مقارنة بين ألأديان- ألنبي إيليا (إلياس) - 2

كامل علي
2022 / 1 / 15

مقدمة:
في سلسلة المقالات هذه سنتناول قصة النبي إيليا التوراتي وتسميتها ألسريانية والقرآنية (إلياس) وتطور قصته في ألتقوى ألشعبية ألمسيحية ( ألقديس جاورجيوس أومارجرجس ) وألأسلامية (ألخضر) .
ألنبي إيليا (إلياس) ألقرآني:
لا يرد في القرآن من سيرة إيليا الطويلة التي اوردنا أهم مفاصلها في المقالة السابقة، ومن اعماله ومعجزاته، سوى صراعه مع العبادات البعلية التي كانت سائدة يومها في إسرائيل. وفي هذا السياق يذكر القرآن إسم الإله بعل، وهو الإله الوحيد الذي يرد ذكره في الكتاب من غير آلهة الجزيرة العربية، مثل ود وسواع ويغوث ونسر واللات والعزى ومناة. نقرأ في سورة الصافات عن تنديد إيليا، أو إلياس كما يدعوه القرآن، بقومه لإنصرافهم عن عبادة الله إلى عبادة ألبعل ما يأتي:
" وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (130) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) " .......سورة الصافات: 123- 132. ( إل ياسين الواردة في الآية 130: هي صيغة أخرى للإسم إلياس).
وقدعرف عرب الجاهلية شكلا من أشكال البعل متمثلا في الإله "هُبل" الذي جيء بصنمه من بلاد الشام ونصب في الكعبة، على ما يورد المؤلف العربي أبن الكلبي في كتابه "ألأصنام". ووجه الصلة بين الإلهين هو أنّ الإسم هبل في بعض اللهجات الشامية في بلاد الشام مؤلف من سابقة التعريف "ه" التي تقوم مقام أل ألتعريف في اللغة العربية، ومن "بل" الذي هو بعل على ما يلفظه التدمريون وأقوام شامية أخرى. وبما أنّ "بل" أو "بعل" هو لقب للإله هدد يعني في اللهجات الكنعانية "ألسيد" أو "ألرب"، فإنّ من جاء بالصنم من بلاد الشام لم يكن يقصد إلى جلب عبادة جديدة وإله جديد إلى مكة، وإنّما إلى جلب صورة لإله الكعبة تحت لقب "هبل / هبعل"، أي الرب.

إيليا في التقوى الشعبية:
من عجيب المفارقات أنّ النبي إيليا الذي قضى حياته في صراع مع العبادات البعلية، قد تحول هو نفسه إلى شخصية بعلية في التقوى المسيحية الشعبية، يؤدي دور إله الخصب السوري القديم بعل لدى الشرائح الفلاحية في بلاد الشام وبعض الأقطار المتوسطية الأخرى. فهذه الشرائح ألتي بتحولها إلى المسيحية في القرون الميلادية الأولى، قد فقدت شفيعها الزراعي الذي يهبها المطر وخصب الارض والماشية، وجدت في شخصية إلياس الذي صعد من عالم البشر إلى العالم القدسي، بديلا عن الإله بعل وأقرانه من الآلهة المتحكمة بمظاهر الطبيعة، ودعته بمار إلياس، أي القديس إلياس.
وقد رأت التقوى الشعبية عددا من نقاط التشابه بين الإله بعل ومار إلياس. فالإله بعل كان متحكما بالمياه بعد إخضاعه لإله البحر والأنهار المدعو بالكنعانية " يم "، وكذلك إلياس التي تظهر سلطته على المياه من خلال فلقه لمياه نهر الاردن. وبعل كان متحكما بالمطر يرسله حين يشاء ويمنعه حين يشاء، وكذلك إلياس الذي كان بدعائه يرسل المطر أو يمنعه. ومسكن بعل كان في أعالي جبل صفون أو ألأقرع كما يدعى اليوم، وكانت مقاماته الدينية تتموضع على الجبال وقمم المرتفعات، وكذلك إلياس الذي كان مكانه المفضل جبل الكرمل وعليه ذبح أنبياء بعل، والذي كان يلجأ إلى اماكن آمنة في أعالي الجبال، وقد كلمه الرب وهو على جبل حوريب في سيناء مثلما كلم موسى من قبل.
وبعل كان يُسمِع صوته للأنام هادرا من خلال الرعد، ويلوح بسلاحه الذي هو البرق، ويضرب خصومه بحربته التي هي الصاعقة، وكذلك مار إلياس الذي كان يجلب نارا من السماء، هي الصاعقة ولاشك لتدمير خصومه، ومركبته النارية التي تجرها خيول من نار، هي التي تُحدث الرعد والبرق لدى إحتكاك حوافر جيادها بصخور أعالي الجبال..
بهذه الطريقة حافظت التقوى الشعبية على شفيعها الزراعي القديم، والشخصية الماورائية الأقرب لهمومها المعاشية. وعندما تحول معظم سكان سورية المسيحيين إلى الإسلام، حملت الشرائح الفلاحية معها شفيعها الزراعي وألبسته لبوسا إسلاميا تحت إسم ألخَضِر، على وزن نَضِر، ويعني الأخضر وسيد الخضرة الزراعية. وقد جرت المطابقة بين هذه الشخصية وشخصية العبد الصالح الذي رافق موسى في رحلته إلى مجمع البحرين، وفاقه علما ومعرفة ( سورة الكهف: 60-82 ) على الرغم أنّ القرآن لم يذكر أسم ذلك العبد ألصالح.
ولكي يمنح الخيال الشعبي لهذا الولي الإسلامي نعمة الخلود التي تمتع بها إلياس، فقد دبج المؤلفون الإسلاميون قصة مفادها أنّ الخضر قد رافق الملك الجبار ذو القرنين في رحلته للبحث عن نبع الحياة الذي يهب الخلود لمن يشرب منه،وبعد وصولهم إلى مغرب الشمس وبعد مسيرة يوم وليلة أصاب الخضر نبع الحياة فشرب منه، وأخطأه ذو القرنين.
الفلاحون في فلسطين كانوا حتى وقت قريب يستنزلون المطر بالدعاء للخضر ويدعونه بالإسم التبادلي مارإلياس. وفي تركيا العثمانية كان الإسم الشائع للخضر هو خظرلياس، الذي يجمع بين إسم الخضر وإسم إلياس، وهناك إعتقاد شائع بين الأتراك بأنّ خظرلياس يهرع لنجدة الإنسان أو ألناس في الملمات عندما يستغيثون به حتى أنّهم كانوا يكتبون أسمه على سيارات الإسعاف.
أثناء الحروب الصليبية والتبادل الثقافي الذي حصل بين الثقافة العربية والثقافة الاوربية، ظهرت إلى الوجود شخصية بعلية جديدة تجمع الخضر ومار إلياس إلى نموذج فرنسي هو القديس جاورجيوس، أو مار جرجس كما يدعى في بلاد الشام. وقد نُسجت لهذا القديس سيرة حياة تقول بأنّه كان بطلا من أبطال الإيمان المسيحي، عاش في مدينة اللد بفلسطين في القرن الثالث الميلادي، وأنّه أنقذ أبنة الملك التي أعتنقت المسيحية من تنين هائل صرعه بحربته. وبهذه الطريقة تم إبتعاث الأسطورة السورية القديمة عن صراع بعل مع التنين لويتان وقتله، وتم الجمع ايضا بين القديسين الزراعيين الثلاثة، وراح المزارعون السوريون يقصدون المقامات المكرسة لهذه الشخصيات الثلاثة على أنّها شخصية واحدة.
والأسم جاورجيوس في اليونانية يعني الفلاح. وهو يدعى في الأقطار الأوربية بجورج الأخضر، وذلك كناية عن علاقته بالزراعة. والفلاحون الاوربيون يحتفلون بعيده في 23 نيسان بأعتباره إحتفالا بقدوم الربيع.
ألأساطير التي ذكرناها في سلسلة المقالات هذه حول القديسين الزراعيين الثلاثة (بعل وإلياس والخضر) لها مثيلاتها في أساطير ألخصب ألسومرية والبابلية والتي ظهرت بعد إكتشاف ألإنسان الزراعة وإنشاء القرى الزراعية والإستقرار في ألمدن الرافدينية، كالأساطير المتعلقة بشخصيات مثل إنانا وعشتار ودوموزي.

مصادر ألبحث:
- أساطير ألأولين ..... فراس ألسواح

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي