الاستعمار حمَّال أوجه

مختار سعد شحاته
2022 / 1 / 15

تظل فكرة الاستعمار والتنصل منها، فكرة عالمية وباب واسع للدخول نحو الإنسانية، بل عاش كثيرون من فلاسفة ومفكرين يقتاتون غالب حياتهم على هذه الفكرة ومناهضتها، وعليها قامت أفكار كتابات ثورية وأدبية متعددة مثل كتابات سارتر وفانون وأوريل، ومن بعدهم كوامي آبيا المنتمي إلى أصول إفريقية عانت الأمرين من تلك الفكرة. وحاول الكثيرون ممن تبنى أفكار هؤلاء السعي لأجل قنص اعتراف رسمي تاريخي من الرجل الأبيض للاعتذار عن فترة الاستعمار وما سببته من مهازل إنسانية وضحايا على مر هذا التاريخ المشين لتك الحقبة الاستعمارية، إلا أننا لم ننتبه إلا نادرًا إلى سياقات أخرى كانت موجودة إبان تلك الفترة خاصة في المناطق التي كانت تحت وطأة الاستعمار، خاصة في المنطقة العربية أو في إفريقيا بأسرها، وربما لو تدبرنا هذه السياقات بقليل من الحياد، لصار علينا لازمًا أن نراجع الكثير من الأفكار التي اعتبرها الكثيرون ابنة شرعية للحقبة الاستعمارية.
سياقات عربية وإفريقية خاصة:
أدفع عن نفسي أولاً الاتهام بالدفاع عن الاستعمار، وأربو أن أكون أحد هؤلاء، لكن وبعد قراءات عديدة ومناقشات أكثر حول الكثير من هذا الإرث الذي يسوق له النهضويون والقوميون باعتباره إرثًا استعماريًا جاءت به الدول الاستعمارية إلينا، وقذفت به في وجوهنا، ثُم تركته ينمو ويرعرع في أراضينا، وهو في حقيقة الأمر أمر أجده عسير القبول بشكل تام وكامل بعد ظهور الكثير من الأسئلة حول منطقتنا العربية والقارة الإفريقية، وهي التي تُهمل من السياق حين الحديث عن الاستعمار وحقبته الزمنية طالت أم قصرت، وهي سياقات كلها كانت مواتية تمامًا للفكرة الاستعمارية في مجملها حتى لو اختلفت في تفاصيلها الصغيرة أو مكوناتها الداخلية، ففي رأي خاص أظن الفكرة الاستعمارية تتلخص في كلمتين هما "الاستعلاء والاستغلال"، ولك بعدها أن تُنظر لما شئت من المسميات وإلصاقها بقلب بارد على هذه الفكرة الواسعة المسماة "الاستعمار".
حين نتأمل الواقع العربي والإفريقي قُبيل هذه الفترة الاستعمارية التي قادها الرجل الأبيض، سنجد هذه المنطقة مؤهلة تمامًا لاستقبال هذا المستعمر، فالمستعمر لم يطأ أرضًا غير مؤهلة لقبول فكرة الاستعمار بما فيها من عنصريها الأساسيين من الاستعلاء والاستغلال، ففي كل المنطقة العربية انتشرت أفكارًا بل معتقدات تحض على الطبقية والتمايز تحت مسميات مختلفة منها ما ربط نفسه بفكرة مقدسة ضمانًا لقفل الباب على مناقشتها، وهي أفكار ستجدها بدلائلها الموثقة في كتب التاريخ العربي والإسلامي في المنطقة، إذ على الدوام يتم تحديد طبقة يجب الإيمان بها أنها طبقة تفوق كل البشر قدسية وطهرًا ونبلاً، وأن لها دماء نقية لا يجب اختلاطها بدماء العامة، وهي فكرة لها موازٍ واسع في إفريقيا وبين قبائلها، إذ لا بُد أن تؤمن بأن القدر وحده من اختار هؤلاء ليكونوا فوق الآخرين، وأن هذا الشرف الذي يحرم منه العامة إنما هو قدر إلهي مقدس لا يجب مناقشته أو حتى المساس به، حتى لو جاء المنتمون إليه بما يندى له جبين الإنسانية من خجل ما فعلوا أو من هول ما عاناه العامة حين تولوا أمورهم، والأمثلة في تاريخ العرب منذ القدم وحتى العصر الحالي زاخرة بعشرات الأسماء من هؤلاء، الذين دافعوا عن فكرة استعلائهم على الجميع، وأن هذا حق متوارث لا ذنب لهم فيه!
لا يختلف الأمر في إفريقيا كثيرًا عن ذلك، إذ وصل الأمر إلى أن الكثير من محطات بيع العبيد الأفارقة كانت في الداخل الإفريقي وسطه وغربه أسسها زعماء قبائل أفارقة بأنفسهم، بل وباعوا أبناء جلدتهم إلى هؤلاء البرتغاليين الذين كانوا في واجهة الصورة تاريخيًا، ليظهروا وحدهم في صورة واسعة تحجب المفردات وراءها من عشرات الأمراء والزعماء الأفارقة الذين سبقوا هؤلاء.
الاستعمار حمال أوجه:
توجد أفكار كبيرة وواسعة أو كما يقولون "قماشتها واسعة"، يمكن لها أن تكون ذات حمولات كثيرة، وهنا فإن مصطلح الاستعمار يُعد واحدًا من تلك الأفكار الي تتسع قماشتها للعديد من الأفكار، فأنت حين تود الهروب من مسؤولية تاريخية كل ما عليك كنظام قمعي استبدادي، إلا الرجوع إلى الفترة الاستعمارية وإلصاق كل شيء بها، فكل السوء الذي نال المجتمعات في إفريقيا والمنطقة العربية ومن على شاكلتها يتم رده بسهولة إلى الاستعمار، باختلاف نوعه، دون جرأة الاعتراف أن كل هذا السوء النابت في مناطقنا أسبابه بعيدة ومتجذرة، بل وتغذيها ثقافتنا واعتقاداتنا التي ندافع ونستميت في الزود عنها، والحقيقة أن الإرث الاستعماري وإن كان ذا حمول كثيرة لكنه في بعض الأمور ومن منطلق الحياد البحثي، بُراء من كثير تم إلصاقه به، وهُنا لا أدافع عن فكرة الاستعمار، وأؤكد على مقتي لها، وهو مقت لا يقل عن كراهيتي الشديدة لكل فكرة تحمل الاستعمار سبب تخلف تلك المناطق.
يمكن بقليل من القراءة أن تقرأ كتاب "هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف" لصاحبه يوسف بن محمد الشربيني والذي حققه المستشرق همفري ديفيز، لتكتشف كمًا مهولاً من الطبقية والاستعلاء الذي عاناه الفلاح المصري كمثال، بل عانته القرية والريف المصري، وتبدو عنصرية المدينة فجة بل ولا إنسانية في كثير من الأحيان، والعجيب أنه في مثل هكذا كتابات، لا يقوم المحقق في مقدمته بالإشارة إلى تلك العنصرية أو ذلك الاستعلاء والاستغلال المقيت الذي تم ممارسته تجاه الفلاح المصري، وهو أمر تواتر في أشكال كتابية وفنية أظهرت كمًا من العنصرية البغيضة صورتها شاشات السينما والأفلام المصرية منذ مطلعها وحتى الآن، وخذ مثالاً على ذلك شخصية "عثمان النوبي" التي قدمها على الكسار في مصر، والذي حلّ محل الفلاح، فتوجهت عنصرية فجة للذم والسخرية من العنصر النوبي، وهو ما له امتداد عبر أفلام مصرية عديدة، شارك فيها نجوم الصف الأول، خاصة عادل إمام الذي تكاد أفلامه لا تخلو من تلك العنصرية والتنمر على الآخر المختلف في اللون والشكل والجسم وحتى العقيدة، وهو ما حاول جيل لاحق لإمام فعله كان أبرزهما محمد هنيدي ومحمد سعد اللنبي.
لم نسمع أحد النقاد في مصر مثلا تحدث عن تلك العنصرية التي يمارسها هذا الفن السخيف الذي رأى في الاستعلاء والعنصرية والتنمر بابًا واسعًا للكوميديا، والأعجب أن مثقفي تلك الفترة لم نسمع منهم إشارة واضحة على ذلك الإسفاف البغيض، وهو ما يُرجعنا إلى البدايات أكثر حين نجد كمًا هائلاً من الخطاب العنصري في الثقافة المصرية والعربية بوجه عام، وهو خطاب له حواضن عقائدية ترسخ لمفهوم الطبقية وتربطها بالدين والقضاء والقدر، بل وتجعل البعض في مصاف المعصومين، وهو أمر له مرادف في وسط إفريقيا وبين أمراء القبائل خاصة في الفترة الاستعمارية، إذ كان يمكن بسهولة أن نجد أمير القبيلة وملكها يغير بكل أريحية على قبائل مجاورة بل ويتعاون مع تاجر الرقيق ويبيع له أسرى الحرب، والقرن السابع عشر والثامن عشر في غرب ووسط إفريقيا متخم بتلك الممارسات من أمراء الحرب الإفريقية التي دارت في مناطق الغرب، والوسط، وكانت بمثابة شريان حياة لتجارة الرقيق.
غاية العجب الاستعداد للاستعمار:
نسمع الآن كلامًا كثيرًا عن الفترة الاستعمارية في العالم كله، بل ودعوات متواترة إلى ضرورة الاعتذار عن تلك الفترة، وأنه يتحتم على أوربا المتقدمة وراعية حقوق الإنسان أن تعترف بماضيها الملوث، وأن تغسل يديها من هذا العار عبر هذا الاعتذار، وهوأعجب ما يكون، حين نطالب الغرب بذلك بينما لا نطالب به أنفسنا، فمن قاتل أولاً في غرب إفريقيا غير أمراء الحرب الذين باعوا الأسرى للبرتغاليين ثُم استقدموا كافة الأوربيين ولولا مسانداتهم لهم لما انتشر الاستعمار بمختلف أنواعه في إفريقيا، وكذلك في العالم العربي، وفي ظني أن تلك المناطق وكل بلدان العالم التي وقعت نهبًا لطمع استعماري كانت مؤهلة بالأساس لهذا الاستعمار، الذي يعتمد بالأساس على الاستعلاء والاستغلال كعكازين له يمضي بهما نحو أطماعه، وإلا فحدثنا عن تلك الخيانات التي وقعت مثلا في تاريخ المقاومة العربي للاستعمار، ومثيلاتها في الغرب والوسط الإفريقي، والتي لولاها لتغيرت دفة أمور كثيرة وربما وجه التاريخ الإنساني كله.
أتساءل لماذا لا نعترف بأن منطقتنا العربية بالفعل كانت مهيأة تمامًا لقدوم الاستعمار واستمراره على أراضيه قبل أن تأخذنا نزعة الوطنية والقومية ونتغنى بأبطالنا الذين اشتهروا بالمقاومة الشرسة وهنا إحقاقًا للحق لا أعني كل الأبطال، إنما أشير إلى بعض هؤلاء الرموز، وفي موقف النهضوية المصرية هدى شعراوي من قضية زوجة ابنها الراقصة التي أذاقتها الويل، عبرة ودلالة، إلى جانب الكثير من الحكايات والوقائع التي يكفي واحدها أن ينسف أسطورة هؤلاء من النهضويين والأبطال المقاومين للاستعمار.
أخيرًا، أكرر هذا المقال ليس دفاعًا عن الاستعمار، إنما محاولة لدفع الذهن للتفكير خارج الصندوق، ومحاولة للإشارة إلى الوضع الذي كانت عليه منطقتنا لحظة الاستعمار وقبلها، فلم تكن أبدًا جنة عدن التي تصورها كتابات المقاومة، إنما كانت مجتمعات يأكلها العنصرية والاستعلاء بحواضن لا يجوز المساس بها ومنها الدين والعقيدة.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي