الوعي الثوري يخلق أساليب جديدة للنضال ويعمق تأثيرها بين الجماهير

خليل اندراوس
2022 / 1 / 15


على الماركسيين في عصرنا الحالي، وخاصة الذين يحبون الاستشهاد بماركس مستمدين منه فقط أحكامه على الماضي، أن يتعلموا ويستفيدوا ويجددوا من خلال معرفتهم التطورات الحاصلة في مجتمعنا الحاضر، ومن خلال الفهم الثوري الملتزم للماركسية، أن يعرفوا وسائل وطرق صنع المستقبل، عندها فقط تستطيع الأحزاب الاشتراكية والشيوعية أن تضع أمام الطبقة العاملة امكانيات إحداث التغيير الثوري في المجتمع، وان هذه الطبقة التي تكون الغالبية في المجتمع الرأسمالي تستطيع وقادرة على "مهاجمة السماء" كما قال ماركس. وكان يعني بأن النضال الطبقي لا يمكن أن يلقى النجاح دائمًا، فقد يحدث الفشل ويتكرر، ولكن على القوة الثورية أن تجدد المحاولة دائمًا لكي تستطيع أن تصنع التاريخ.


وهذا ما ذكره في البيان الشيوعي حيث ذكر بأن تجربة بناء الاشتراكية قد تفشل مرة أو أكثر ولكن تنتصر في النهاية، ولذلك فشل بناء الاشتراكية في روسيا يجب أن لا يدفع بالماركسي الحقيقي على ترك سلاحه الفكري بل أن يطوره بما يتلاءم ومستجدات الحاضر على مستوى عالمي ومحلي. فتفاوت التطور الرأسمالي بين هذه الدول أو تلك، بين هذا المجتمع أو ذاك، يفرض على الأحزاب الثورية أن تتبع تكتيكا واستراتيجية يتلاءمان مع التطور الخاص لهذا المجتمع ولكن يتوافق مع التطور العام للإنسانية، كتب ماركس يقول: "قد يكون من السهل جدا صنع تاريخ العالم لو كان النضال لا يقوم الا ضمن ظروف تؤدي حتما إلى النجاح".


ففي عصرنا الحاضر، حيث يسيطر الاعلام الغربي، الرأسمالي، هناك ممارسة مدروسة، تهدف إلى وضع نهاية للإعلام الحر الثوري التقدمي.
من هذا المنطلق مهم جدا الحفاظ على الوعي والفكر والاعلام الحر الثوري التقدمي من خلال استغلال التطور العام لتكنولوجيا الاتصال ومن خلال المحافظة على الفكر الماركسي، وربطه بمستجدات التطور الانساني، ومن خلال ممارسة النشاط السياسي الطبقي المثابر في ظل فهم العلاقة القائمة بين الدمقراطية بوجه عام والرأسمالية.
الظروف التي يستحيل فيها على الطبقات المظلومة أن "تحقق" حقوقها الدمقراطية هي في ظل الرأسمالية ظروف عادية لا حالات منفردة، بل تظاهرة نموذجية.



ولكن الماركسي الحقيقي في هذه الظروف عليه أن لا يقول اذًا لا داعي إلى الديمقراطية أو لا داعي إلى المجتمع المدني العَلماني أو إلى الجمهورية.
هذا الموقف خاطئ فالماركسي الحقيقي يعرف بأن الديمقراطية لا تقضي على الاضطهاد الطبقي، ولا تفعل غير أن تجعل النضال الطبقي أكثر اتساعا وسفورا وحدّة، وهذا بالذات ما نريده، وبقدر ما يكون نظام الدولة، أي دولة، اوفر دمقراطية بقدر ما يتضح للعامل ان أصل الشر هو الرأسمالية وليس الحرمان من الحقوق. وبقدر ما تكون المساواة في الحقوق بين القوميات أتم واكمل (ولن تكون كاملة بدون حرية الانفصال وتقرير المصير)، وبقدر ما يتضح للعمال من ابناء الأمة المظلومة ان السبب يكمن في الرأسمالية وليس في الحرمان من الحقوق.
بقدر ما تكون حرية الطلاق أتم واكمل، بقدر ما يتضح للمرأة ان مصدر "عبوديتها البيتية" هو الرأسمالية وليس الحرمان من الحقوق وهكذا دواليك.
من هنا فالنضال المرحلي للقوى الدمقراطية الثورية في العالم العربي يجب ان يتركز، حول ترسيخ القيم الدمقراطية العَلمانية ومحاربة كل المفاهيم السلفية الرجعية من خلال فصل الدين عن الدولة، لأن على الماركسي ان يقتنع بان هذه الردة الدينية الحاصلة في المجتمع العربي هي موجة عابرة تعكس الظروف الصعبة والاضطهاد الذي يعيشه الانسان العربي.


فكما كتب ماركس "ان التشدد الديني هو من ناحية تعبير عن تشدد حقيقي موجود في الحياة وهو من جهة أخرى احتجاج على هذا التشدد. انه تنفس المخلوق المضطهد، هو روح عالم بلا قلب واحساس بالأوضاع الاجتماعية القاسية التي لا تمتلك أي احساس".
من هنا دور الماركسي، النضال من أجل تحقيق جميع الحقوق الديمقراطية وحتى لو كانت نسبية في ظل النظام الرأسمالي وتربية الجماهير الواسعة وتجنيدها بروح هذا النضال.

كتب لينين يقول "لنبدأ من البداية، ما هي المقتضيات الأساسية التي يترتب على كل ماركسي أن يبديها أثناء البحث في مسألة أشكال النضال؟


أولاً، إن الماركسية تختلف عن جميع الأشكال البدائية للاشتراكية، لأنها لا تربط الحركة بشكل وحيد محدد من أشكال النضال. انها تقبل بأكثر أشكال النضال تنوعا، ولا "تخترعها" بل تقتصر على تعميم أشكال نضال الطبقات الثوري، الأشكال التي تنبثق بصورة عضوية في مجرى الحركة بالذات، على تنظيم هذه الأشكال، على بث الوعي فيها. إن الماركسية التي تعادي إطلاقا جميع الصيغ المجردة وجميع وصفات المذهبين الجامدين تتطلب النظر بانتباه إلى النضال الجماهيري الجاري الذي يولد بلا انقطاع أساليب جديدة للدفاع والهجوم تزداد تنوعا يوما بعد يوم، وذلك بقدر ما تتطور الحركة ويتقدم وعي الجماهير وتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية. ولهذا لا تنبذ الماركسية سلفا، وبصورة مطلقة، أي شكل من أشكال النضال. وهي لا تقتصر في أي حال من الأحوال على أشكال النضال الممكنة والقائمة في فترة معينة، وهي تقر بأن التغير في الأوضاع الاجتماعية يؤدي حتما إلى ظهور أشكال جديدة للنضال لا يعرفها مناضلو الفترة المعنية. ومن هذه الناحية، تتعلم الماركسية، إذا جاز القول، في مدرسة الجماهير العملية، وهي أبعد من أن تدعي تعليم الجماهير أشكال نضال يخترعها "صانعو المناهج" في زوايا مكاتبهم".


ثانيًا، إن الماركسية تقتضي إطلاقا البحث في مسألة أشكال النضال من الناحية التاريخية. إن وضع هذه المسألة، أي أشكال النضال خارج الظروف التاريخية الملموسة يعني جهل ألف باء المادية الديالكتيكية. ففي مختلف فترات التطور الاقتصادي، وتبعا لمختلف الظروف السياسية والقومية والثقافية والمعيشية الخ، تحتل مختلف أشكال النضال المرتبة الأولى، وتغدو أشكالا رئيسية للنضال، وتبعا لذلك تتغير بدورها أشكال النضال الثانوية، التابعة. فإذا حاولنا الإجابة بنعم أولاً بصدد وسيلة محددة للنضال دون أن نبحث بالتفصيل الظروف الملموسة للحركة المعنية، عند درجة التطور التي بلغتها هذه الحركة، فهذا يعني أننا تركنا تماما الميدان الماركسي (لينين- المجلد 14 ص1-6) من هنا فالماركسية تؤكد بأن النضال الثوري لا يتحدد بشكل وحيد من أشكال النضال. وتقبل بأشكال مختلفة من النضال الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والطبقي والقومي، وأشكال النضال هذه، تنبثق من خلال الحركة الجماهيرية والنضال الجماهيري، وعلى الحزب الثوري أن يعمل على تنظيم أشكال النضال هذه، من خلال العمل بين الجماهير وبث الوعي الثوري لدى الجماهير الواسعة والتي بدورها أي الجماهير من خلال الحركة تخلق أساليب جديدة للنضال وتعمق وعيها النضالي، وبالإضافة إلى ذلك تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تخلق لدى الجماهير أشكالا جديدة للنضال. فالماركسية كفلسفة ليست جامدة والماركسي الحقيقي يتعلم في مدرسة الجماهير العملية".
فأشد ما كان ينتقده ماركس وإنجلز تحويل الماركسية إلى عقيدة جامدة، "مبدأ قويم صلب" (STARE)، وتحويل الماركسية إلى "قانون إيمان لا مرشد للعمل"
(من رسالة إنجلز إلى زوغة بتاريخ 29 تشرين الثاني 1886).
وقد هتف إنجلز في رسالته المؤرخة بتاريخ 27 كانون الثاني/ يناير 1887 قائلاً: (ماذا كان حل بنا الآن لو أننا أصررنا، من 1864 إلى 1873، على ألا نسير يدا بيد إلا مع الذين يتبنون برنامجنا علنا؟


من هنا فالماركسية هي مرشد للعمل النضالي الثوري بأشكالها المختلفة وأشكال النضال المختلفة والتي تجددها الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية مترابطة ببعضها، بشكل جدلي، وتبعا لهذه الأوضاع تختلف أولويات أشكل النضال. فعندما تكون القضية القومية بعيدة عن الحل، لا بل هناك واقع مأساوي، شعب يحتل شعب آخر، لا بل ينفي حتى وجوده التاريخي وحقوقه على أرض وطنه، ويمنع عنه ليس فقط حق تقرير المصير لا بل يهدد وجوده وكيانه مثل ما تقوم به إسرائيل كدولة محتلة، والتي لا تعترف بمسؤوليتها عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني فيصبح النضال القومي من أولويات النضال الثوري ليس فقط للشعب الفلسطيني بل أيضا لكل من تخلى عن الفكر الصهيوني العنصري من الطبقة العاملة في الشعب الإسرائيلي وهم حتى الآن أقلية مطلقة، ومع ذلك من واجب الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي يمارس النضال اليهودي الفلسطيني المشترك، رابطا بشكل جدلي شكلي النضال الطبقي والقومي وأن يعمق نشاطه، وعمله وعلاقته ونضاله الأممي المشترك أيضاً بين الطبقة العاملة للشعب المضطهد أي الإسرائيلي، ومع كل من يستطيع أن يسير مع الحزب ولو خطوة واحدة لتخليصه من براثن الفكر الصهيوني العنصري الرجعي اليميني أو كل من يناضل إلى جانب الحزب في أي قضية سياسية أو اجتماعية أو قومية أو ضد الاحتلال حتى ولو اختلف معنا أيديولوجيا ولم يتبنّ برنامجنا من أجل حل المسألة القومية على أساس السلام العادل والدائم وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. فحل المسألة القومية ولو حلاً مرحليًا، لأن المسألة القومية بشكل عام لا يمكن أن تحل حلاً عادلاً من خلال التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية، ومن خلال مجتمع طبقي، فكل هذه الحلول المطروحة فقط تؤدي إلى تخفيف حدة المواجهة بين كلا الشعبين وتفتح المجال لشكل النضال الطبقي ليحتل المرتبة الأولى بين كل أشكال النضال الأخرى، وهذا ما يخدم القضية العامة البروليتارية الوطنية والعالمية ويفسح المجال لتجنيد الجماهير الواسع من أجل إحداث الثورة الاجتماعية في إسرائيل والمنطقة في المستقبل. ويخدم مصالح الطبقة العاملة عالميا كافة ضد العولمة المستوحشة لرأس المال وأصولية السوق الحرة في رأس المال.



المراجع:
1. بصدد الكاريكاتور عن الماركسية وبصدد "الاقتصادية الامبريالية"- لينين.
2. ضد التحريفية دفاعا عن الماركسية- لينين.
3. ما هي العولمة- اولريش بك.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي