شهادة المنشأ في ضوء تعليمات تنفيذ العقود الحكومية

محمد صباح علي
2022 / 1 / 15

شهادة المنشأ هي وثيقة أو أقرار رسمي صادر من جهة مختصة لها سلطة وصلاحية الرقابة والتأييد على تصدير واستيراد السلع والبضائع بين البلدان العربية والأجنبية، وهي أيضا بمثابة شهادة ميلاد للبضاعة من حيث محتواها الفني والنوعي يوثق معلومات الوثيقة الصادرة من قبل السلطة المختصة بإصدارها؛ تؤيد مطابقة صنع السلعة وسلامة المعلومات الواردة فيها.
ويخضع التعامل بشهادة المنشأ بين الدول العربية والأجنبية وفق سياقات دولية معتمدة بينها تترجم باتفاقيات اقتصادية وتجارية دولية؛ تنشئ مورد مالي بين هذه الدول أو الإعفاء منها حسب مبدأ المعاملة بالمثل أو ما تراه هذه الدول مناسبا، ودرج التعامل بهذه الوثيقة على أثر قرار إصدار الكونغرس الأمريكي عام 1974 نظاماً يهدف إلى دعم النمو الاقتصادي في البلدان النامية والفقيرة وبذلك ألغى الرسوم عن الكثير من البضائع المستوردة من حوالي 100 دولة
وتم انتقالها إلى القوانين الداخلية للدول وأصبحت من ضمن الشروط المطلوب استيفائها من قبل المتعاقد الذي يقبل على أبرام مناقصة او توقيع عقد مع دوائر الدولة أو غيرها لتوريد سلع استيرادية مطلوبة من منشأ معين فيجب عليه تقديم هذه الوثيقة التي تؤيد مطابقة السلعة لمنشأ الصنع.
كما وتحدد هذه الشهادة لجهات الكشف الكمركي المبلغ المالي الواجب استحصالة كضريبة على هذه السلعة خلال عملية الاستيراد والتصدير، والسماح بالدخول أو الحظر على حركة هذه السلع التي تؤشر من الجهات بموجب قوائم تسمح بالاستيراد أو المنع لدواعي المصلحة العامة.
بل أن لاعتماد هذه الشهادة أمور غير مالية فهي توضح للدولة ما إذا كانت هذه الشهادة تحمل منشأ لسعلة دولة محظور دخولها أو عدم الترحيب بهذه الدولة بالتداول ودخول سلعتها في أراضيها، أو كانت الشركة المصنعة محظورة من التصنيع أو أنها قد أنهت نشاطها في مجال أنتاج نوع أو أنواع معينة من هذه السلع، ولا تخرج المطالبة بشهادة المنشأ عن أمرين احدهما مالي من خلال الرسوم التي تستحصل عليها الدولة من خلال سفاراتها وقنصلياتها المطلوب التصديق على صحة معلومات هذه الشهادة، والتي يمكن الإعفاء منها استنادا لمبدأ المعاملة بالمثل الذي ألتزم به العراق وفق التعديل الأول بالقانون رقم 16 لسنة 2015 لقانون رقم 52 لسنة 1970 بشأن تصديق التواقيع على المستندات والوثائق العراقية والأجنبية(فيتم تصديق الوثائق الصادرة من أحد الدول الأعضاء في السوق العربية المشتركة (أصبحت فيما بعد منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى) والمصادق عليها من المرجع الرسمي في بلد المنشأ للسلع المنتجة في الدول العربية (دون استيفاء رسم التصديق) عملًا بقرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية المرقم 1506 في 19/2/2004 وموافقة مجلس الوزراء / لجنة الشؤون الاقتصادية بكتابها المرقم 1320 في 26/2/2007 والقاضي بإلغاء رسوم التصديق على شهادات المنشأ والقوائم التجارية المصاحبة لها مع احتفاظ حق العراق بالمعاملة بالمثل)، والأمر الثاني يكون بمثابة شرط شكلي يجب استيفائه وفقا لمتطلبات الشكلية الملزمة في القرارات الإدارية. فالثابت في الواقع العملي ليس كل شهادة منشأ تمثل جودة السلعة فباتت غالبية الشركات المصنعة هي في غير بلدان المنشأ أو أن تكون المواد الأولية في دولة والتصنيع في دولة أخرى أو أن تشترك دولتين أو أكثر بموجب عقود مستحدثة في صناعة سلعة واحدة. وهذا ما يجعل هذه الشهادة رمزية تنظيمية أكثر منها فنية وفعلية ونتاج تطور تجاري وصناعي أساسه تجزأ الشركات الكبرى وانشطارها ودخولها ضمن شركات غير معروفة والتجاوز على حقوق الملكية الصناعية وعدم محاربة ومواجهة التقليد والغش الصناعي بسبب خلق أكثر من قطب تجاري لضعف الشركات الرصينة وما شهادة المنشأ إلا نتاج هذه الأفكار الاقتصادية الحديثة.
وفي العراق اشترطت تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (2) لسنة 2014 في الضوابط رقم (1) وفي الفقرتين (ي و ك) من البند ثالثا وضمن (تعليمات لمقدمي العطاءات في وثائق المناقصة من وزارة التخطيط)، حيث نصت الفقرة (ي) على ( قيام جهة التعاقد بتحديد منشئ أو مناشئ السلع والمواد المراد تجهيزها مع أمكانية الإشارة إلى الدول المعروفة بتصنيعها). بينما نصت الفقرة (ك) على ( تقديم شهادة المنشأ للمواد المستوردة لصالح جهات التعاقد مصدقة من الجهات العراقية المختصة في بلد المنشأ). والسؤال الذي يطرح بناءً على الفقرتين أنفا: ما هو الأثر الملزم للتحديد ووقت قبول الشهادة على ضوء الفقرتين أعلاه؟. بإمعان النظر على ما ورد بالفقرتين يتبين من الفقرة الأولى شرط التحديد لبلد الصنع أي المنشأ دون المطالبة بتقديم وثيقة تؤيد بلد الصنع والذي يعرف بالمعنى الدارج بالمواصفة الفنية التي تضعها جهة التعاقد و تتلائم مع طبيعة وظروف السلعة في العمل المناسب لها لغرض شرائها بحسب المشهور من الدول في هذه الصناعة كالبلد الأم المحتكر لها أو ما يسمى تجميع هذه السلعة وصناعتها في بلد أخر فالمطلوب الإشارة الحد الأدنى من المواصفات الفنية التي يمتاز بها بلد الصناعة الرئيسي والمشهور بإنتاجها، ويعمل هنا بارتباط السلعة بالجودة وليس بالشهادة أو الوثيقة التي تكون عرضة للتلاعب والتغيير مع عدم الإشارة إلى تحديد مكان أنتاج السلعة محلية أم أجنبية التي بعد ظهور المناطق الصناعية والتجارية والفروع المعتمدة للوكالات الحاملة لشعارات الصناعة الوهمية. إما الفقرة الأخيرة التي تشير صراحة إلى ربط السلعة بالشهادة فهو لا ينص على الجدوى وتحقيق المعيار الفني الرصين بل ينص على ألزام التصديق الذي يكون لقاء مبلغ مالي دون أن يشير إلى وقت التسليم والإجراء المتبع لتنظيمه، ونرى بأنه يمكن تقديم هذه الشهادة أثناء فترة توقيع العقد أو بعدها مع أخذ تعهد على المتعاقد بتقديمها قبل الاستلام الأولي لان الاعتماد الكلي سيكون على شهادة المنشأ وبياناتها والتي يتعذر على لجنة الاستلام الأولي مطابقة السلع المجهزة مع مواصفاتها دون ورود هذه الشهادة.
ولدى الوقوف على الجانب العملي لجهات التعاقد يلاحظ كثرة المشكلات العملية وتكرار الملاحظات الرقابية وتشكيل اللجان التحقيقية واستنزاف الوقت والجهد والتفرغ على حساب مصلحة العمل للتأكد من وقت استلام هذه الوثيقة وليس لمعيار الوقت أي دور أو ارتباط بجودة السعلة والشهادة وفقا للفقرتين انفا لسبب أن معيار الوقت غير مرتبط بجودة السعلة ومدى تحقيقها وشرائها للغاية المطلوبة والدليل على ذلك تعفى الشركات العامة المذكورة في الدليل السنوي من تقديم شهادة منشأ بالرغم من أنها ليس بالجهة المصنعة وتكون السعلة المشتراة قليلة الجدوى فنيا ومن خارج الحدود ولكن لدواعي سياسية تم إعفائها من هذا الشرط، وكان الأولى بذلك تقييم السعلة على مدى كفاءتها في العمل من خلال (الضمان والعمل ما بعد انتهاء فترة الضمان) -لتحديد حقيقة منشأ الشركات الرصينة واعتمادها دون الاكتفاء بالوثيقة وحدها- وليس بوقت استلام الشهادة وتقديمها الذي يكون قابلا لتغيير بياناته كونها شهادة تقدم باليد ولم يتم اعتمادها وفق الإجراءات الحديثة في المنصة الالكترونية. وما لهذه الإجراءات إلا تفسير واحد وهو الاحتكار ومحاربة مبدأ المنافسة بالاقتصار على عدد معين من الشركات في الدخول فيها من خلال تشديد هذه الشروط لصالح شركات معينة، ورأينا ليس ضد شهادة المنشأ بل يتفق مع خصوصية ونوعية السلعة المطلوبة وتقنيتها الفنية وليس على أساس مبلغها المالي لتعارض ذلك مع مبدأ عدم قبول أوطأ العطاءات ومصداق ذلك ما ورد بضوابط رقم (13) الخاصة بتصديق شهادة المنشأ الصادرة عن وزارة التخطيط حيث بينت الأتي:
أولا:- يقصد بالمصطلحات الآتية المعاني المبينة إزاءها
1- شهادة المنشأ:- هي وثيقة تعد من قبل الشركة المنتجة أو المصنعة للبضاعة وتصدق من غرفة تجارة بلد المنشأ او اية جهة مخولة قانونا لإثبات حقيقة منشأ السلعة التي تتضمنها الوثيقة تكون السلعة من أنتاج او صنع بلد واحد او ان يكون قد اشترك في إنتاجها أكثر من بلد وفي هذه الحالة يتم اعتماد البلد الذي جرت فيه آخر عملية تحويل جوهري على السلعة ( التجميع وتدرج
في الشهادة المعلومات الضرورية عن البضاعة (نوع البضاعة، الشركة المنتجة، مكان الإنتاج، الشركة المصدرة، الجهة المستفيدة، واسطة الشحن) وتتضح فائدتها في حماية المستهلك من الغش التجاري والتقليد. (فهذه البيانات بالإمكان تأييدها والحصول عليها من ميناء الوصول من خلال الكشف الكمركي العياني على البضاعة أو بشهادة فاحص ثالث أو أجهزة السيطرة المتواجدة في المنافذ الحدودية).
ثامنا: تسري الضوابط أعلاه على العقود التي يتجاوز مبلغها (۱۰۰,۰۰۰,۰۰۰) مائة مليون دينار أما المواد التي يتم شراؤها عن طريق لجان المشتريات والتي يكون مبلغها (۱۰۰,۰۰۰,۰۰۰) مائة مليون او أقل فلا تخضع لأحكام الضوابط أعلاه.
وبملاحظة الفقرات يصدق قولنا تجاه التداخل المالي والإداري لشهادة المنشأ على حساب المعيار الفني المهم للمصلحة العامة. وختاما نأمل من وزارة التخطيط إعادة النظر بذلك وتقديم الاعتبارات والإشكالات العملية التي تواجه القطاع العام على الاعتبارات والاتفاقيات الدولية أو ان تعمل بمبدأ التناسب مع أهمية السلعة ومبلغها لأن هذا التشابك في الضوابط وعدم الفهم في التطبيق القائم على حسن النية يدفع ثمنه الموظف العام والذي يتحمل عبئ هذه الضوابط والتعليمات المعدة من الوزارة الأخيرة لغير متطلبات الواقع مما يستلزم التوحيد أو الإلغاء أو المركزية في الأجراء.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي