الليبرالية الحنبلية لحزب الغد

محمد فُتوح
2022 / 2 / 1

----------------------------------------
كنت حينما يسألنى أحد عن د. أيمن نور مؤسس ورئيس حزب الغد ، كان جوابى دائماً :
" أنني حقاً لا أعرفه على وجه التحديد والدقة ".
وربما يأتى حرصى على الدقة ، من كونى اشتغلت كثيرا بالبحوث العلمية الأكاديمية ، والتى من مزاياها التى نتعلمها ، توخى الحذر فى الحكم ، ومحاولة رؤية الأبعاد المختلفة للصورة ، قبل الإدلاء برأى حاسم أو حكم واثق . بالاضافة الى ذلك ، فاننى أتمتع باستعداد فطرى للدقة ، وتركيب التفاصيل مع بعضها البعض .
لكننى بعد متابعتى لتصور د. أيمن نور للمستقبل فى مصر ، " الغد " ، وذلك من خلال حملته الانتخابية ، أستطيع أن أقول رأيى بدرجة كبيرة من الثقة ، وهى ثقة استقيتها من كلامه هو شخصياً ، وليست مجرد تكهنات أو استنتاجات من الفراغ.
لقد دهشت ، بل وصدمت من وصفه لحزب الغد الذى أسسه ورأسه ، ومنه يرشح نفسه لرئاسة مصر " الغد " .. قال د. أنور نور : " نحن إذا جئنا إلى الرئاسة وإلى الحكم فإننا لن ننتقم من أحد ، ولن نعلق المشانق لأحد ، ولن نقطع الرقاب ، فليس لدينا وقت للانتقام. نحن حزب الليبرالية الأزهرية المستمدة من الأزهر الشريف ، نضع عمامة ابن حنبل على رؤسنا .. القرآن دستورنا على اليمين ، والقوانين على اليسار".
إننى أتذكر أن د. أيمن قبل ترشيحات الرئاسة ،وقبل تعديل المادة 76 من الدستور ، وقبل حملاته الانتخابية ، كان يقول كلاماً مناقضاً لتصوره الانتخابى الذى يردده اليوم لكسب الأصوات ، وأتذكر مثلاً أنه كان يتفوه بعبارات مثل : " الدين لله والوطن للجميع " أو " مصر الغد دولة مدنية " ، " فصل الدين عن الدولة " ، " عدم تسييس الدين " ،
"انتقادات ليبرالية لخطورة تسييس الإسلام " .. أشياء مماثلة ، كلها تصب فى خطاب الدولة المدنية الليبرالية الحديثة العصرية المنفتحة.
ثم جاء خطابه فى الحملة الانتخابية للرئاسة ، خطاباً لا يأتى إلا من أصحاب المرجعيات الدينية ، بل من أكثر أصحاب المرجعيات الدينية تزمتاً وتشدداً ، وهو " ابن حنبل " ، حيث نعلم كلنا أن هناك مرجعيات دينية إسلامية أقل تزمتاً وتشددا.
ودعونى أعلق بدءاً على نبرة الخطاب " الأيمنى النورى " : " لن ننتقم .. لن نعلق المشانق .. لن نقطع الرقاب " ، ما هذه النبرة الإرهابية ، ما هذا التخويف المستتر فى كلمات النفى ؟ ، " انتقام " و " مشانق " و " رقاب " ، إنها لغة التيارات الإرهابية المنافقة ، التى تريد أن تخفى رغباتها الحقيقية ، ولكن بلغة مكشوفة تفضح أكثر مما تستر.
ثم ما معنى " الليبرالية الأزهرية " ؟ . إن المصطلح لا وجود له فى جميع المراجع السياسية ، إنه مصطلح اخترعه حزب الغد ليكسب به أصوات المتأسلمين وأنصار خلط أوراق الدين ، ومَنّ يمثلون الإسلام ومؤسساته الدينية " الأزهر" ، وكذلك أصحاب التمهيد لخلق دولة دينية دستورها هو القرآن.
لا أعتقد أن واحداً من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة ، كان سيتكلم بمرجعية دينية إسلامية أكثر من كلامك يا د. أيمن ، هل أنت " إخوانجى " فى هذه المرحلة ، أكثر من الإخوان أنفسهم ؟ ، أو إسلامى دينى أكثر من ورثة الخمينى ؟ . والأهم والأكثر خطورة من كل هذا ، لماذا اخترت " ابن حنبل " كثر الأئمة تزمتاً ؟.
قد يقول البعض أن كلام د. أيمن نور فى حملته الانتخابية يتسق مع " لعبة السياسة " التى لا تعرف المبادىء الأخلاقية ، ولكن يحكمها شعار " اللى تكسب به العب به " ، والمعيار هو " الغاية " ، أى الوصول إلى الحكم وكرسى الرئاسة بأى ثمن وأى تحالف ، وبالتالى فهو ينهج الدرب السياسى المعروف والمشروع فى لعبة السيطرة والحكم وهو التحالف مع أى أحد ، حتى ولو الشيطان نفسه ، لو كان معنى ذلك الفوز فى معركته.
أرد بالقول أن التحالفات المؤقتة فى عالم السياسة معروفة ، وتمارس فى كل بلاد العالم ، وأن المبدأ الميكيافيلى " الغاية تبرر الوسيلة " سائد فى العمل السياسى عن أى مجال آخر . ولكن فى رأيى أن التحالف مع الشيطان ، أكثر أماناً وأكثر سلامة وأكثر فائدة من التحالف مع التيارات الدينية والجماعات المنظمة ، والإخوان المسلمين المحظورين ، فالشيطان قد يحرض النفوس الضعيفة المستهترة ، مترهلة الضمائر بارتكاب بعض الخطايا ، لكن الشيطان لا يستهدف " الخطر الأكبر" وهو قيام الدول الدينية وزرع ألغام التفرقة الدينية والعمل على سيادة مرجعية دينية محددة ، هذا إذا لم تكن التيارات المتأسلمة والجماعات الدينية قد اشتغلت على " الشيطان " نفسه وغيرت طبيعته وأهدافه ، وأسمته " الشيطان الإسلامى " مقابل " الشيطان الكافر " ،
أو " الشيطان المرتد " أو " الشيطان العلمانى " أو " الشيطان المستورد من الغرب ".
للدكتور" أيمن نور" فى حملته الانتخابية أن يضع برنامجه الانتخابى كما يريد ، وأن يعمل تحالفاته كما يريد . لكننا نقول أن الارتداد بمصر باستخدام الدين ومغازلة أنصار الدولة الدينية ، إلى حد اختراع شئ اسمه طريق "الليبرالية الأزهرية " المزعومة ، وعمل القرآن هو الدستور ، فهذا ضد كل انجازات مصر الحضارية ، وتمهيد لعصر يلعب بالنار ، ولى للمصطلحات والحقائق السياسية ، وضحك على عقولنا واستهتار بطموحات المصريين المتعطشين لعهد يوحدهم لا يفرقهم ، يجمعهم ليقويهم وليس يشتتهم ، وأخطر تفرقة وأبشع تشتيت هو الملتحف بعباءات الدين.
لقد صرح د. أيمن أن حكومة الظل الائتلافية التى كونها هى " مصر الغد " . وأنا أقول له ، لتبق حكومتك فى الظل د. نور ، ولا نريد لحكومتك أن ترى النور .
إننى كمصرى أرى أن تقدم وطنى مرهون بعدم اللعب على الأديان ، بل بفصل الدين عن الدولة وإعلاء شعار " الدين لله والوطن للجميع ".
من كتاب " الشيوخ المودرن وصناعة التطرف الدينى " 2002
-------------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار