امرأة من ايران

شريف حتاتة
2022 / 1 / 14


كان ذلك منذ شهرين .. فى حى " كوفنت جاردن " الشهير فى لندن .. خرجنا من المركز الأقريقى بعد العرض ، وجلسنا فى مقهى صغير .. ضوء المصابيح يلمع فى قدح القهوة الداكنة ، وفى عينيها . فى السائل الأسمر ، وفى الصفاء العسلى ، قطع السكر بيضاء فى السكرية ، وصوتها يرن فى أذنى رغم الضجيج المستمر ... قالت :
" اجتزت سن الثلاثين جينما جاءت الثورة الإيرانية . تجربتى فى المسرح كانت قد نضجت ، فصرت ابحث عن أدوار جديدة .. عن شخصيات نسائية تقاوم القهر ، وتنتصر عليه .. عن نساء كانت لديهن إرادة الحرية خلال التاريخ . ولكن لم تمر مدة طويلة حتى بدأت المتاعب تحاصرنى .. بعد سبعة شهور بالتحديد .. صحيفة أجرت معى حديثاً .. فقلت أننى قلقة على مستقبل النساء فى بلادى . منذ خمسين سنة كانت المرأة فى إيران ممنوعة من التمثيل وكان الرجال هم الذين يمثلون الأدوار النسائية . قلت أننى اخشى من عودة الماضى إلى المسرح الإيرانى .. فالتقطت المحاكم الثورية هذا الحديث الذى نقلته
مجلة " شتيرن " الألمانية . كان هذا فى مايو سنة 1989 عيد النيروز . كنا أنا وزوجى " بهروز نهنذاد " نذهب كل يوم إلى مسرح باريس فى حى " لالى زار " أحد أحياء طهران الشعبية. دق جرس التليفون فى غرفتى .. صوت بارد يستدعينى إلى مقر المحكمة الثورية . ذهبت وحجزونى لمدة ثلاثة أيام .. استجواب وراء استجواب . كانوا يتناوبون حتى لا أرتاح . طلبوا منى أن أتنازل عن حقى فى الكلام .. عن حقى فى الحديث إلى الصحف ووسائل الإعلام .. لم يكن أمامى خيار فوافقت حتى يطلق سراحى .. أمضيت على صك بالتنازل عن حريتى ..
ومنذ ذلك اليوم وحتى اللحظة التى رحلت فيها عن إيران ، وأنا لى خمسة شهور فى لندن الآن ، ظل الحرس الثورى يطاردنى دون هوادة .. يتتبعنى أفراده فى كل مكان ، ويقتحمون الكواليس الخلفية للمسرح الذى أعمل فيه .. يدخلون فى غرفة خلع الملابس دون استئذان ، ودون أن ينقروا على الباب رغم علمهم انهم قد يفاجئون امرأة وقد تجردت من ملابسها .. يخرجون المناديل من جيوبهم ويمسحون بها على وجوهنا ليتأكدوا أنها خالية من المساحيق التى نستخدمها لتغيير الملامح وفقاً للدور الذى نقوم بتمثيله . يهددوننا بالإعدام على الطريقة الثورية إذا لم نرتد الملابس الإسلامية أثناء التمثيل ...
وحى " لالى زار " حى تقليدى يقطنه عمال وحرفيون متمسكون بتقاليدهم . ومع ذلك قامت بينهم وبين فرقة الممثلين ، علاقات وطيدة فيها دفء وتقدير .. كنت سعيدة بهذه العلاقات .. فمنذ أن كنت فتاة صغيرة وأنا أبحث عن وسيلة للارتباط بمثل هؤلاء الناس العاديين .. وكان هذا يغضب والدى الضابط الكبير فى الجيش سليل الأسرة الأرستقراطية الفارسية القديمة .. لذلك حالت ظروفى الأسرية دون ذلك لمدة طويلة إلى أن تزوجت من " بهروز نهنذاد " فهو من بيئة أكثر شعبية ...
وفى مسرح باريس عشت التجربة التى كنت تواقة إليها .. عشت أجمل لحظات الفن ، والمشاعر الإنسانية .. وجدت نفسى محاطة بمساندة أهل الحى الطيبين ، وحبهم لى .. فازدهر عندى أحسن ما أملكه من قدرات التمثيل . لكن لم تدع هذه التجربة الفنية المفعمة بأحاسيس الانتماء والفن الرفيع طويلا . فبالتدريج أخذت السلطات تحول بينى وبين الظهور على خشبة المسرح ، أو فى الأفلام السينمائية لأصبح ما يسمى " بممنوع الشهرة " فى اللغة الإيرانية الحالية . وكان هذا الأجراء تتويجاً للمطاردة التى كانت قد بدأت منذ استجوابى فى المحكمة الثورية ، وجزءاً من الصراع الذى دار فى الحى بين مسرح باريس ، وبين السلطات القائمة على شئون الجامع الموجود فى مواجهته على الجانب الآخر من الشارع الرئيسى ...
كان زوجى يصحبنى كل يوم إلى المسرح .. اجلس إلى جواره فى السيارة وعندما نصل ألمح أفراد الحرس الثورى أمام الجامع وقد بدت عليهم علامات التحفز الشديد . يراقبون كل تحركاتنا عن كثب ، ويتتبعون سكان الحى وهم يتدفقون حول سيارتنا محاولين الاقتراب منا للشد على أيدينا ، وتبادل بضعة كلمات معنا قبل أن ندلف من باب المسرح إلى الكواليس ..وكان المسرح يحتوى على 850 مقعداً للمشاهدين ، تباع بالكامل فى جميع الحفلات دون أن يبقى حتى مقعد خال . وذلك طوال الفترة التى عملت فيها هناك ، إلى أن اضطررت إلى الرحيل وفى قلبى حزن الفراق . وكنا نقيم حفلة إضافية كل يوم جمعة فى الساعة الثالثة بعد الظهر ، حتى يحضرها المصلون بعد أن يفرغوا من الصلاة ، ومن تناول طعام الغذاء . وفى هذا الحفل أيضاً كانت تباع كل التذاكر دون استثناء ...
لم يكن رجال الدين القائمون على شئون الجامع ، أى الموالى كما نسميهم فى إيران مستريحين لهذه الظاهرة التى بدت آثمة وغريبة . بحثوا عن وسيلة لاجتذاب الجمهور بعيداً عن حفلاتنا .. فاخذوا يدعون بعض القيادات الإسلامية المرموقة للتحدث إلى الناس المتجمعين بعد انتهاء الصلاة .. وأدخلوا فى برنامجهم وجبة غذائية مجانية فيها المأكولات المحببة إلى الإيرانيين .. ولكن هذه المحاولات لم تفلح فى صرف الناس عنا ، وظل الجمهور يتدفق إلى المسرح بحماس شديد .. فالمسرح أداة قوية للوصول إلى الناس ، وإثارة تفكيرهم....
بعد ذلك لجأوا إلى إجراءات أخرى قمعية .. منعوا نشر صور الممثلات على اللوجات الإعلانية .. ثم منعوا حتى ذكر أسمائهن فى وسائل الإعلان عن المسرحية .. ولكن لم يجد كل هذا مع أفراد الفرقة التمثيلية ، ولا مع جمهور المشاهدين . ولكن طوال الشهور المتتالية لم يتوقف أفراد الحرس الثورى عن تهديد الممثلين والممثلات . وفى إحدى الأمسيات اقترب أحد المسئولين فى الحرس الثورى من سيارتنا ونحن نتأهب لمغادرة المسرح وقال لى : " أغا بهروز " ، " تنبهى فالمولى " " حاج اغا " يراقبك عن كثب . وأنا أنصحك كصديق ألا تستمرى فى الصعود فوق خشبة المسرح ، وإلا أصابك ضرر بليغ قد يصل إلى حد الاغتيال ....
ثم جاء اليوم الذى فرضت فيه السلطات الدينية ارتداء الحجاب على كل الممثلات فى المسرح ، والأفلام السينمائية . هكذا وبصرف النظر عن الدور الذى كان موكلا إلينا كنا مجبرات على ارتداء ما أسموه باللباس الإسلامى . سدوا آذانهم إزاء كل الحجج التى قدمناها إليهم ، ضد هذا الأجراء الذى لا علاقة له بالأيمان الحقيقى . فاستخدام الملابس المختلفة ، والمساحيق وسائل ضرورية ، تساعدنا على توصيل ما نريد أن نقوله للجماهير .. ومنذ آلاف السنين والمسرح يلجأ إلى هذه الوسائل ، كأدوات مسرحية لا غنى عنها ....
ولكنهم أبوا أن يفهموا ما حاولنا أن نقنعهم به ، من أجل استمرار هذا الفن المسرحى .. مع ذلك حاولت أن أعمل فى هذه الظروف الشاذة ، أن أغير قليلاً من الحجاب ، المفروض علينا مع الاحتفاظ بجوهر الحجاب ، كأن ارتدى حول رأسى مثلا طرحة كردية تخفى الشعر تماماً ، وعليها بعض الرسومات الملونة لزهور أو عصافير . ولكن الحرس الثورى اقتحم غرفة الملابس ، وأجبرنى على خلع الطرحة وإلا تعرضت لعواقب وخيمة ....
حاولوا قبل رحيلى أن يستدرجونى للعمل فى السينما .. اتصل بى عدد من المسئولين فى وزارة الإعلام والإرشاد القومى الذى حل محل وزارة الثقافة والفنون .. أعطونى دورى وطلبوا منى دراسته باهتمام . عندما قرأته أصابنى إحساس بالامتهان . فأنا فى هذا الفيلم امرأة قروية لديها عدد من الأطفال .. تقف على سطح البيت حاملة طفلها الرضيع .. وفجأة ودون سبب مفهوم ، تنتابها موجة من الغضب الوحشى ، فتلقى بالطفل من أعلى وكأنه لفة من الخرق البالية .... ولكن سرعان ما تعود إلى إحساسها الفطرى ، مدركة بشاعة ما أقدمت عليه ، فتصرخ بشدة بأعلى صوتها " الله أكبر يا خومينى " وفى الحال تمتد يدان كبيرتان من مكان ما ، وتلتقطان الطفل قبل أن يسقط على الأرض ، لتنقذانه قبل أن ليلقى حتفه .
رفضت الدور بإصرار .. فهو دور فيه تضليل يؤكد الخرافات التى طالما عانينا منها .. وهكذا صدر قرارهم بأننى " ممنوع من الشهرة " أى من الظهور فى المسرح ، أو السينما ، أو التليفزيون فأصبح استمرارى فى إيران مستحيلاً.. قدمت طلياً إلى السلطات للحصول على تصريح بالسفر ، ولكنهم صادروا جواز سفرى ، وأبلغونى أننى ممنوعة من الخروج ، فلجأت إلى بعض الأصدقاء الذين ساعدونى على اجتياز الحدود بعد رحلة شاقة ، دامت عدة أيام على ظهور الدواب .. وها انذا اجلس معك على هذه الترابيزة ".
توقفت عن الكلام . الناس من حولنا يضحكون ، ويأكلون ، ويشربون ولكن وجهها هى فيه جمود .. فجأة ابتسمت فغمرنى اشراقها . قالت :
" لابد أن انصرف .. فغدا ستبدأ البروفات فى الصباح الباكر " .
تتبعت قوامها المرفوع يشق طريقه وسط الزحام إلى أن ذاب مع الناس .. وضعت فى جيبى ورقة مطوية صغيرة كتبت عليه اسمها حتى لا أنساه .. ورقدت هذه الورقة فى أحد الأدراج إلى أن أخرجتها لأقرا الأسم المكتوب بالقلم الرصاص " فرازانيه تايدى " .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
-----------------------------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان