها أزعجهم
أخذوا يصلّبوا على وجهي لا تخافي لا تخافي . صاحبة الكلب أخذت تشتم الكلب وتقصيه بعيدًا...
ولا أدري كيف رجعتُ لبيت جدتي مصفرة الوجه منهكة مضطربة , ثم لبيت أهلي بعد أن أعطتني كأس الماء لأشرب منه ثلاث مرات حتى لا تؤثر الرعبة عليّ كما كان يعتقدون شعبياً . صلت وصلّبت على وجهي وحضنتني واعتذرت عن المشوار والحادث .. وما زلت مرعوبة خائفة !
... نسيتُ البقدونس وأهل البقدونس , لا أعلم كيف نجوت وهل أعطت لجدتي ربطة البقدونس أم لا , المهم الذي علق في ذهني هو الخوف من الكلب والتقرب منه أو مشاهدته , والذي نسمي هذه الحادثة أو التجربة في علم النفس " خبرات الطفولة " .الذي يبقى طويلاً عالقاً , محفوراً في ذهن الطفل كحادثة مؤذية للسلوك الفردي , واللآلام النفسية والجسدية والذكريات والظروف التي ارتبطت بهذه الحادثة , لكنها سوف تزول مع الكبر والوعي والعلم والتجارب العديدة .
..." تنذكر ما تنعاد " .
....................
إستراحة ..
كل شئ في القرية القديمة كان على سليقته و طبيعته في أمان .
كلبٌ فالِت حرّ مربوط غير مربوط , حديقة ودار وأساطيح البيوم غير مسيّجة
صنبور ماء مفتوحاً في ساحات وحارات البلدة لجميع المارة .. ليلاً نهاراً
ساعة الديرالشهيرة .. تدقّ بصوتها الجميل المميّز لتعطينا الوقت
أصوات أجراس الكنائس تملأ الفضاء , نهارات الأحد والأعياد والمدائح والصلوات اليومية - الأسبوعية
وصوت التكبير والآذان على مإذنة الجامع ليلاً نهاراً ... ....
هكذا نشأنا كلها أشياء عادية متناغمة جميلة مع حياة القرية البسيطة الهادئة

....
تربية كلب دون قيد ,
طفلة بريئة صغيره غير مجربة
أنا نطّ وهو ينطّ , أسرع يسرع .. أركض وهو يركض .
لكن كانت المباراة بجانبي , لم يستطع ملاحقتي وأذيّتي . كانت مباراة غير ودّية بل عدائية حيوانية مفاجأة ولا أرعب ..
كانت أول مباراة لي , مع الكلاب أعطتني التمرّس بالإنتباه والإحتراس والخطوة خطوة . أحسب حساب كل شئ أتوقع ما وراء الأكمة ‘إحتراس !!
كم تبارينا ونحن أطفال مع زميلات المدرسة أو الحي , لكننا لم نمر، ونعرف حينها الركض أمام الكلاب !؟
الحياة خبرات وتجارب , رعبات وصدمات
ومنذ ذلك المشوار والخوف من رؤية الكلب أو الإقتراب منه ينتابني
فالحادثة بالنسبة لطفلة في هذا العمر والجو الذي حدثت فيه شئ مخيفاً وليس سهلاً , لقد أثرت في ذاكرتي وارتبط الكلب بالحادثة المخيفة هذا مانسميه في علم النفس " خبرات الطفولة " التي تلازم الإنسان لمراحل عمرية متقدمة تبقى فترة طويل معلقة في الذاكرة لدى الطفل حتى تزول مع النضج رويدًا رويداً مع الوعي والتحكم بالإرادة
.. أيام ولا أجمل .. خبراتها صورها انطباعاتها الملونة وذكرياتها المخبأة باللاشعوربالذاكرة , ننبشها حين نشاء استرجاعها لأيام مضت, براءتها وخزينها النبع الجارف أبداً التي ساهمت في تكوين شخصيتنا ووعينا وفكرنا , هذه البيئة الطبيعية الخام " البور " والأيام التي أعطتنا التجارب الغنية نسترجعها مع الكِبر والتدرّج بالوعي والنضج ...لن تعود .
لقد أصبح الكلب فيما بعد رفيقاً وصديقاً محببًا لديّ ولدى أسرتي , وانمحت " صورته العدائية المخيفة " حتى شاءت الظروف بتربية أبنائي للكلب " براندي " صديق العائلة في مشاويرهم للحدائق مع زملائهم و للحقول وكروم العنب والتين !
مع محبتي

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان