الرجل الذي لَم يَنَمْ جيدًا

حسين محمود التلاوي
2022 / 1 / 18

2
أخيرًا، أوقف "إسماعيل" الدراجة البخارية...
لم يستطع أن يتوقف طيلة نصف ساعة، بل لم ينظر إلى الخلف مطلقًا، وظل يقود الدراجة إلى أن شعر بالإرهاق فقرر أن يوقفها إلى جانب الطريق، ويستريح قليلًا ويحاول استيعاب الأمر.
لكنه عندما قرر أن يوقفها إلى جانب الطريق، أدرك أنه لا يوجد جانب، ولا طريق من الأساس، ولكن مجرد مدق وسط مجموعة من الأحجار، أو ما تصوره "إسماعيل" أنه مجموعة من الأحجار. ولذلك، أخرج هاتفه المحمول من جيبه، وأضاء مصباحه، وبدأ يستكشف معالم المكان الذي وصل إليه بعد قيادة دراجته البخارية لمدة نصف ساعة.
واكتشف أنه في منطقة جبلية...
راح يلتفت حوله دون أن يستوعب طبيعة المكان الذي وصل إليه، ولا طبيعة الموقف الذي أصبح فيه.
لقد كان منذ نصف ساعة يسير عائدًا إلى منزله من المقهى الذي يعمل فيه في وسط البلد، والآن هو مجرم هارب من الشرطة بعد أن قتل شخصًا واعتدى على أمين شرطة، ويقف في منطقة جبلية لا يدري عنها أي شيء، ولا أين تقع.
ولما لم يجد ما يمكن عمله، جلس على إحدى الصخور، وقال لنفسه:
"باينّك وصلت لليبيا وللا إيه يا سُمعة؟!".
بالطبع، لم يكن يتوقع أن يرد عليه أحد في ذلك المكان الجبلي الموحش الغارق في الظلام. لذا، يمكننا أن نتفهم لماذا قفز للأمام حوالي مترين، وقد تحفزت كل عضلة في جسده المتين، عندما تعالى من خلفه صوت يقول في استهزاء يشوبه تحفز:
"لا وحياة أمك ده أنت في جهنم!".
لا بد هنا أن نتذكر أن المشاجرة الأولى كلها بدأت عندما تعرض البائع المسكين بالقول لوالدة "إسماعيل". ولهذا، لا بد أننا نفهم السبب وراء قفز "إسماعيل" كالدب الهائج على ذلك الرجل مفتول العضلات الممسك الذي قال تلك العبارة، وهو يحرك مطواته في الهواء باستهتار.
لم يفهم الرجل ذو المطواة ما جرى، ولكنه رقد في النهاية يأن ألمًا، بينما وقف "إسماعيل" يلهث قليلًا من أثر المعركة القصيرة، وقد أمسك بالمطواة في يده. ولكن قبل أن يفكر في خطوته التالية، سمع صوت أقدام تسرع إلى المكان؛ فاختبأ وراء إحدى الصخور متوسطة الحجم، وجلس مرهفًا السمع لما يجري وراء الصخرة.
توقفت الخطوات التي كان يبدو من صوتها أنها لأكثر من شخص، ثم تعالى صوت أجشّ يقول في اندهاش:
"يا ليلة مش فايتة! ده الواد سرنجة اللي متكوم هناك ده!".
لم يصدر أي تعقيب على عبارته هذه، ولكنه سمع الخطوات تتسارع، وصوت أنفاس تتصاعد، وكأن أحدهم يحمل شيئًا ثقيلًا، قبل أن يتعالى صوت آخر يقول بأنفاس شبه متقطعة:
"الواد زي البغل... يا ترى إيه اللي حصل؟! شكله حد ضربه".
رد صاحب الصوت الأول قائلًا في حيرة:
"مضروب علقة موت! بس مين اللي قدر عليه؟!".
عاد صاحب الصوت الثاني يقول:
"نخلع بيه الأول من هنا، وبعدين نبقى نسأله".
كان "إسماعيل" ينصت للحوار من خلف الصخرة، ولكنه لسبب ما، شعر أن بإمكانه التغلب على صاحبي الصوتين، إن اشتبك معهما. ولما كان يريد أن يصل إلى نهاية لتلك الليلة، قفز من مكمنه وراء الصخرة، وشهر المطواة، وهو يقول بصوت حاول أن يجعله غليظًا ليخفي ما يشعر به من إرهاق وتوتر:
"محدش ماشي من هنا".
التفت إليه الرجلان في ذهول، وهما لا يزالان يحملان ذلك المدعو "سرنجة"، ولم يعقبا على كلامه؛ فعاد يقول بلهجة ازدادت خشونة، وبدا فيها التوتر:
"محدش ماشي من هنا".
فقال له الرجل صاحب الصوت الأول:
"إنت مين؟!".
لم يرد "إسماعيل"، ولكنه ظل واقفًا في مكانه، وراح يحدق في عينيّ الرجل الذي خاطبه بثبات؛ فقال الرجل الثاني في تهديد:
"لو كنت فاكر المطواة اللي معاك دي مخوفانا، احب أقول لك إن الجبل ده كله مرشوش رجالة تفرمك وتطحن عضمك من غير ما حد يدرى ولا يحس".
تحفز "إسماعيل"، عندما سمع ذكر الجبل يتردد؛ فسأل في لهجة حاول أن يجعلها خشنة قدر الإمكان:
"جبل إيه ده؟!".
هنا، وضع الرجلان جسد زميلهما أرضًا، وعقد كل منهما ذراعيه المفتولين أمام صدره، وقال الأول في هدوء وتحد:
"ده جبل المقطم... وإنت في الناحية بتاعة جوز الست... تعرفه؟!".
لم يكن "إسماعيل" يعرف الست ولا زوجها، ولكنه ارتاح، عندما أخبره الرجل بأن هذا جبل المقطم؛ فعلى الأقل صار يعرف أين هو الآن. وبعد أن تمالك أعصابه قليلًا، سأل الرجلين:
"الساعة كام دلوقت؟!".
كان السؤال مفاجئًا، ولم يجب الرجلان عليه، لكن أحدهما قال في نفاد صبر:
"إسمع يا شقِّي... لو كنت فاكر المطواة دي مخوفانا، فأحب أقول لك إنك بتحلم...".
ثم صمت قليلًا، وهو يتقدم نحو "إسماعيل" الذي تحفزت كل عضلاته، لكنه لم يتحرك في المقابل، قبل أن يقول الرجل من جديد، وقد صار على بعد ذراع من "إسماعيل":
"لو كنا عايزين نخلص عليك من أول ما شفناك، كنا صفرنا صفارة واحدة، لاقيت نفسك بعدها في جهنم من غير ما تدرى".
بعدها، مد يده وربّت على كتف "إسماعيل" الذي ظل مشهرًا المطواة في تحفز، قبل أن يقول الرجل:
"إحنا بس عايزين نعرف إنت مين؟! وعملت في الواد الغلبان ده كده ليه؟!".
عاد "إسماعيل" ليلقي عليهما مقولة مفاجئة؛ حيث قال:
"خدوني معاكو".
نظر إليه الرجلان في دهشة واستغراب، قبل أن يقول الأول في سخرية:
"يا حبيب طنط... تكونش فاكرنا رايحين المدرسة؟!".
لكن الرجل الثاني قال في جدية لزميله:
"استنى شوية يا عيسى... الراجل ده باين عليه وراه مشكلة كبيرة".
بعدها، سأل "إسماعيل"، ونظر في عينيه مباشرة:
"تعرف جوز الست؟!".
هز "إسماعيل" رأسه نافيًا؛ فقال الرجل:
"طب بالإذن شوية كده!".
واستدار عائدًا إلى "عيسى" الذي قال له:
"مالك يا كهربا؟! بتفكر في إيه؟!".
قال له "كهربا" بصوت خفيض لم يسمعه "إسماعيل":
"الراجل ده ورا قصة... وإحنا لازم نعرفها... بس مش حنقدر ناخده كده وشّ للمعلم".
سأله "عيسى" في حيرة:
"والعمل؟!".
قال "كهربا":
"إحنا ناخده الخرابة... يقعد له هناك شوية، ونروح للمعلم نحكي له اللي حصل، وبعدها الشورة شورته".
بدت سمات التردد على وجه "عيسى"، لكن "كهربا" أسرع يقول:
"ما هو إحنا لازم نعرف إيه اللي جاب الجدع ده هنا... مش يمكن يكون وراه ملعوب... لو سبناه يمشي، ممكن ييجي ومعاه تانيين... ولو قتلناه هنا، ممكن يطلع مخبر وتبقى واقعة سودا".
حك "عيسى" ذقنه بإبهامه الأيمن، وهو يفكر، قبل أن يقول:
"عندك حق... ناخده معانا بس لغاية الخرابة بس... والمعلم يبقى يشوف الصبح".
ثم أشار إلى جسد "سرنجة" فاقد الوعي، وقال:
"زأهو برضو ناخد الواد المسكين ده نعمل له اللازم".
ربَّت "كهربا" على كتفه، وأومأ موافقًا، ثم عاد إلى "إسماعيل" الذي كان يتابع حوارهما دون أن يحاول معرفة ما يقولان، وقال له:
"إسمع يا شقِّي... إنت حتيجي معانا... تبات الليل... ولما يطلع النهار، نبقى نتفاهم".
أومأ "إسماعيل" موافقًا؛ فقال له "كهربا":
"يبقى تمشي وسطينا من سكات وتشيل معانا الغلبان ده".
أومأ "إسماعيل" موافقًا للمرة الثانية، لكن "عيسى" قال له هذه المرة:
"لا يا خفيف... تجيب المطواة دي عشان مش بتاعتك".
لم يبد على "إسماعيل" أنه سمع ما قاله "عيسى"، وهو يسير وسطهما بعد أن رفعا جسد "سرنجة"، وراح يحمله معهما، وسار الموكب وسط الصخور في الظلام الذي كان مسيطرًا بشكل شبه كامل عدا بعض الأماكن التي كانت الأضواء تتسلل إليها من أعمدة الكهرباء في الشوارع البعيدة بالأسفل.
سار الموكب مدة عشر دقائق وسط الصخور، حتى وصلوا إلى كهف فسيح مضاء بمصابيح كهربية صفراء اللون. كان الكهف عبارة عن مقهى من النوع الذي يطلق عليه "غُرزة"، وكان هناك عدد من الرجال يجلسون على مقاعد متفرقة يتابعون أحد الأفلام الأجنبية، ومنهم من كان يحتسي المشروبات ومنهم من كان يدخن الجوزة.
وعندما دخل الموكب إلى المقهى، نهض مجموعة من الرجال، وأسرعوا يحملون جسد "سرنجة" الذي كان قد بدأ يفيق من الإغماءة. وعندما شاهد وجه "إسماعيل" بين الرجال، حاول النهوض، لكن الرجال أراحوه أرضًا، وقد راح أحدهم يجفف وجهه بمنشفة، ويضع بعض البًنّ المسحوق على الجرح الذي أصاب مؤخرة رأسه جراء السقوط على الصخور، بينما نظر بعض الملتفين حول "سرنجة" إلى "إسماعيل" في توعد، بعدما فهموا أنه السبب فيما أصاب رجلهم، بل إن أحدهم حاول أن يمسك بياقة قميص "إسماعيل"، لكن نظرة واحدة من "كهربا" أسكتته، وقد فهم أن أوان الحساب لم يأت بعد.
وبعد أن أفاق "سرنجة" قليلًا، والتف بعض الشاش حول رأسه، أخذه عامل المقهى إلى حجرة داخلية، ثم استقر المقام بالرجال الثلاثة حول أحد المناضد على القهوة، ووسط أنفاس الجوزة ورشفات الشاي، قال "كهربا" لـ"إسماعيل:
"شوف يا وحش... إنت النهاردة هتبات هنا... على أي كرسي هنا قضي ليلتك... وبكرة الصبح نتفاهم".
نظر إليه "إسماعيل" في تساؤل، وقال:
"يعني إيه؟!".
لكن "كهربا" قال له في لهجة قاطعة:
"ولا يعني ولا غيره... لا أسئلة من ناحيتك ولا من ناحيتنا... بكرة الصبح نتفاهم".
أدرك "إسماعيل" أنه لا فائدة من النقاش؛ فهز رأسه، وأدار عينيه ناحية التلفاز ليتابع مع الجالسين ما يعرضه، ولكن فجأة غيَّر أحدهم القناة، وهو يصيح قائلًا:
"عايزين نشوف النشرة يا رجالة... شوية ونرجع تاني، معلش".
لم يرد أحد من الحاضرين بأية كلمة، واكتفوا بغمغمات تذمر، فقال الرجل الذي غير القناة:
"معلش بيقولو إن فيه حاجة حصلت كده ف وسط البلد، وعايزين نعرف هي إيه... لسه محدش جالنا بالأخبار من هناك".
رنت كلمتا "وسط البلد" في أذن "إسماعيل"، وأدرك على الفور أن الأمر يتعلق بمشاجرته؛ ففكر في أن ينهض، وبالفعل، بدأ في النهوض، لكن "كهربا" قال له في شيء من التهديد:
"على فين يا معلمنا... مفيش مكان في السكة دي... السكة خِطرة حتى على اللي زيك".
اضطر "إسماعيل" إلى الجلوس، وبدأ يشاهد النشرة، وبالفعل، بعد مرور خبرين، بدأ المذيع يقرأ خبرًا عن المشاجرة التي جرت في وسط البلد موضحًا أن مجموعة من "الإرهابيين" حاولوا إحداث اضطرابات في وسط البلد بغرض إثارة الشغب، ثم اعتدوا على دورية الشرطة التي حاولت السيطرة على الموقف؛ فأصابوا بائع جرائد بإصابات بالغة، كما أصابوا أمين شرطة وضابطًا قبل أن يلوذوا بالفرار، ثم عرض التلفاز صورًا لـ"إسماعيل" وهو يتصدى للمارة الذين حاولوا القبض عليه.
راح الجالسون على المقهى ينقلون بصرهم بين الصور المعروضة وبين "إسماعيل" الذي لم يحاول هذه المرة أن يتخفى؛ فنظر إليه "كهربا" و"عيسى" وقد ضاقت عيونهما، قبل أن يقول "عيسى" لـ"كهربا":
"كده يا زميلي الموضوع لفّ في سكة تانية خالص".
أما "كهربا" فقد قال لـ"إسماعيل"، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة صفراء، وراح يتحسس مطواته المخبأة في جيب سرواله الخلفي:
"ده إنت طلعت بلوة كبيرة أوي يا وَحْش".
ولم يبد أن الليلة تريد أن تنتهي
******

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار