ميزان الذهب : تبادل الامكنة بين المثقف والاخر

عباس منعثر
2006 / 9 / 3

الجموع، سلبيةً، مأخوذةٌ بانتظار البطل. والسلطات تتمثل هذا الغياب وتجسده بحيل وتخطيطات مختلفة. ففي زمن البطولات القومية والخلاص الديني، ترى في رمزها الممثل الحقيقي لحاجاتها المرحلية. والتوجه العام، أيام الطموح الجمعي، يذهب إلى اعتناق الأفكار الإنسانية - القابلة للجدل - بطريقة حاسمة ( في مصر كان جمال عبد الناصر عند الفلاح البسيط - الذي توفي ابنه بالبلهارسيا - والفتاة المسحوقة - التي تبيع الهوى- صوتَ الفقراء والمظلومين على الأرض، أبا الفلاحين وما شاكل ذلك، والإيمان به يقارب الإيمان بالله وبالمكتوب على الجبين الذي لابد أن تراه العين ). يتحول، عبر الإعلام والأمية على السواء، رأس المؤسسة السياسية إلى أب قبلي غير قابل للخطأ ( يمكن تذكر ميكافيلي ونصائحه للأمير بنسبة النجاح والحنان الأميري إلى نفسه وتعليق الأخطاء والقسوة على رقاب معاونيه ). دائما، على مستوى أيدلوجي أو واقعي بسيط، كان ينظر إلى الخلل في مكان آخر غير مكان تواجده، وكانت الجموع مصدقة. فالحرب، التي تخوضها السلطة لا معارضوها، ضرورة تهذيب الرجال أو استعادة الكرامة أو الأموال، وكثرة الأموات، من الجانب الآخر، ضرورة كثرة الأعداء والحفاظ على ما أنجز، والسلطة لأولئك الذين حصلوا عليها بقدرة علوية.. فأي عاطفة هذه التي دعت ملايين السوفيت - الذين قضوا حياتهم بالعوز التام والأمراض والخوف، والذين سيق من أقربائهم الكثيرون إلى مقاصل الإعدام - إلى النحيب على ستالين يوم وفاته ؟

تلك هي المرحلة العاطفية التي أدت إلى تأليه الفرد..ومن ثم حمت المؤسسات السياسية مثلما أعطى اللاهوت قوة معنوية للملوك القدامى بحيث توقف الكثير من الثوريين في إطار التخطيط أكثر من الفعل بإيحاء الإحساس العام بمساندة الآلهة والكهنة ( في انقلاب 1963 ظن عبد الكريم قاسم انه محمي باسم الشعب والرب، وآمن أنهما سيخلصانه حتى انه لم يجر الكثير من الاحتياطيات ومات وهو يمجد الشعب قبل إطلاق الرصاص عليه وإردائه قتيلا ).

روافد السراب

تأسيس الحكم على سلسلة تاريخية من الانتهاكات وغياب المثال الايجابي أعطى صورة غائمة عن الموازنة بين السلطة والآخر بحيث يعتقد المرء أن من طبيعة السياسة القتل والاستيلاء والحرب والمؤامرات والقوة وتحارب الفرقاء،بصورة تعيد إلى الأذهان شروط وغنائم الحروب القديمة. يضاف إلى ذلك سببان آخران مهمان: الأول عدم قدرة الوعي المغاير على التغلغل في عقل الجموع إلى درجة يصبح معها الاختلاف السياسي والفكري ممارسة يومية طبيعية وبحيث تتحدد الحكومة لا بصفتها مالك الأرض بل أفراد منتخبون في وظائف وقتية.. أما الثاني ارتساء حتى اشد المعارضات تنويرية على مشتركات أساسية مع الحكومات نفسها إلى درجة أن المضطهَد ( بفتح الهاء ) يفكر بالطريقة نفسها التي يعمل فيها المضطهِد ( بكسر الهاء )، والأول سيقوم بالأفعال نفسها لو تأنى له أن يمتلك السلطة.( غني عن البيان تجاوزات الجماعات الإسلامية المضادة لنظام صدام والتي تُشبَّـه أحيانا بعدة دكتاتوريات مضغوطة في حزمة، وفكرة ديكتاتورية البروليتاريا ).

ممتلكات السلطة

القوة والطموح. السلطة القائمة والسلطة البديلة تنتميان إلى مدرج واحد عادة ما يكون عسكريا.. أما تداول السلطات فيتم في مناخ فوقي لنخبة من المحسوبين، في الغالب، على الكادر العسكري الذين سيتحكمون فيما بعد بالدخل والوظائف والأرواح ويمتلكون الشرطة والسجون، وبيدهم القوانين والتشريعات، ومعهم تعقد الصفقات والاتفاقات الدولية وعليهم يعول صانعو السياسة عالميا… امتلاك القوة إذن شرط ضروري يفتقر إليه الجموع الذي لا يحوز إلا سلاحا شخصيا بسيطا وتكتلا قبليا أو طبقيا ليس لديه المؤهلات اللازمة للامساك بزمام الأمور. والجموع كذلك لا تملك الطموح ( أو طموحها متفرق حسب الطائفة أو العرق أو الانتماء العشائري الضيق..ولا تمتلك التخطيط العملي للوصول إلى الطموح إن وجد ). وهي منشغلة بتفاصيل الحياة العادية (العمل والفقر والمرض وإشكالات محلية يومية مختلفة)، راضية بفعل تقليص حقوقها وتقزم خيالها بما يعطى له، مجبولة ( بفعل تجارب تاريخية مريرة ) على الطاعة والرضا، مهددة باستخدام العنف ضدها ( موقعها مفعول به عادة )، مهمشة بالجهل ومهيأة كي تكون وقودا سريع الاشتعال (في العراق و في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية درب الصغار من عمر 4 سنوات فما فوق على السلاح في مخيمات كشفية تحت مسمى - أشبال صدام و شبيبة هتلر )، مسيرة بالخطط الحكومية الإعلامية والأمنية والحزبية،مجيرة كي تغرد داخل السرب، غير ممتلكة لصوتها الخاص.السلطة تمتلك، تفعل، تخطط، وتستخدم العنف الحكومي والمؤسسات، والجموع تتصاغر في هذا العالم الكبير، وكما شخص تشيخوف بعمق : ( هو ينتمي إلى ذلك الطراز من الناس البسطاء، الايجابيين، المطيعين، والبلداء، الذين يحبون النظام أكثر من أي شيء في العالم ولذلك فهم على يقين بأنه ينبغي ضربهم ).

الحاكم والمحكوم كانا، إلى أن تم الانقلاب على هذه النظرة حديثا، يتناوبان الاعتقاد المشترك: الأول مؤمن بحقه الإلهي أو الوضعي في سياسة الآخرين ( يتساوى هتلر وستالين وصدام هنا) والثاني مساق تماما بهذه الحقيقة ( يتساوى الألماني والسوفيتي والعربي ). حيث تنضوي الناس تحت يافطة القبول القدري بالحاكم وبأبوته.. فـ( حالة الوعي العادية للإنسان العادي – كما يقول دوي – إذا ما ترك وشأنه، إنما هي حالة تتولد عن الرغبات أكثر مما تتولد عن العقل في دراسته أو بحثه أو تأملاته ).

في الماضي

أما المثقف ( المتحزب أو العلماني المتنور أو الليبرالي) فعلى النقيض من ذلك. هو ضد الإيمان هذا. فمن جانب إسلامي يتم التخلص من قداسة الحاكم عبر فضح دنيويته. فهو ليس ممثلا لله ولا يحكم عبر شرعه ونواميسه وهو كافر أو زنديق أو جبار متكبر أو ممارس للمعاصي أو مخالف للشكل الإلهي للتفسير أو الفهم . ومن جانب ماركسي هو برجوازي يمثل طبقة مستفيدة على حساب البسطاء عبر فائض القيمة المادي والمعنوي. من جانب آخر يتم فضح الحاكم ( ذي التأييد الشعبي المطلق 100% أو 99% كما هو حاصل عربيا ومنتف غربيا) من خلال مقارنة النواميس والقوانين وطريقة الحكم في دول الغرب المتقدمة لكي يتم الوصول إلى النتيجة القائلة انه مستبد فردي، يتحرك بالضد من الإنسان والتطلعات المدنية. وبذلك أيضا يزاح عنه شعار الديمقراطية أو الأبوة أو الحكم باسم الشعب. وبالتوازن،يحاول المثقفون ( إذا جذبتهم قوة الحقيقة لا المغريات الحافزية ) إضفاء شيء من النسبية على المطلق الشعبي، ونبذ صورة الخيال التي عادة ما توقع في الفكر المؤصل للدكتاتورية.. زاوية النظر المناقضة هذه تكشف زيف نظرة المجموع وتخفف من مطلقيتها انطلاقا من التحركات الحقيقية على الأرض لا من التصورات المدموغة بالأماني والرغبات. تستند معارضة المثقف كذلك إلى النظرة العلمية الحديثة المؤسسة على النسبية الاجتماعية : فالإنسان مهما كان ليس خيرا خالصا ( كما تود الجموع أن تعتقد ) ولا شرا خالصا ( كما يرغب العدو ) بل هو امتزاج من جملة اعتبارات تربوية وبيئية ونفسية وتاريخية. يضاف إلى ذلك وعيه لضغط العوامل السياسية العالمية ( تخلق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أعداء وهميين، هم في الحقيقة موظفين عندها، ترفع من خلال العداء تأييدهم الشعبي لغرض استخدامهم في مهمات محددة بعد أن ترفعهم إلى السلطة في بلادهم،ويستخدم صندوق الدعم الدولي لتمرير قرارات معينة،وتسند كتلة الفرانكفونية المنتسبين لها..الخ ).تلك العوامل جميعا تعيد صناعة الحياة إلى الأرض وتبعدها قليلا أو كثيرا عن السماء.

الاستدارة

بفعل تحولات عالمية متعددة، انتقلت الجموع ( العربية ) من النقيض إلى النقيض كعادة رد الفعل. سمات رد الفعل علميا انه ليس فعلا أصيلا أو نابعا من حاجة حقيقية بل صدى عاطفي مغاير للخيبة المستديمة القاسية التي عاناها،ومعاكس لدرجة غرور العدو وتعاليه،مساو في القوة ومغاير في الاتجاه وملبيا قويا لحاجات آنية. هو انفعالي في نهاية المطاف يدخل من كوة المشاعر( غير المتوازنة عادة ) لا باب التفكر. هكذا تحول الفعل الشعبي إلى الضد التام غير المؤمن بالبطولة مطلقا ( يوثق ذلك موجة الشك العربية بالحكومات العربية والاتهامات المتواصلة بالجبن والخيانة التي تتلقاها السلطات من الجموع … هل يمكن تصور شكل آخر من رد الفعل إزاء كل التدهور السياسي العربي الحاصل: انهيار البطل القومي بين ليلة وضحاها واختفائه في جحر، علم اسرائيل الذي يرفرف في قلب القاهرة، قاعدة السيلية في قطر، القوات الأمريكية في الحرمين والكويت، الالتفاف الليبي 180 درجة تجاه الغرب، السقوط المريع لحملة راية السلفية في أفغانستان، واستمرار المعاناة الفلسطينية مع قمة الصمت العربي ).. بالتأكيد كل هذا ليس سارا للجموع ومخيب لآمالها.
ثم تصدعت الرؤيا البطولية المنتمية إلى أعراف القبيلة وأخذت بزيادة هرمونات الشعار ( من خلال أصحاب المنابر المعممين أو القوميين مع رغبة شعبية دون إيمان فائق كما كان )، قاذفة السياسي العربي بسيل من الهجومات (التي كانت مدائح فيما مضى) . يساير المثقف ( الذي ينطق بما يرغبه الجمهور ) مقتضيات الرضا العام متحدثا باسم الأصولية أو القومية العربية الواسعة الانتشار، مطالبا بعودة البطولة المتعلقة بمساندة القضايا المركزية والانتصار للإسلام مع اعتبار فعل المال في كل هذا التحرك. وبذلك تستخدم العمالة أو البيان القرآني للبرهنة.

ما بين هذا وذاك يبقى ميزان الذهب غائبا ما دامت الحركة الإنسانية قابلة للتأويل و السياسة حركة للمصالح المتناقضة في هذا الفضاء الشاسع الذي ليس لجملته ختام.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية