تجليات سادن العرفان

سعد محمد موسى
2022 / 1 / 15

ولد (الحسين بن منصور الحلاج) بين أجمات البردي ومن رحم طين الاهوار والواح الصلصال الذي نقش فوقه أبجديات الوجود والحضارة، ومن القصب الذي يبوح للريح روحه، حلقت طفولته التي كانت تحوم مع أسراب الطيور باغانيها هي ترسم الشعر ما بين أزلية الفضاء ونقاء الماء في جنة البطائح حين عمدته بنور الشعر مثل المندائيين وهم يتعمدون بقدسية الماء وضياء الحياة في تخوم الاهوار وعلى ضفاف الرافدين، وفي مملكة القصب في أقاصي جنوب الاهوار التي شهدت أيضاً ولادة الداعية (ماني بن فاتك) أو (ماني البابلي) مؤسس الديانة المانوية ورسالته العرفانية والغنوصية التي بشر بها في مدينة بابل.
أثناء طفولته كان الحلاج يشدو مع تجليات الطائر حين يتوحد في حضرة الاهوار وتناغم القصب مع هفيف الريح، تعلم أيضاً التضحية والحب من البجعة حين تدمي صدرها وتنهش لحمها بمنقارها كي تطعم أفراخها الجياع حين يشح الطعام في زمن القحط، وهنالك شاهد الثوار وهم يختبئون بين غابات القصب ويتنقلون بحذر في مشاحيفهم.
تعلم التمرد من ثورة الزنج في البصرة وفي سباخ تخوم البطائح حين أحتجوا ضد الرق والعبودية وآزرهم بذلك مجاميع من الفراتيين المعدمين والناقمين على تعسف الدولة العباسية فاعلنوا حينها عصيانهم بقيادة الثائر العلوي (عليّ بن محمد) ضد استبداد العباسيين وضد طبقة الاقطاع والاثرياء، فاتخذ الحلاج مبدأ مواجهة السلطة السياسية والدينية الباغية واعلان الدعوة جهراً في التصدي للظالم وكان قريباً للناس ومجالسهم، فاختلف مع النهج الصوفي السائد آنذاك الذي كان يعتمد على السر والكتمان وتجاهل ظلم السلطة.
ومثلما كان سحر الطبيعة وبهائها يتجلى في فراديس الاهوار فقد كانت تلك البطائح أيضاً ملاذا للثوار والمتمردين عبر تأريخ وادي الرافدين وفي كل الازمنة والمراحل.
في سكون ودعة الاهوار ورحابة السماء التي تعانق الماء أدرك الحسين بن منصور الحلاج، أولى أبجديات التأمل الروحي ومن أنين الناي الذي يناجي القمر سبحت روحه في عالم الشعر والجمال والبحث عن المطلق الذي لا تحده جدران المساجد ولا تعبر عنه منابر شيوخ الدين، حينها تجلت اشراقات الحلاج لا سيما بعد ذهابه الى بغداد عاصمة المعرفة وتجمعات المفكرين والمتصوفة.
كان الصوفيّ يحلج المعرفة عند بوابات الشمس ويطوف البلدان حاملاً صليبه وشقائه ما بين الفناء والوجود وما بين هلاك العقل وخلاص الجنون أو حيرة التكوين المعلقة ما بين النقطة والخط.
أبحر الشيخ عميقاً مع الامواج التي توضأت بقداس الضوء وتعقب سراب البحر وضياع الدلالات، وحين تحطمت سفينته تشبث بقطعة خشبية طافية من الحطام فانقذته، ثم جرفته موجة أخرى الى إحدى جزر الله وكان الغريق حينها يعي أن تلك الخشبة التي أنقذته هي ذاتها التي ستقتله بعد أن تستحيل الى صليب!!
ثم بدأت رحلة أخرى وعذاب آخر مع أقوام قساة دون أفق أو معرفة، حملوا سياطهم وسلاسلهم وفرماناتهم متعقبين تجليات الاشراق.
يمر سادن العرفان على دكاكين الوراقين وعلى حلقات محبيه ومريديه في حواري بغداد وهو يمنحهم مفاتيح العبور عبر بوابات الحكمة وسبل الولوج الى عوالم الصفاء والزهد والتأمل في ملكوت السماء ثم الابحار عميقاً في نرفانا الشمس، وحين أدرك مرحلة الكشف الآلهي صرخ: "أنا الحق" تلك العبارة التي قتلته.
ما بين (باب خراستان) على ضفة دجلة وما بين (أورشليم المسيح) شيّد الجلادون تلك الصلبان لفراشات الضوء وعلى ضفاف النهر، نُحر الحلاج كقربان للخلاص وسفك دمه الذي خضب ضفتيّ دجلة.
حينها صرخ دمه في الافاق وعفر بساتين بغداد منشداً المغفرة لجموع القوم التي عميت بصيرتهم والذين التفوا حول الصليب وهم يشتمون ويقذفون بالحجارة شيخ "حلال الدم".
أشرأب الحلاج نحو السماء قبل أن يجتز السيف العباسي رقبته، ثم طلب بدعائه الى الله المغفرة لجلاديه وللقوم الذين تجمعوا على قتله فرتل بحسرةٍ: "هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك، فاغفر لهم فانك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد على ما تريد" !!
كان النهر ينساب بعيداً وينوء باناشيد الصوفي ما بين حزن النخيل ووحشة صريفة الطفولة الغافية فوق هور الحويزة وبكاء النافذة حين غادرها القمر.
وحين قطع جسد سادن الالم والعرفان انتفض من صدره ثمة طائر أبيض ومن عشه الحبيس بين اضلاع الزاهد المعذب بعد أن انعتق من سجن الجسد حلق بعيداً في فضاء الخلاص.
ناح شيخ الصوفية (أبو بكر الشبلي) في أزقة بغداد الآثمة وهام على وجهه في المنافي والامصار مفجوعاً بمقتل خلّه وصاحبه الحلاج، مثلما هام من قبله گلگامش حين فقد صاحبه انكيدو، ورثى الفقراء الفراتيين وزنوج البصرة المظلومين والناجون من مجزرة العباسيين مسيح الصوفية.
أقفلت المدن أبوابها وبات الاسباط والمريدون والطلاب والطواسين يجلسون القرفصاء فوق عتبات الآسى ومحطات التيه والقفار وهم ينتظرون عودة شيخ العرفان فدون عراب العشق والمعرفة ضاعت الخطى مسارها وحل الاستياء والكرب بين الناس.
"في القرن الثالث الهجري الذي صادف صلب الحلاج وقطعت أوصاله في بغداد، صلب أيضاً قبله الداعية ماني في مدينة جندشابور في الاحواز وقطعت أوصاله، وكذلك قتل الثائر العلوي علي بن محمد في مدينة البصرة بعد قمع ثورة الزنج".

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي