علي الشوك لم يكتب روايته الأخيرة

عبدالرزاق دحنون
2022 / 1 / 15

تحية حب في ذكرى رحيله

علي الشوك من أكابر المثقفين والمفكرين العراقيين في العصر الحديث، وصفه الباحث البغدادي هادي العلوي بأنه واحد من أملأ مثقفي الوطن العربي، وفي ظني يستحق الرجل هذا الثناء عن طيب خاطر، فقد امتلك ثقافة عالية وسلوكاً حضارياً متقدماً، لذلك حملت مؤلفاته قيمة بحثية مهمة، ففي علم الاشتقاق اللغوي ألف أربعة كتب أزعم -وعساه يكون زعماً مقبولاً- من أندر ما ألف في هذا الباب، وهي: "ملامح من التلاقح الحضاري بين الشرق والغرب"، "الأساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة"، "جولة في أقاليم اللغة والأسطورة" ، "كيمياء الكلمات"، وفي علوم الرياضيات والفيزياء ألف: "الدادائية" ، "الأطروحة الفنتازية" ، "الثورة العلمية الحديثة وما بعدها"، "تأملات في الفيزياء الحديثة". وقد كان يطمح في أن يكون موسيقياً فذَّاً ولم ينجح في ذلك وبدلاً من أن يكون موسيقياً كتب في الموسيقى: "الموسيقى الإلكترونية"، "أسرار الموسيقى"، "الموسيقى والميتافيزيقيا"، "الموسيقى بين الشرق والغرب"، وله في السيرة "ستندال" و كتاب "الكتابة والحياة" و" المسيح خارج الكتاب المقدس" والذي صدر بعد وفاة علي الشوك في لندن 11/1/2019. هذا إضافة إلى عشرات إن لم نقل المئات من الدراسات الأدبية والعلمية المنشورة في المجلات والجرائد العربية.
كتب علي الشوك رواية فخمة حملت عنواناً عريضاً "سيرة حياة هشام المقدادي" في أربعة أجزاء بلغ عدد أوراقها أزيد من ألف وخمسمئة صفحة. أتقن فيها اختيار عناوين أجزاء الرواية، فجاءت تدل على مزاج متحضر وذوق رفيع، فانظر كيف سمى أجزاء روايته: "السراب الأحمر"، "مثلث متساوي الساقين"، "زنابق بين الألغام"، "فتاة من طراز خاص". وكانت له تجربة روائية أولى سماها "الأوبرا والكلب" ومن ثمَّ أصدر عدداً من الروايات المهمة: "أحاديث يوم الأحد", "موعد مع الموت"، "تمارا"، "فرس البراري"، "رسائل من امرأة ليست مجهولة"، "الفرس الزرقاء". وشارك في ترجمة رواية "الدون الهادئ" من تأليف السوفييتي ميخائيل شولوخوف مع أمجد حسين، غانم حمدون، وراجع الترجمة غائب طعمة فرمان.
1
في يوم ما أجريت بحثاً ميدانياً في مدينتي "إدلب" في الشمال السوري بين "المثقفين" عن مدى شهرة هذا الباحث الفذ، فكانت النتائج مخيبة للآمال. وتساءلت إلى أي حد يعيش المبدع في وطننا العربي الكبير مغموراً منكراً من عشيرته وقومه وأهل محلته؟ وها أنا الآن يا أستاذي الفاضل أتذكر الصرخة المرَّة لأبي حيان التوحيدي ابن القرن الرابع الهجري في رسالته إلى أبي الوفاء المهندس البوزجاني: "شهرني فإنني غفل". فلا تحزن يا أخي مما نحن فيه. وقد كنت آمل أن ينادى على كتبك في الأسواق، مثلما فعل ذلك الدمشقي الهمام أثناء زيارتي الأولى لمدينة دمشق العاصمة السورية صيف عام 1977 أنا القادم من بلدة صغيرة ريفية، حيث عرَّفني إلى تشارلز داروين وكتابه الشهير "أصل الأنواع". والمفارقة المذهلة أن هذه المعرفة كانت مصادفة جميلة، فقد أنهيت اختبارات مرحلة التعليم الإعدادي بنجاح، وأراد والدي مكافأتي، فأرسلني لزيارة أخي الكبير الذي يدرس الصيدلة في جامعة دمشق. والمصادفة هي التي قادتي -في ذلك النهار الصيفي- للسير في الطريق الذاهب مباشرة من ساحة الحجاز باتجاه شارع 29 أيار، وبعد تخطي جسر فكتورية، الذي كان يشيَّد آنذاك، رأيت على الرصيف الأيمن قبل خطوات من مقهى الهافانا والذي يجمع الله فيه شمل الكتاب والأدباء وأهل الثقافة مشهداً أدهشني وبقيت صورته مطبوعة في مخيلتي إلى يومنا هذا: وقفت على ناصية الشارع عربة خضري بثلاث عجلات وبدل أن تكون مليئة بالخضار والفاكهة استبدل البائع بضاعته نسخاً مرصوفة فوق بعضها من كتاب داروين "أصل الأنواع". وقد لفت البائع انتباه المارة بطريقة ندائه الغريبة غرابة بضاعته، أمسك نسخة من الكتاب رفعها بيده اليمنى وهو يصيح بأعلى صوته: يا شباب "أصل الأنواع" بخمسة وثلاثين ليرة سورية، أيام كانت الليرة السورية تُسكُّ من فضَّة خالصة، فهي بضاعة بالنسبة إليه، وفعلاً اجتمع الناس حول بضاعته.
2
هل أمعن علي الشوك في حلمه وذهب بعيداً بحيث تمنى أن تعرض كتبه في الساحات العامة حيث يلتفت إليها القاصي والداني؟ نعم، وهذا من حقه، ولما لا، فقد أبدع في كل ما كتب. وقد وجه عتاباً إلى المؤسسة الثقافية الرسمية قال فيه: على الصعيد الثقافي، أنا نكرة مقصودة، أو غير مقصودة، بلغة النحو، في كل الدوائر والمؤسسات الثقافية العربية، طبعاً باستثناء المجلات والصحف التي كانت ولا تزال تتعامل معي بترحاب ومودة. فأنا لم أتلق في حياتي الثقافية كلها أي دعوة من مؤسسة ثقافية عربية تقيم معارض دورية للكتب، مع أن عدد الكتب التي صدرت لي حتى الآن بلغ أزيد من عشرين كتاباً. ليس يعني هذا أنني ألهث وراء مثل هذه الدعوات، التي أنا زاهد فيها أصلاً، بيد أن من حقي أن أتساءل: هل أفتقر أنا إلى مواصفات الكاتب الناجح، فتتجاهلني كل معارض الكتب العربية، في الوقت الذي يدعى إلى هذه المعارض من هب ودب؟
أنت تصرخ يا أستاذي الفاضل في واد جفَّ فيه الزرع والضرع. وها أنا أخفف عنك بعض كآبتك برواية حادثة تعمر النفس بالأمل، فقد روى ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" عن ابن الأخشاد قوله: ذكر أبو عثمان الجّاحظ في أول كتاب "الحيوان" أسماء كتبه، ليكون ذلك كالفهرست، ومر بي من جملتها كتاب "الفرق بين النبي والمتنبي" وكتاب "دلائل النبوة" فأحببت أن أرى الكتابين، ولم أقدر إلا على واحد منهما، وهو كتاب "دلائل النبوة" فهمَّني ذلك -من الهم- وساءني ألا أظفر بالكتاب الآخر. فلما شخصت من مصر، ودخلت مكة حاجّاً، أقمت منادياً بعرفات ينادي والناس حضور من الآفاق على اختلاف بلدانهم وأوطانهم: رحم الله من دلنا على كتاب "الفرق بين النبي والمتنبي" لأبي عثمان الجّاحظ على أي وجه كان. طاف المنادي في ترابيع عرفات، وعاد بالخيبة، وقد عجب الناس منه ولم يعرفوا هذا الكتاب، ولا اعترفوا به. وإنما أردت بهذا أن أبلغ نفسي عذرها. وعلَّق ياقوت بقوله: وحسبك بها فضيلة لأبي عثمان الجّاحظ أن يكون مثل ابن الأخشاد، صاحب الحكاية، وهو معروف في علوم الحكمة، يستهام بكتب الجّاحظ حتى ينادى عليها بعرفات والبيت الحرام. وهذا الكتاب موجود في أيدي الناس اليوم- زمن ياقوت الحموي- لا تكاد تخلو خزانة منه، ولقد رأيت منه نحو مئة نسخة أو أكثر.
3
هل سيرة حياة هشام المقدادي في روايته هي سيرة حياة مؤلفها علي الشوك؟ السيرة: حياة إنسان، وهو أوجز وأجمل تعريف للسيرة الذاتية. نعم قد يكون الأمر كذلك، فشخصية هشام المقدادي قريبة جداً من شخصية علي الشوك. وقد دهشت حين اكتشفت في الصفحات الأخيرة من الجزء الثاني المسمى "مثلث متساوي الساقين" من سيرة هشام المقدادي أن أبا ناصر الذي استقبل هشام المقدادي بعد أن طار هذا الأخير من بغداد وحط في براغ عاصمة التشيك هو شمران الياسري بلحمه وشحمه. نعم، أبو ناصر هو ذلك الفلاح الملقب بأبي كاطع، والذي كان يكتب مقالات صحفية في جرائد اليسار العراقي والتي حملت من روحه الساخرة المبدعة صرخة شجاعة ضد الظلم والاستبداد، وله رواية ريفية جميلة في أربعة أجزاء اسمها "رباعية أبو قاطع". ثم ضاق به المقام في العراق فهرب من بطش نظام صدام حسين ومات في بلاد التشيك بحادث سيارة يجلس في مقعدها الخلفي هشام المقدادي أو علي الشوك.
ونحن حين ندرس شخصية هشام المقدادي بالأدوات النقدية المتعارف عليها في النقد الروائي نتوه في استعمال هذه الأدوات وطرق عملها المحيرة، لأن شخصية هشام المقدادي في أجزاء الرواية الأربع غير منمطة، كذلك الأمر بالنسبة لشخصية زوجته اللبنانية داليا التي شغلت صفحات الجزء الثالث المعنون "زنابق بين الألغام" وانسحب الأمر ذاته على ابنته شهرزاد والتي جاء القسم الرابع من الرواية ملبياً لحاجاتها تحت عنوان "فتاة من طراز خاص". في ظني هذه الشخصيات لا تخضع للعرف السائد، وقد تخالف هذا العرف في أحيان كثيرة، أي قد تكون مع الأقلية ضد الأكثرية، ولا تأثم من هذا التوجه، إنها شخصيات روائية من طراز خاص. وعند البحث والتدقيق نجد أنها مشغولة بعناية وحرص من قبل البيئة التي كونتها وأنضجتها ووسمتها بتلك الصفات الحياتية الخاصة، وقد يعترض معترض على عدد من سمات هذه الشخصيات خاصة تلك التي ترتبط بالحياة السياسة والموسيقى والجنسية ويتهمها بالمروق مرة والفسوق مرة أخرى. ومن وجهة نظري، ومع كل ما يمكن أن يقال، تبقى شخصية هشام المقدادي، والتي رُسمت ملامحها بفطنة ودراية، علامة فارقة وإضافة حقيقية في فن الرواية العربية والعالمية.
4
في الجزء الأول المسمى "السراب الأحمر" نجد أن هناك شيء ما انثلم في نفس الدكتور هشام المقدادي، ونغص عليه مزاجه، وحقه في ممارسة حياته الطبيعية في وطنه العراق، بمأمن من أي مكروه، بعد أن اعتزل السياسة وترك الحزب الشيوعي العراقي واتخذ قراراً بالإحجام عن المشاركة في أي نشاط سياسي يحسب على جهة ما. وتذكر الدكتورة نادرة زوجة ابن عمه: في العهد الملكي كانوا يحاسبون الناس لتدخلهم في السياسة أما اليوم فيلاحقونهم ويضايقونهم إذا لم يتدخلوا في السياسة. بالفعل إن أقصى ما يتمناه هشام المقدادي هو أن يترك وشأنه وكان يصرخ من أعماق نفسه الوجلة المرعوبة: اتركوني رجاءاً. وكان هشام المقدادي قد عاد إلى العراق في سبعينات القرن العشرين يحمل شهادة دكتوراه في علم الإحصاء من جامعة شيكاغو، وهي من أرقى الجامعات في العالم. عاد ليجد السلطة العراقية التي يقودها الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين عبارة عن عصابة شبيحة، تتظاهر بالانفتاح على التيارات اليسارية، ولكنها في حقيقة الأمر تبطن غير ذلك فالعسف والاستبداد ظاهران في كل تفاصيل حياة المواطن العراقي. وأكثر ما حيره هو أن شخصاً واحداً لم يتجاوز مرحلة الشباب يشغل منصب الرجل الثاني في الدولة، ويمارس دور الحاكم الفعلي. كان هذا الشاب النزق مرهوب الجانب إلى حد أن أحداً لا يتمنى أن يحضر اجتماعاً معه. وهذا ما لمسه هشام المقدادي جيداً. فقد حضر أكثر من مرة اجتماعات اللجنة العليا للتخطيط الاقتصادي التي كان عضواً فيها ولاحظ التصرفات الفظة من قبل هذا الطاغية الصغير المسمى صدام حسين. ففي أحد الاجتماعات كان أمام صدام حسين علبة سيكار يقال إنه كان يتسلمها من كوبا هدية من فيدل كاسترو. فتح العلبة بيد واثقة جداً وتناول سيكاراً وقدمه إلى عامر عبد الله الذي كان وزيراً عن الحزب الشيوعي العراقي، ثم تناول آخر لنفسه. وهنا علق أحد المداهنين المساكين بأن صاحب الحظ السعيد فقط يحظى بشرف تدخين السيكار في حضرة السيد نائب رئيس الجمهورية. كان هذا التعليق كافياً ليرد صدام حسين بفظاظة الطاغية المستبد: لابد أنك تتمنى لو أنك تقطعني إرباً.
5
أحس هشام المقدادي بأن هناك خللاً وعطباً في القيادة السياسية في العراق. وقبل أن يغادر العراق خاض تجربة نادرة تبقى عصية على النسيان. فقد جمع الله شمل الأصدقاء في بيت هشام المقدادي في أمسية سمر لا ينقصها شيء وكان منهم كمال حمدان الذي يملك مكتباً للمقولات الهندسية وزوجته ليلى المدرسة الثانوية والدكتور رمزي محمود أخصائي أمراض النساء وأحد أميز أصدقاء هشام المقدادي. وبعد أن علم الجميع بنية هشام المقدادي ترك العراق بسبب مضايقات صريحة من قبل حزب البعث وملاحقته كي ينضم إلى صفوفه فقد رأوا فيه صيداً ثميناً. وهنا عنَّت لكمال حمدان فكرة، فقال: عندي وصفة محدودة الأجل للتحرر والانعتاق من فروض الحكومة وتكاليفها وأنتم تعلمون أنني أخذت مقاولة ثانوية لمد طريق من الشارع العام بعد مدينة السعدية في محافظة ديالي إلى بلدة كوردرة التي ستزال من الوجود ويقام في مكنها سد. المنطقة جميلة نسبياً ومنعزلة عن الدنيا تقريباً بوسعنا أن نقيم فيها مدينة فاضلة لعدة أسابيع. لا يتطلب الأمر جهداً كبيراً. نصنع مدينتنا على قدر عددنا نحن ومن يرغب من الأصدقاء لن نكون بحاجة إلى أكثر من كوخ كبير وفضاء ولدينا نهر هو نهر ديالي وفيء ونستطيع أن نوفر كل شيء آخر. ما رأيكم؟ جاءت الفكرة على مرام هشام المقدادي فهو لا يحس بالاطمئنان حتى في منزله. فشبح السلطة في كل مكان حتى في عقله الباطن وفي أحلامه وكوابيسه. وتساءل إن كان ورث هذا القلق من أبيه الذي كان به رهاب من الحكومة. أم هو إحساس أصبح فطرياً لدى المواطنين الذين ينتمون إلى مجتمعات لم تعرف النظم الديمقراطية منذ آلاف السنين على نحو ما جاء على لسان عجوز صينية حين شاهدها كونفوشيوس تبكي في غابة أمام قبر فأوعز لمرافقه أو خادمه بأن يسألها عن شأنها فقالت العجوز: إني أبكي على فقد ولدي الذي افترسه النمر. لكن ألا تخافين أن يفترسك النمر هنا في الغابة؟ النمر أقل خطراً من الحكومة في البلدة.
6
ساغت له فلسفة العجوز الصينية كثيراً، وفكر لماذا تكاثر البشر وأصبحوا بحاجة إلى حكومات؟ لكن ذهنه العقلاني سفه تساؤله لأن التكاثر قانون طبيعي مع ذلك أكان من الضروري أن توجد أمم وحكومات وقوانين تخدم مصالح الحكام أكثر من مصالح المحكومين؟ وهنا قال لسمّاره: هل تعلمون أنني معكم فقط أشعر بآدميتي واليوم اعترتني كآبة قاتلة (والكآبة سمة مهمة من سمات شخصية علي الشوك رافقته في جميع أطوار حياته وهو يقول في لقاء مع فاطمة المحسن حين سألته عن شاعر العراق الأكبر محمد مهدي الجواهري قال: أحبه في بيت واحد : أنا عندي من الأسى جبل / يتمشى معي وينتقل)ومع هذه الكآبة شعرت بانقطاع الخيط الذي يشدني إلى هذا الوطن ورحت أفكر في فداحة الوضع عندنا في العراق الذي لا يختلف كثيراً عن العبودية. المواطن عندنا أصبح عبداً للسلطة. وهذا ربما يطال الموظف أكثر من أي مواطن آخر.؟ خذوا حالتي فأنا لا يحق لي أن أتمتع بحق أن أكون مستقلاً بل أجدني محاصراً لا يحق لي حتى الاستقالة من عملي. وها هم يحكمون قبضتهم على الشعب بعد أن بات بوسعهم التصرف الكامل بالثروة التي أمموها وفرضوا نظرية الحزب القائد وهي بدعة اقتبسوها من النموذج الاشتراكي. قالت ليلى: أولادنا لا يكفون عن رشق أسماعنا بأناشيد وأغان عن القائد الملهم والحزب القائد. وصرنا نكف عن الحديث في المواضيع السياسية أمامهم لئلا يرددوا كلامنا أمام التلاميذ والمعلمات ونُبتلى مثلما ابتلى بعض المساكين من الآباء والأمهات. وأكد كمال حمدان: نعم قرأنا من قبل كيف كان الديمقراطيون واليساريون في ألمانيا يحذرون من أطفالهم الذين قد يرددون كلامهم في المدرسة وكيف كان الغستابو يحاسب ذويهم لعدم وجود صور هتلر في منازلهم. وها هو التاريخ يعيد نفسه في العراق الحديث. وعقب هشام المقدادي: من المحزن أن ذلك حدث في أيام ستالين أيضاً. فقد قال لي غائب طعمة فرمان الروائي العراقي الذي عاش عقوداً في بلاد السوفييت مترجماً روائع الأدب الروسي ومات في موسكو: إن الشعب السوفييتي يمارس حالة من الخوف توارثها منذ أيام ستالين. وهذا كله يذكرني بكتاب برتراند رسل عن السلطة والفرد الذي كتبه عام 1949.
7
يقول علي الشوك:
كانت مفردات سعادتي الرياضيات، والموسيقى، والقراءة، والمرأة. الترتيب ليس مهماً هنا. كانت تلك مرحلة الاكتشاف. المرأة كانت بعيدة المنال. كانت نسائي بطلات كتب. من هنا شغفي بالقراءة. دوّختني نساء تورغينيف، لا سيما بطلة روايته القصيرة "الحب الأول" ودوختني "الراقصة الأندلسية" في قصة أندريه تيرييه، مع أنني كنت أخاف من الراقصات. ومزقتني ليزا بطلة "رسالة من امرأة مجهولة" لستيفان زفايغ. وحيرتني زينايدا بطلة "قصة رجل مجهول" لأنطوان تشيخوف، بسبب ترددها في اتخاذ موقف حاسم من الرجل الذي نذر نفسه لها. ولم أكن قد قرأت بعد رواية "الأحمر والأسود" التي ستصبح روايتي المفضلة على الإطلاق بعد أن تأسرني شخصية بطلتها ماتيلد بسحرها الهائل. وسأنحني أمام براعة ستندال في رسم شخصية أروع بطلة رومانسية. كنت أريد أن أقرأ كل شيء لئلا يفوتني القطار. فهناك مئات وآلاف الكتب تنتظرني قبل أن أجرب حظي مع الكتابة، فأنا لا أعتقد أنني سأكون جاهزاً للكتابة قبل قراءة "رسالة الغفران"، و "كتاب الأغاني" لأبي الفرج، و"الأخوة كارامازوف"، و "آنا كارانينا" آه، و "الأحمر والأسود". مع ذلك كنت متعجلاً على ما يبدو. ففي لحظة ما، عندما كنت أتمشى وحدي في حرم جامعة بيروت الأميركية، في يوم من أيام 1947، اتخذت قراراً في أن أصبح كاتباً! أما الرياضيات التي كنت أدرسها، فستكون وسيلة لحصولي على شهادة. وستكون نزهتي في حياتي، ووسيلة لتفرغي للقراءة، ثم الكتابة.
وبدأ يكتب. كتب في اللغة، والتأريخ، والأسطورة، والأدب، والموسيقى، والفيزياء، وعلم الفلك. وكتب الرواية. يقول: كتابة الرواية في حاجة الى موهبة خاصة، وفي عالمنا العربي تبقى في حاجة الى الحرية. لكنني صرت أعتقد أن الموهبة ليست شرطاً أساسياً. فيقال اليوم إنك تستطيع أن تتعلم عزف الموسيقى من غير موهبة. أعني بهذا أنني كنت أفكر في كتابة أعمال روائية، بيد أنني، كعراقي، كنت أشكو من غياب الحرية. هناك مواضيع مهمة جداً، لكنها تمس السلطة ونظامها مباشرة، كالمحنة الطاحنة التي تعرض لها أبناء جيلنا بعد انقلاب 1963. وكنت أنا خير شاهد عليها، لأنني اعتقلت فيها، وتعرضت الى التعذيب والأهوال، ودام اعتقالي سنتين. لكنني لم أستطع الكتابة عنها طوال حكم صدام حسين. وتعرض العراق منذ أيام صدام حسين وحتى هذا اليوم الى محن أشد وأعتى. وهذه كلها تصلح مواضيع للكتابة الروائية. وقد كُتبتْ عنها روايات ممتازة. أما أنا فقد كتبت فقط عن تجربة 1963. فهل كتب علي الشوك روايته الأخيرة؟ لا أظنّه فعل، كلا، مات علي الشوك في لندن ولم يكتب روايته الأخيرة.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي