خواطر فى سرادق العزاء

شريف حتاتة
2022 / 1 / 9

-------------------------------------
لست من الذين يحرصون على المجاملات ، فلا أسرع للتهنئة عندما يصبح أحد زملائى وزيراً .. ولا احضر الأفراح إلا نادراً .. ولا أذهب إلى سرادقات العزاء .. أنا رجل " برى" ، كما وصفى اللواء عبد الحليم حتاته ، وهو يلقى ناحيتى بنظرة فيها سخرية هادئة ، وذلك الوميض من الذكاء الذى يجذبنى إليه .
أحياناً أندم على عاداتى السيئة عندما يرحل أحد الرجال أو النساء الذين يتمتعون عندى بمكانة خاصة .. لكنى لا أتعظ .. فأنا هارب من جو القتامة فى السرادقات ، والوجوه المتراصة فى جمود فوق المقاعد .. من المجاملات التى لا تنم فى أغلب الأحوال عن صدق الإحساس ، وإنما عن نسيج المصالح .. من ذلك الشعور بالسنين تزحف فى عناد فأرى الشعب عجوزاً أمامى ، رغم أن أكثر من نصف مجتمعنا فى سن الشباب .. اشتاق إلى المرح ، والضحك ، والتفاؤل .. إلى لحظات تعاش بكل ما فينا من طاقة على الاستمتاع والعمل .
فى بعض الأحيان اخضع للضغوط التى تمارسها علينا التقاليد ، والأصول ، وحسن السياسة ، أو يحركنى الفضول ، أو رغبة ملحة فى لقاء المعارف ، والأصدقاء ، ومشاهدة ما طرأ على الذين اعرفهم من تغييرات ، وربما لرغبة آثمة ، فى عقد المقارنات ، ففى السرادقات نشاهد مساراً مركزاً للحياة .
فى ذلك المساء ، كنت أقدم العزاء فى ابن عمى صالح نجيب .. رجل ملىء بالحيوية لا يكف عن العمل والحركة طوال النهار .. فى الصباح الباكر يحضر حلب الأبقار الفريزيان فى الحظائر التى أقامها داخل الدوار ، ثم يمتطى الجرار ويقوده بنفسه إلى الحقول .. كان بينى وبينه ضحك ، وكلام ، وساعات من الوئام وبعض المناوشات .. توفى فجأة وهو جالس أمام التليفزيون يتابع إحدى المسلسلات .
السرادق المقام على شاطىء ترعة " الباجورية " فى " قرية القضابة " ، مزدحم بالناس ، بالجلاليب ، والطقيان ، بوجوه الفلاحين الخشنة السمراء .
جاءت جلستى إلى جوار اللواء .. كان فى يوم ما أحد ضباط المباحث ( القلم السياسى آنذاك ) الذين القوا علىً القبض فى مدينة الإسكندرية خلال شهر يونيو سنة 1948 ، بسبب نشاطى السياسى ضد نظام الملك فاروق ، والباشوات الذين كانوا يحكمون مصر فى ظل الاحتلال البريطانى .. فى هذا الوقت كان يوزباشا ( أى رائداً ) ، ولكنه فيما بعد صعد سلم الترقيات ، ليصبح مساعداً لوزير الداخلية لشئون الأمن العام .. وكان معه فى تلك الحملة اليوزباشى ممدوح سالم ، رئيس الوزراء فى بداية عهد السادات والملازم أول (أى النقيب) سيد فهمى الذى صار وزيراً للداخلية ، فى إحدى الفترات .
أودعونى فى سجن الأجانب ، لأخوض تجربتى الأولى وراء القضبان ، ولتغذى بعد أربعين سنة بعضا مما كتبته فى الروايات .. تذكرت ما حدث فى تلك الليلة البعيدة وأنا جالس إلى جواره .. تذكرت ظلام الليل قبل الفجر ، ورعشة البرد التى أصابتنى وأنا خارج من باب البيت إلى الشارع ، والإحساس بالخوف أمام المجهول ، والأصوات .. تذكرت أنه أمسك بذراعى ليهمس فى أذنى أنت فلان . خطر فى بالى انه كلما رآنى عادت إليه تلك اللحظة الحرجة فى الحياة .. ولكن للسن مميزات .. كبر هو ، وكبرت أنا ، وأصبحنا نتبادل الحديث ، كلما التقينا بود الذين خاضوا التجارب ليكتشفوا انه مهما كانت الاختلافات ، توجد دائما مساحة للتفاهم بين الناس .
ولكن ه ذه المساحة تتسع فى بعض الأحيان ، وفى أحيان أخرى تتضاءل . فمنذ أسابيع جلس إلى جوارى فى السرادق فنان تربطنى به علاقة أسرية .. رسام موهوب لم أكن قد رأيته منذ سنوات .. ظل صامتاً ، واضعا ذراعيه على صدره دون حركة .. عيناه نصف المغمضتين تحملقان أمامه .. بدا غارقاً فى أحزانه فبادرته بالكلام محاولاً تبديد جو الكآبة الذى أخذ يزحف على . " فيما تفكر يا أستاذ إبراهيم " ؟ .. اعتدل فى جلسته ، والتفت إلىً . لمحت غلالة رمادية اللون كالستارة تغطى الجزء الأعلى من عينيه .. ينطق الكلمات بدقة منمقة فأتتبعها وهى تخرج من بين شفتيه .. قال : " أفكر فى الله سبحانه وتعالى .. ففى مثل هذه الاقاوت لا يسع الإنسان إلا أن يفكر فى الخالق عز وجل " .
ولكن ما الذى يمر بخاطرك بالضبط ؟ .
" أتذكر ما قاله الله فى كتابه العزيز عن الثواب ، والعقاب .. عن جنة الرضوان التى سيذهب إليها المؤمنون .. وعن النار تحرق جلود الكفار " .
أحسست انه ينغرس اكثر فى جو الأحزان ، فأردت أن أداعبه حتى أخفف عليه قلت..
" ولكنك لا تستعجل الموت طبعا ؟ " .
رفع إلىً نظراته ببطء كأنه يبذل جهداً ليتابع الحديث ..
" على العكس .. اشتاق إليه أيما اشتياق .. فهل تساوى هذه الدنيا شيئاً إلى جانب الراحة الأبدية ، والمتع التى يدخرها لنا الله ؟ " .
كان الغيظ يصعد فى صدرى ، إزاء ما بدأ لى أنه نوع من النفاق .. كدت أن أقول أن الأمر سهل ، ولا لزوم لكى يتحمل عناء الحياة . ولكنى تراجعت حرصاً على مشاعره. هذا الرجل فنان صنعت أصابعه اجمل اللوحات .
أتريد أن تقول أنك تبتهج لفكرة الموت ، لا أستطيع أن أصدق أن هذا إحساسك الحقيقى .. فأنا شخصياً متعلق بالحياة " .
قال بسرعة :
" ذلك لأنك حريص على متع الدنيا .. " .
قال " إذا كانت هذه أفكارك لا أظن انك سترى الجنة أبداً ".
قلت :
" ولما لا .. ؟ ، لكل منا متعته .. والمتعة لا تعنى بالضرورة الشهوات .. متعتى هى الكتابة .. والمعرفة . هى الاستغراق فى عمل شىء . لحظة انسجام مع أسرتى ، أو مع الأصدقاء .. ابتسامة التقطها على وجه شاب يشبه ابنى .. أشجار فى حديقة ، أو أشعة شمس تخترق نافذتى فى الصباح .. قدماى تسيران حول الغيط . هل توجد فى الجنة التى تريدها أنت مثل هذه الأشياء ؟ ". قرأت فى عينيه الاستنكار.
مرت لحظات صمت قبل أن أواصل الحديث .
لماذا تصمت ؟؟ ، ومنْ ذا الذى أعطاك حق الحكم ؟ ، ومن أين جاءك كل هذا اليقين ؟، أنت فنان ، وأنا أحدثك عن أشياء تخطر على بالى بالفعل . هل توجد فى جنتك أنت لوحات وألوان ؟ .. هل توجد كتب ، وأوراق ، وأقلام . فأنا لا أتصور الوجود على أى شكل دون هذه الأشياء .. ولا أرى فى هذه الأشياء ، أو فى هذه الخواطر إثم ، فالجنة بالنسبة لى لحظة إبداع ، وتفكير حر بلا قهر ، وانطلاق للعقل .كنت أظن انك مازلت مولعا بالرسم ؟. " .
ضحك ضحكة جافة .. صمت طويلا قبل أن يقول : " الرسم يا دكتور محاكاة للخلق .. والخالق هو الله سبحانه وتعالى .. العبد لا يجوز له أن يمارس ، ما يمت بصلة الى الخلق الالهى ، فهذا هو الكفر بعينه " .
ولكن ماذا تفعل يا أستاذ إبراهيم إن كنت تركت الرسم . ماذا تفعل من أجل لقمة العيش ؟ " .
" اعمل فى بنك " .
" بنك " ؟ .
" نعم بنك عربى إسلامى لا يمارس الربا مثل الآخرين " .
رأيته يبتسم .. جاءنى صوت المقرىء يتنحنح ويضرب بإصبعه على الميكروفون قبل أن يستأنف تلاوته ، فقمت .. ضغطت على الأيدى الممدودة ، وخرجت .. القمر معلق فى السماء .. والجو صحو .. أخذت نفساً عميقاً وسرت .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
-----------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان