شقة إلي جوار الكنيسة

شريف حتاتة
2006 / 9 / 3

تزوجت من نوال السعداوي في شهر ديسمبر سنة 1964 بعد خروجي من السجن بسنة، قبل أن نتزوج كنت أسكن مع والدتي في الزمالك، لم تكن لدي موارد مالية سوي مرتبي الذي كنت أتقاضاه مقابل عملي في الدرجة السابعة بوزارة الصحة، وهي درجة استحدثت ساعة تعييني وكأن السلطات كانت تبحث عن وسيلة لمواصلة العقاب الذي فرضته علّي نظير الآراء التي كنت أدافع عنها.
كان المرتب عبارة عن سبعة عشرة جنيها مصريا فقط لا غير، فلما تزوجنا واجهتنا مشكلة السكن الذي يمكن أن نستقر فيه، فكرنا في الإقامة مع والدتي لأن شقتها كانت واسعة، ومريحة لكننا بعد قليل عدلنا عن هذا الاحتمال نظرا للنظام الصارم الذي كانت مولعة به، ومنه عدم فتح -الثلاجة- أكثر من ثلاث مرات في اليوم الواحد، وكان هذا يتنافي تماما مع عادات نوال التي تميل إلي الحرية المطلقة في كل شيء بما فيها حرية فتح الثلاجة كلما تريد.
في غيبة الموارد المالية اللازمة للحصول علي شقة جديدة انتقلت أنا إلي شقة نوال في شارع مراد بالجيزة رغم الهمسات التي أثارها هذا القرار ضمن الهمسات التي أثيرت بين أصدقائي المثقفين حول هذه الزيجة.
شهدت هذه الشقة مراحل امتدت لأكثر من ثلاثين سنة، مراحل من تاريخ مصر كانت نابضة بالأحداث والتطورات المتلاحقة، ومراحل مهمة في حياتنا أنا وهي، شهدت ازدهارا في المجتمع بعد قرارات التأميم وقوانين للإصلاح الزراعي الصادرة سنة 1961، في الوقت نفسه شهدت مشاكل وعثرات كان من أهم أسبابها نمو بورجوازية عسكرية جديدة أدت إلي استشراء الفساد والتسلط في أجهزة السلطة، شهدت هزيمة سنة 1967 وبداية النهاية لثورة سنة 1952 والآمال التي عقدها الشعب علي مسارها، شهدت المظاهرات المتواصلة التي رفضت تنحي -عبد الناصر- عن الحكم وأرغمته علي التراجع عن قراره، وشهدت الجنازة الشعبية التي ملأت شوارع المدينة عندما مات، واختطاف الجماهير لنعشه من مخالب الأجهزة التي أودت بحياته، وغذت العيوب التي كانت جزءا من تكوينه، شهدت ثورة التصحيح المزعومة، والانفتاح الاقتصادي الذي نجني ثماره حتي يومنا، وعودة الاستعمار الأمريكي الجديد، وراية إسرائيل وهي ترفرف في سمائنا، ووسط هذه الأحداث كلها شهدت ولادة ابني عاطف صاحب فيلم -الأبواب المغلقة-، ونشوء كاتبة اسمها -مني- تخوض المعارك بقلمها، شهدت مجلات أصدرناها، وجمعيات أقمناها مع غيرنا ثم أغلقت بقرارات من السلطة، وعيونا تراقبنا وبوليسا يحاصرنا، وأصواتا، وأقلاما تتهمنا بالشيوعية، والصهيونية، والإباحية، والكفر، والكتابة للغرب، أو الهروب إليه، وتضع نوال علي قائمة من يجب أن أهدر دماؤهم، لكنها في الوقت نفسه شهدت أجمل اللحظات في حياتنا، لحظات التحدي، ولحظات الإبداع، لحظات الحب، ولحظات علي شواطئ النيل في الصباح، ولحظات الحوار مع أصدقاء اختطفهم الموت فيما بعد أو إغراءات السلطة والمال، وشهدت أجراس الكنيسة تدق يوم الأحد في الصباح، وأذانات الصلاة تتهادي في الفضاء لتقول إن أرض مصر لكل أبنائها، وبناتها مسلمين، وأقباطا.

الحياة لا تعاش مرة واحدة
كان ذلك عشته من جديد منذ أيام عدت إلي شقتنا في الجيزة احتفظنا بها مكانا نأوي إليه عند الحاجة، كنت أبحث عن السكينة، عن فرص للتأمل الطويل، عن انقطاع جرس الباب، ورنين التليفون، واجتماعات تعقد في بيتنا هذه الأيام، وصحفيين يبحثون عن وسيلة لإجراء حديث مثير مع نوال ترويجا لصحفهم الناشئة أو البائرة، أو العاجزة عن تجديد الموضوعات.
سرت في شارع مراد، حياني بحرارة بائع الصحف محمد أصبحت نظرته حزينة بعد أن ولي الشباب، وصاحب بقالة اليماني والسباك عبد الرحمن القادر علي تشخيص أمراض المواسير، والحنفيات والرجل الطويل النحيل عبد الله يتأمل الدنيا في صمت ويصلح إطارت السيارات وحارس العمارة عم سعد، وحتي لطفي، الذي كان ينحاز إلي صاحب العمارة إذا قام بيننا اختلاف، شدوا علي يدي، وابتسموا ورحبوا بي كأنني ابن ضال عاد إليهم بعد طول غياب.
ارتفعت إلي الدور الخامس في المصعد، مازال يتحرك ببطء، ومازال زجاجه مكسورا عند أعلاه، قفز عقلي فوق الأيام إلي 6 سبتمبر 1980، أنا عائد من بلدتي، وجهي لفحته الشمس، ويداي تحملان جوالا من الفريك، وبراما من الفخار فيه أرز معمر بالحمام، فتحت باب الشقة ودخلت، في الصالة أكوام من الكتب وأوراق مبعثرة علي الأرض، أدركت كانت اسم نوال رقم 1536 علي القائمة التي قرر السادات احتجاز أصحابها -في مكان أمين- ثم انتقل إلي اليوم الذي دق فيه جرس الباب لأجدها أمامي.
قضيت أسبوعا في شقة الجيزة أفكر في الرواية الجديدة تقلق منامي، رقدت علي السرير الذي تعودت أو أرقد عليه في تلك الأيام فغدا نومي هادئا، استيقظ منه وعقلي صاف، أهبط لأتريض علي شاطئ النيل بعد الفجر بقليل كما كنت أفعل آنذاك، استعيد الزمن الذي راح، أجدده، أتأمل ومضاته، أشعر بالراحة علي شاطئ المنيل، فحركة السيارات عليه قليلة، وهدوؤه مريح، أقامت عليه المحافظة حديقة النصر وحديقة أحمد رامي تمتدان مسافات، لكن علي كوبري الجيزة مازالت الحفر كما كانت في الرصيف، وشاطئ الجيزة احتلته المطاعم العائمة الضخمة والقبيحة، تلفظ روائح الطعام وتلقي بفضلاته حيث يتنزه العاديون من الناس، توحي بنهم الاستهلاك، بالذين يملأون بطونهم، لتعلو -الكروش- أعلي الحزام، وتحت الثوب أو الجلباب، جاءوا بالمال من بلاد النفط، أو من المضاربة في سوق البورصات، وفوق كل هذا يعلوا فندق -فور سيزون- يوحي بالبذخ الخالي من الإحساس في بلاد يجوع فيها الملايين أو يشقون بحثا عن طعام.
أمشي وأمشي فتنعشني حركة الجسم، حركة الأفكار تعود إلي الوراء وتسير للأمام، أتساءل لماذا يصر الحكام علي تغيير أسماء الشوارع كأنهم يمحون العار، الأسماء تسجل حركة التاريخ، وتوالي الأحداث، شارع مراد أصبح له اسم جديد يتوه مني باستمرار، مراد يذكرني بمذبحة القلعة دبرها الوالي محمد علي ليتخلص من المماليك وينفرد بالحكم، فالمملوك مراد قفز بحصانه من أعلي القلعة فانكسرت رجل حصانه لكنه نجا وهرب إلي الصعيد، وكوبري عباس -أصبح كوبري الجيزة- يعيد إلي رئيس الوزراء النقراشي باشا الذي فتح الكوبري علي طلبة الجامعة الذين تظاهروا ضد مفاوضاته مع الإنجليز، والخديوي عباس الذي أراد أن يستنجد بالأتراك فخاب.
التاريخ ذاكرة الشعوب، حصيلة تجارب خاضوها، وعيهم بما فات، وأسماء الشوارع سجل يجب ألا يمحي ويصيبه الضياع، لذلك في كل بلاد العالم يحتفظون بأسماء الشوارع كما هي، وعندما تتسع المدن، أو المراكز، أو قري الأرياف يطلقون الأسماء الجديدة علي شوارعها، أما حكامنا فقد حرصوا منذ أيام الفراعنة علي محو الأسماء المرتبطة بالعهود السابقة وكأننا بلا تاريخ، والشعب الذي يضيع منه الماضي يفقد ركيزة للحاضرة، ورؤية للمستقبل، إنه كالإنسان الذي يفقد الذاكرة، فيتخبط في الحياة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان