الستالينية

نيل فولكنر
2022 / 1 / 15

الفصل 11 من كتاب تاريخ شعبي للثورة الروسية، الصادر عام 2017 عن بلوتو برس ونادي الكتاب اليساري

صعود البيروقراطية

في أواخر عام 1921، وفي كل مكان في العالم تقريباً، بدأت تنحسر الموجة الثورية العظيمة التي اندلعت إثر الحرب العالمية الأولى. وعند أواخر العام 1923، كان ذلك واضحاً للجميع باستثناء أشدّ المتفائلين. الأهم من ذلك، بعد مواجهة تحديات كل من الثوار الشيوعيين والنازيين المعادين للثورة، حققت جمهورية فايمار الألمانية- ذات نظام برلماني ليبرالي- نوعاً من الاستقرار. لم تكن انتفاضة أكتوبر عام 1917 قد أشعلت الثورة الاشتراكية العالمية التي ناضل البلاشفة من أجلها. أصبح لينين ذاته رمزاً لتراجع الأمل الثوري: بعد سلسلة من الجلطات التي أصابته، توفي عام 1924. تركت الثورة الروسية معزولة، محاصرة بالأعداء، ومدمرة بالحرب الأهلية، ومفقرة بسبب الانهيار الاقتصادي. ناضل النظام البلشفي من أجل الاستمرار في ظل ظروف صعبة، وانقلب على نفسه وتحول في الوقت عينه إلى مهزأة مقارنة بمُثُلِه الاشتراكية السابقة.

غيّرت أزمة 1918-1921 – فترة الحرب الأهلية وتطبيق شيوعية الحرب- طابع الحزب البلشفي والسوفيتات والطبقة العاملة الروسية. جعلت العلاقة الوثيقة بين الحزب الثوري والسوفيتات الديمقراطية والبروليتاريا الصناعية حصول انتفاضة أكتوبر ممكنة. استعمل تروتسكي استعارة المحرك البخاري: الحزب كان المكبس الذي تنتقل فيه قوة الثورة، السوفيتات الديمقراطية كانت صندوق المكبس، المنظِّم والمركِّز للطاقة؛ البروليتاريا الصناعية- إلى جانب عامة الناس بشكل عام، الجنود والفلاحين، الذين لحقوا زمام المبادرة- كانت هي القوة، دفع العمل الجماعي الجماهيري كل الأحداث الكبرى التي حصلت عام 1917. انهارت هذه العلاقة تماماً في السنوات الأربعة اللاحقة مع تفكك البروليتاريا الصناعية الروسية القليلة العدد. “إن البروليتاريا الصناعية تراجعت”، أعلن لينين في تشرين الأول/أكتوبر عام 1921، “فهي لم تعد موجودة كبروليتاريا. منذ جرى تدمير الصناعات الرأسمالية الكبرى وشل حركة المصانع، اختفت البروليتاريا”. (1) في بداية الـ 1920ات، سيطرت قوتان طبقيتان على الحياة الروسية: الفلاحون المسيطرون الآن على الأرض، وبيروقراطية الحزب الحاكم في دولة ما زالت مفعمة بروح ثورية شديدة، لكنها باتت منشغلة أكثر فأكثر بضرورة استعادة أساسيات الحياة اليومية في ظل اقتصاد متخلف دمرته الحرب ومزقه الفقر.

الحزب البلشفي نفسه تبدّل. تضخمت عضويته. سرعان ما أغرق بالمحاربين القدامى وبالمنتسبين الجدد الذين أدخلوا بعد أكتوبر 1917، وانضم العديد إليه لأن ذلك كانت الطريقة الوحيدة للحصول على وظيفة لكسب لقمة العيش. بحلول عام 1922، على سبيل المثال، أصبحت نسبة 15 بالمئة فقط من أعضاء الحزب البلشفي في بتروغراد من أولئك الذين كانوا أعضاء فيه قبل عام 1917- كانت نسبة “قدامى البلاشفة” مجرد نسبة ضئيلة من المجموع. (2) والأخيرون- الذين يشغلون الآن مناصب قيادية- يتمتعون بمكانة كبيرة. ولكن هذا لم يساهم بالكثير لتعزيز الديمقراطية داخل الحزب. كان العديد من المنتسبين الجدد مقربين من النظام، وصوليين وغير مثاليين، سعداء بالمشي مع الموجة، وغير راغبين بتحدي القيادة. ومع ذلك، كان الخطر يتجسد بأن الضغط السياسي لهذه الكتلة من مسؤولي الحزب الجدد، الموظفون في النظام السوفياتي، من شأنه أن يقوض التقاليد الثورية في الحزب. أدى تبني السياسة الاقتصادية الجديدة وظهور رجالها والفلاحين إلى زيادة هذا الخطر. وتعززت النزعة المحافظة للبيروقراطية الحزبية الجديدة من خلال التأثير الاجتماعي لهذه الكتلة البرجوازية الصغيرة المتنامية. هذه الكتلة من الممكن أن تكون قد باتت ناقلة للحزب ضرورات المنافسة في السوق العالمية، ولأن الاقتصاد السوفياتي صغير، ومرغم على التجارة بهدف الصمود، كان يشكله النظام الرأسمالي العالمي. الدولة السوفياتية، شرح تروتسكي عام 1927، كانت تتطور بشكل مباشر أو غير مباشر تحت السيطرة النسبية للسوق العالمية. وهنا يكمن بالضبط أساس السؤال. فمعدل التطور ليس اعتباطياً- إنما يحدده التطور العالمي بأكمله، لأنه في نهاية الأمر الصناعة العالمية هي التي تتحكم في كل جزء من أجزائه، حتى لو كان هذا الجزء تحت سيطرة ديكتاتورية البروليتاريا ويقوم ببناء صناعة اشتراكية. (3)

أوضح لينين الاستنتاج: “السياسة البروليتارية للحزب لا تحددها طبيعة العضوية”، مضيفاً: “إنما امتيازات مجموعة صغيرة يمكن أن نسميها الحرس القديم للحزب”. ولكن في ظل الفراغ الاجتماعي المتنامي الذي كان يعمل فيه، شعر هذا “الحرس القديم” بأنه مضطر إلى تعزيز دفاعاته: حظر مؤتمر الحزب العاشر في شهر آذار عام 1921 التكتلات الداخلية- أي فرض قيود كبيرة على النقاشات داخل الحزب وعلى الديمقراطية. كان ذلك إحدى دلائل اليأس الذي تصرفت بواسطته القيادة البلشفية للحفاظ على التقاليد الثورية والحفاظ على النظام السوفياتي كمركز متقدم للثورة الاشتراكية بانتظار الانتفاضة العالمية المقبلة. ولكنها كانت تخوض معركة مأساوية ضد التاريخ. كانت الرمال تتحرك تحت أقدامها. “اسمح لي بتهنئتك على كونك طليعة طبقة لم تعد موجودة” كانت جملة توبيخية وجهها أحد الثوار المخضرمين إلى لينين.(4)

في نهاية حياته، تزايد عجز لينين بسبب الجلطات المتوالية، وأصبح منشغلاً بمسألة الانحطاط البيروقراطي. بعد أن شعر أن أعمال حياته تتلاشى، خاض “نضاله الأخير”- ضد جوزف ستالين والبيروقراطية الناشئة وسط الحزب الحاكم. فكتب في “وصية” سرية قبل وقت قصير من وفاته، محذراً رفاق الحزب البارزين من أن الأمين العام لديه “سلطة غير محدودة بين يديه”، وأنه “شديد الفظاظة”، وبالتالي عليكم التفكير بطريقة لإزالة ستالين من منصبه وتعيين شخص آخر مكانه لا يختلف في كل النواحي عن الرفيق ستالين إلا بميزة واحدة فقط، أن يكون أكثر تسامحاً، وأكثر ولاءً، وأكثر تهذيباً، وأكثر مراعاةً للرفاق، وأقل تقلباً…” (5)

كان عليه ألا يكون. شعرت قيادة الحزب بأنها محاصرة على جبهات عديدة لدرجة أنها لم تخاطر بانقسام على مستوى القمة. لم تكن وصفة لينين، على أي حال، علاجاً للمرض. ونظراً لعدم وجود مخرج آخر، اقتصر على اقتراح إنقاذ الثورة البلشفية بمجرد تغييرٍ يحصل على مستوى قيادتها العليا. المشكلة الأساسية لم تكن أن ستالين كان بيروقراطياً للغاية. كان الأمر أن القيادة السياسية لجهاز الحزب الحاكم الناشئ تطلبت بيروقراطياً على هذا الشكل. الرجل الذي تذكره سوخانوف بأنه “ضبابي رمادي” في الأحداث العظيمة خلال العام 1917- صاحب دور غير أساسي، أو قرصان حزبي، وليس قائداً جماهيرياً، وليس خطيباً وليس كاتباً أو منظراً- أصبح قائداً يتصرف على مزاجه. وكأمين عام للحزب، في العالم الجديد الذي ظهر- ديستوبيا بيروقراطية أكثر انسجاماً مع رواية لكافكا من منشور ماركسي- شغل المنصب الأول، حيث بات يتحكم بالتعيينات في كل قسم من أقسام الحزب الحاكم. وخلال سنة من توليه المنصب، وحتى قبل وفاة لينين، عيّن 10 آلاف شخص. البيروقراطية الناشئة- المؤلفة بشكل متزايد من رجال ونساء يدينون بمناصبهم لستالين- باتت الآن مهيمنة على مؤتمرات الحزب. كان أكثر من نصف المندوبين خلال مؤتمر الحزب الـ 12 في نيسان/أبريل 1923 من موظفي الحزب. بعد سنة، وخلال مؤتمر الحزب الـ 13 في أيار/مايو 1924، كانت النسبة قد أصبحت الثلثين. وتلك كانت نقطة حاسمة.

لم ينتخب أي عضو من المعارضة الداخلية كمندوبين لهم الحق بالتصويت في المؤتمر الـ 13. جرى اختيار المندوبين من خلال عمليات الاختيار المشترك من أعلى. وكانت المعارضة والنقاشات في حدها الأدنى. وأفرغت ديمقراطية الحزب من مضمونها. وصف نيكولاي بوخارين ما حصل في حزب موسكو في نهاية سنة 1924:

“حصل تعيين أمناء خلايا الحزب من قبل لجنة المنطقة… فيطرح السؤال للتصويت وفق نمط محدد. فيأتون إلى الاجتماع ويسألون المجتمعين “من ضد؟”، وبما أن الناس تخشى بشكل أو آخر التحدث ضدهم، فإن الشخص المعني يجد نفسه منتخباً أميناً عاماً لمكتب الخلية… يمكن أن يحصل الأمر نفسه معدّلاً بعض الشيء في جميع مراحل الهيئات الحزبية وفق التسلسل الهرمي للحزب”. (6)

جرى التعبير عن استيلاء البيروقراطية من خلال تبني في المؤتمر الـ 14 للحزب في شهر كانون الأول/ديسمبر لعقيدة “الاشتراكية في بلد واحد”. وكان ذلك بمثابة استئصال لجوهر التقليد الماركسي برمته- والذي يمكن تعريفه بأنه نظرية وممارسة الثورة البروليتارية الأممية- والتقليد البلشفي، الذي أصر، بحسب الماركسية نفسها، مراراً وتكراراً على أن روسيا كانت مجرد حلقة في سلسلة الثورة الأممية، كانت ثورة 1917 مرحلة ضمن سيرورة، ولاستمراره يعتمد النظام السوفياتي على تصعيد نضال ثوري على نطاق عالمي.

لكن هذه المقاربة لم تعكس مصالح بيروقراطية الحزب الحاكم. فقد كانوا موظفين إداريين مشاركين في التحديث الاقتصادي وإعادة البناء الاجتماعي، وخاصة أنهم كانوا تكنوقراطيين يتولون وظيفة يتعين عليهم القيام بها. وبشكل متزايد، كانوا يدركون أنهم مجموعة ذات مصالح وأهداف مشتركة؛ وهي مجموعة باتت تشكل الآن قيادة روسيا السوفياتية. لقد كانوا، بحسب ستالين، “مجموعة من الفرسان التوتونيين [الحريصين] في مركز الدولة السوفياتية”. أكثر من ذلك: كما لاحظ كريستيان راكوفسكي ومجموعة من المعارضين الروس عام 1930، كانوا طبقة حاكمة في طور النمو:

“أمام أعيننا، كان هناك ولا تزال تتشكل طبقة كبيرة من المسؤولين مع امتيازاتهم الخاصة، والمتزايدة والمختارين من فوق… ما يوحد هذا النوع الغريب من الطبقة هو النوع الغريب من الملكية، أي سلطة الدولة… [البيروقراطية] هي نواة طبقة… ظهورها يعني أن الطبقة العاملة ستصبح طبقة مضطهدة أخرى. البيروقراطية هي نواة الطبقة الرأسمالية، تتحكم بالدولة وتمتلك بشكل جماعي وسائل الانتاج”.(7)

“الاشتراكية في بلد واحد” (أو “الاشتراكية الوطنية”) هي تناقض في العبارات. هناك ثورة اشتراكية أممية وهناك نظام رأسمالي عالمي؛ لا يوجد “طريق وسط”، مجرد لحظات في عملية الانتقال من واحد إلى آخر. كانت روسيا السوفياتية تتحول إلى شكل، أفضل وصف له هو “رأسمالية دولة”. كما عبر عنه بعض المعارضين في المؤتمر الـ 14: “فجلة”: حمراء من الخارج وبيضاء من الداخل. بين عامي 1923/4 و1928/9- أي بين وفاة لينين ونهاية السياسة الاقتصادية الجديدة- تسارعت عملية التحول بشكل كبير. تزايد عدد أعضاء الحزب من نصف مليون إلى مليون ونصف المليون. وعند نهاية العقد، كان ثلثا الأعضاء قد انضموا خلال سنوات السياسة الاقتصادية الجديدة، معظمهم بعد وفاة لينين. بات لينين شخصية تُعبد، فحُنط جسده وعُرض أمام الجمهور، وتحولت أفكاره إلى تعاليم دينية تعلم كالعقيدة الدينية، مع تأسيس ستالين الكئيب للينينية دينية. (8)

دمرت المعارضة داخل الحزب بكل سهولة. وعلى الرغم من اهتزاز أعلى مستويات الدولة بسبب الحجج المقدمة حول أربع قضايا أساسية- تنامي البيروقراطية، والعلاقات بين الريف والمدينة، وسرعة التنمية الاقتصادية، و”الاشتراكية في دولة واحدة” مقابل الثورة الأممية- سيطر تكتل ستالين، واستراح بسبب دعم جهاز الحزب الحاكم الذي أنشأه بنفسه وظل مسيطراً كل الوقت. وكانت المعارضات المتتالية مشوشة بسبب سيرورة تاريخية لم يفهموها بالكامل؛ ولكن الأهم، أنهم أصيبوا بالعجز بسبب عزلتهم داخل الحزب، وكانوا غير قادرين- وإلى حد ما غير راغبين- في بناء قاعدة سياسية خارجه.

في البداية شكّل زينوفييف وكامينيف “ترويكا” مع ستالين ضد تكتل المعارضة العمالية بزعامة تروتسكي (1922-1925). ومن ثم، تنبهوا للخطر الذي يجسده ستالين، وانفصلوا عنه وشكلوا “معارضة متحدة” بالتحالف مع تروتسكي (1925-1927). وأخيراً، انهزمت المعارضة المتحدة، وانهار التحالف بين بوخارين وستالين (1927-1928)، الأمر الذي أوصل عملية الانحلال البيروقراطية إلى نقطة تحولها الكبرى الثانية- اللحظة التي ظهرت فيها طبقة حاكمة جديدة كاملة. توجت “الاشتراكية في دولة واحدة” حالياً بمحاولة شاملة لبناء اقتصاد رأسمالية دولة جديد قائمة على التجميع القسري للزراعي، والاستغلال المكثف والتراكم الرأسمالي، والاستثمارات التي تفرضها الدولة في قطاعات الصناعة الثقيلة وتصنيع الأسلحة. إلى جانب ذلك، تطلب الأمر تدميراً نهائياً لما تبقى من حزب لينين البلشفي والتقاليد الثورية البلشفية.

كانت بيروقراطية الحزب الحاكم التي ظهرت في روسيا في ظل قيادة ستالين، بحلول العام 1928، قوية بما يكفي لإكمال ما كان، في الواقع، ثورة مضادة. فقد كانت قوتها تتراكم طيلة عقد من الزمن، وعندما تحركت بشكل حاسم خلال نهاية الـ 1920ات، كانت قادرة على تدمير جميع بقايا ديمقراطية الطبقة العاملة. فقد كانت الاجتماعات تُغرَق بالحضور، حيث يعم التشويش ويلاحق المعارضون ويرحلون من قبل جهاز بات يسيطر عليه الآن المسؤولون الذين انضموا إليه بعد الثورة.

خلال الـ 1930ات، عززت البيروقراطية من قبضتها من خلال تصفية كل قيادات الحزب البلشفي تقريباً. ألقي القبض على قادة ثورة أكتوبر، وعذبوا وخضعوا لمحاكمات صورية، وأدينوا بـ”التخريب”، ومن ثم أعدمتهم شرطة ستالين السرية. كما في ظل الهجوم ضد تروتسكي والأعداد القليلة من الرجال والنساء الشجعان والشجاعات الذين/اللواتي وقفوا/ن معه حتى النهاية كانت القوة المحركة منهكة في بلد مفقر، وفلاحيّ. وبدون ثورة أممية لتقويتها، كانت روسيا التي دمرتها الحرب المتخلفة قد استهلكت بكل بساطة الثوار الأصليين- حتى أصبحوا قلة بحيث أمكن نسيانهم في مجاهل معسكرات الغولاغ.

مع ذلك، فإن المثالية وخبرة السنوات الثورية صمدت في الذاكرة الشعبية وعملت على إدانة كل ما تلا. لهذا السبب، قتل من تبقى من الثوار خلال الـ 1930ات. استمرت نسبة واحد من أصل 14 من أعضاء الحزب البلشفي عام 1917 بالانتماء إلى الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي عام 1939؛ تقريباً كل البقية قتلوا. ومن بين الأعضاء التسعة في آخر مكتب سياسي في ظل لينين (عام 1923)، بقي اثنان منهم على قيد الحياة فقط عام 1940 (هما ستالين ومولوتوف). ومن بين الآخرين، وحده لينين مات ميتة طبيعية، وانتحر واحد خوفاً من الاعتقال (تومسكي)، وقتل ستالين البقية (كامينيف، وزينوفييف، وبوخارين، وريكوف وتروتسكي).

رأسمالية الدولة في روسيا

تصرفت البيروقراطية عام 1928 لأنها كان لديها القدرة على القيام بذلك ولأنها واجهت أزمة. كان الفلاحون يرفضون تزويد المدن بالحبوب الكافية، وكانت الحكومات الأجنبية تقطع العلاقات الديبلوماسية وتمنع العلاقات التجارية. وكان هناك خوف متزايد من الحرب. لم تعد الدولة الروسية مركزاً للثورة الأممية كما كانت عليه عام 1921. لقد كانت من جديد، كما كانت في ظل حكم القياصرة، إحدى القوى العظمى في أوروبا. لم يعد ينظر إلى دفاعها على أنه تضامن بروليتاري، إنما مجرد دبابات ومدفعية ثقيلة. كانت ردة فعل القيادة على أزمة 1928/9 الاستيلاء على الحبوب، وخفض الأجور، وفرض التصنيع السريع. أوضح الديكتاتور الروسي هذا المنطق: “إن إبطاء وتيرة التصنيع يعني التخلف عن اللحاق بالركب، ومن يتخلف عن ذلك يتعرض للهزيمة… نحن متأخرون عن البلدان المتقدمة ما يترواح بين 50 إلى 100 سنة. يجب تقليص هذا الفارق بشكل جيد خلال 10 سنوات وإلا سيسحقوننا”. (9)

نجت روسيا من الحرب الأهلية والاجتياح الأجنبي: لم يدمر النظام الجديد بالقوة العسكرية. إنما هزيمة الثورة الأممية تركت روسيا معزولة ومفقرة في ظل اقتصاد عالمي تهيمن عليه الرأسمالية. لذا فإن الثورة المضادة لم تتحقق من خلال إطاحة عنيفة للسلطة، إنما عبر الضغط الخارجي المستمر للمنافسة العسكرية والاقتصادية. احتاجت روسيا إلى تصدير الحبوب لدفع ثمن الأدوات الآلية. واحتاجت إلى تلك الأدوات لبناء الصناعات الحديثة. كما احتاجت إلى تلك لانتاج البنادق والدبابات والطائرات للدفاع عن نفسها في ظل نظام عالمي متوحش يتكون من دول قومية متنافسة. كان تراكم الرأسمال الخاص بطيئاً جداً. وما أسماه بوخارين في الـ 1920ات “اشتراكية بسرعة الحلزون” ترك روسيا متخلفة عن الركب وعرضة لتقطع أوصالها من قبل القوى المعادية. كانت الدولة وحدها التي تملك القدرة على تركيز الموارد، وفرض الخطط، وتجاوز المعارضة، والقيادة باتجاه التصنيع الإجباري السريع. كان الهدف هو الانتاج الضخم لبناء قوة الدولة. وهكذا أصبح حكام روسيا تجسيداً للتراكم المالي في رأسمالية الدولة. لكنهم أيضاً استخدموا سلطتهم لمكافأة أنفسهم بسخاء، على الرغم من نهب الفلاحين، وخفض الأجور، وزيادة ضغط العمل، وملء معسكرات الغولاغ بالعمل القسري.

خلال عام 1937، كان مديرو المصانع يتقاضون 2000 روبل شهرياً، والعمال المهرة بين 200-300 روبل، وبقية العمال الحد الأدنى للأجور 110-115 روبل. كانت الفوارق في الجيش أكثر عمقاً: خلال الحرب العالمية الثانية، كان كبار الضباط يتقاضون 2400 روبل شهرياً، أما الجنود 10 روبل. كانت رواتب مدراء المصانع وكبار الضباط متواضعة مقارنة بأجور كبار موظفي الدولة ضمن الدولة البرجوازية حيث تقاضوا ما يصل إلى 25000 روبل في الشهر- أي أكثر من 200 مرة الحد الأدنى للأجور. لذلك أصبحت البيروقراطية طبقة تتمتع بامتيازات ومصالح مادية واضحة في البقاء موالية لستالين ولنظام رأسمالية الدولة. لذلك ثبت أنها قاسية للغاية بفرض التصنيع الإجباري على المجتمع الذي كان له تكلفة كبيرة للغاية في زيادة المعاناة الإنسانية.

جرى التضحية بالاستهلاك لصالح الاستثمار في الصناعة الثقيلة. وارتفعت نسبة الاستثمارات المخصصة للمصانع والآلات والمواد الخام- على عكس السلع الاستهلاكية- من نسبة 33 بالمئة عامي 1927/8 إلى نسبة 53 بالمئة عام 1932 ونسبة 69 بالمئة عام 1950. والنتيجة كانت نقصاً في المواد الغذائية وتكوّنت الطوابير- رغم ذلك أقل مما كان يمكن أن يحدث، لأن الأجور جرى تخفيضها في الوقت عينه بما نسبته نحو 50 بالمئة على مدى 6 سنوات. حصلت مصادرة للحبوب من الفلاحين لإطعام سكان المدن المتزايدة أعدادهم ودفع ثمن الآلات المستوردة. وبسبب ذلك، عندما انهارت الأسعار في الأسواق العالمية عام 1929، مات ما لا يقل عن ثلاثة ملايين فلاحاً من الجوع. ذلك لم يكن كافياً. أصدرت الدولة مرسوماً “لتجميع الزراعة” (سيطرة الدولة). خسر الملايين من الفلاحين أراضيهم- ووصموا بأنهم كولاك (أي فلاحون أغنياء ينتجون لصالح السوق)- ونقلوا منها. مات الكثير. وانتهى الأمر بالآخرين كعمال مستعبدين في معسكرات الغولاغ، التي توسعت في سهوب سيبيريا الواسعة يديرها جهاز ستالين الأمني. أصبح الـ 30 ألف معتقل عام 1928 مليونين بحلول العام 1931، و5 ملايين عام 1935، وربما أكثر من 10 ملايين بحلول نهاية عقد الـ 1930ات. قتل الملايين على يد الشرطة، وارتفع معدل الإعدام السنوي من 20 ألفاً عام 1930 إلى 350 ألفاً عام 1937. عكس حجم هذا الإرهاب مدى التخلف بروسيا، ووتيرة التراكم المالي في رأسمالية الدولة، وفضلاً عن مستويات الاستغلال اللازمة لتحقيق ذلك. وكان لا بد من سحق الطبقة العاملة والأقليات القومية وإخضاع الجميع. (10)

لم يقتصر الضرر على روسيا. جرى التخلي عن المحتوى الثوري للماركسية ولكن جرى الاحتفاظ لفظياً بها وإعادة تقديمها بصيغة تبرر سياسات البيروقراطية الروسية. أصبح الكومنترن- الأممية الشيوعية- وسيلة لفرض أيديولوجية وسياسات الدولة الروسية على الأحزاب الشيوعية الأجنبية. عام 1927، بعد أن تخلى ستالين عن الثورة الأممية لصالح “الاشتراكية في دولة واحدة”، حاول كسر عزلة روسيا من خلال البحث عن حلفاء محترمين له في الخارج. لذلك أمر الحزب الشيوعي الصيني بالخضوع لصالح تشانغ كاي شيك ونزع سلاح الطبقة العاملة في شنغهاي. فكانت النتيجة مجزرة مروعة شنتها الثورة المضادة. في السنة التالية، تحولت السياسة فجأة إلى تبني العصبوية والمغامرة. ففي “الفترة الثالثة” الكارثية للكومنترن، أعلن ستالين تقدماً ثورياً جديداً، بحث كان على الشيوعيين قطع كل العلاقات مع الاشتراكيين الديمقراطيين والاستعداد للاستيلاء القريب على السلطة.

وهذا ما عكس (وساعد على تبرير) السياسة داخل روسيا. جرى تقديم الهجوم على الكولاك أنه هجوم على الرأسمالية الخاصة (وهذا صحيح) وأن ذلك يشكل تقدماً أساسياً باتجاه “الاشتراكية” (لم يكن كذلك). الانعطافة اليسارية المتطرفة للفترة الثالثة خلقت انقساماً كبيراً ضمن الحركة العمالية الألمانية الأمر الذي سمح بتولي هتلر السلطة عام 1933.

لكن النازيين هددوا بعودة الامبريالية الألمانية العدائية، وبدأ ستالين بالبحث عن حلفاء أوروبيين. لذلك تحولت الكومنترن إلى مجرد تعبير عن جنون يساري متطرف اسمه “الجبهة الشعبية”، الآن على الشيوعيين التحالف مع البرجوازية الليبرالية، ووقف تقدم الطبقة العاملة استرضاء للحلفاء المحتملين للدولة الروسية.

وهكذا، وبدلاً من الدعاية لصالح الثورة الأممية، بات الكومنترن الستاليني، بحلول منتصف الـ 1930ات معادياً للثورة. وكان من نتائج ذلك حصول كارثة كبيرة عام 1937 إلى جانب كارثتي 1927 و1933، عندما قاد الحزب الشيوعي الاسباني، بأمر من موسكو، حملة لقمع تمرد الطبقة العاملة في كاتالونيا، وضرب رأس الحركة الثورية بأكملها داخل الجمهورية الاسبانية وعرقلة النضال ضد فاشية فرانكو. فدفع العمال الاسبان الثمن باهظاً: 40 سنة من الديكتاتورية اليمينية المتطرفة.

مع انتصار ستالين في روسيا عام 1928 وهتلر في ألمانيا عام 1933 عمت الظلمة الرهيبة على أوروبا. أصبحت القارة مكاناً لانتشار الديكتاتورية والاضطهاد والعسكرة. لاحقاً ستنفجر الحرب- التي هي أفظع حرب في التاريخ- مات فيها حوالي 60 مليوناً، معظمهم عن طريق حملات إبادة جماعية وتطهير عرقي. كانت الفظائع التي شهدتها ستالينغراد وأوشفيتز والغولاغ ثمرة مريرة للهزيمة الثورية وانتصار الثورة المضادة وعالم الجنون. لقد كانت [الفظائع] بمثابة التأكيد التاريخي على التنبؤ المخيف الذي توقعته قبل وقت طويل الثورية الألمانية البولندية روزا لوكسمبورغ بأن البشرية تواجه خياراً بين الاشتراكية أو الهمجية. وما زلنا نواجهها حتى اليوم.

الهوامش:

1. Haynes 2002, 64.

2. Haynes 2002, 53–5.

3. Haynes 2002, 60.

4. Haynes 2002, 64–5.

5. Cliff 1979, 201–16.

6. Haynes 2002, 67–8.

7. Haynes 2002, 68–9.

8. Haynes 2002, 67–72.

9. Faulkner 2013, 231.

10. Faulkner 2013, 229–32; الدراسة الكلاسيكية حول هذه السيرورة هي كتاب توني كليف رأسمالية الدولة في روسيا، أحد أهم الكتب في التحليل الماركسي الحديث.

المراجع:

Cliff, T., 1979, Lenin, Vol. 4: The Bolsheviks and World Revolution, London, Pluto.

Faulkner, N., 2013, A Marxist History of the World: From Neanderthals to Neoliberals, London, Pluto.

Haynes, M., 2002, Russia: Class and Power, 1917–2000, London, Bookmarks.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي