وداعًا.. جابر عصفور الناقد والمفكر المستنير

فهد المضحكي
2022 / 1 / 8

رحيل المفكر والناقد جابر عصفور خسارة كبيرة للحياة الثقافية المصرية والعربية. جابر عصفور يعد من أهم النقاد والمفكرين العرب الذين انتصروا للحداثة والتنوير. من أجل هذه القضايا خاض على مدى سنوات طويلة معارك لا تعد مع أصحاب الفكر الظلامي. لم يكن وصف الدكتور جابر عصفور، والذي رحل منذ أيام عن عمر يناهز 77 عاماً، بالرجل التنويري، أمراً من قبيل الصدفة، وصحيح أن البعض، كما أشار موقع فيتو، استخدم اللقب لـ«السخرية» من قامة ثقافية كبرى، لكن حياة الرجل نفسها تثبت أنه من هؤلاء الذين رفعوا الراية في وجه خفافيش الظلام. وربما كانت معارك جابر عصفور مع التيارات الظلامية هي أهم ما يميز سيرته، ومن حسن الحظ إنها معارك وثقها «عصفور» نفسه في كتابيه «ضد التعصب» و«في مواجهة الظلام»٠ يتصدر قائمة المعارك التي خاضها جابر عصفور، معركته جنباً الى جنب مع المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، حين تعرض الأخير لأزمة بسبب رسالة بحثية، وانتهى به المطاف منفياً خارج البلاد بسبب حكم يفصله بينه وبين زوجته. وقتها وقف جابر عصفور بجوار نصر أبو زيد، مدافعاً عنه ضد كل الأقلام المتشككة والفتاوى الظلامية، فلم يكن من الجماعات الظلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمين سوى توجيه النقد لعصفور واتهامه في دينه، والنتيجة إنه كان ضمن 90 مققفًا مصريًا تم تقديم قضايا ضدهم بسبب انتاجهم الفكري ضمن ظاهرة «قضايا الحسبة» التي انتشرت في تسعينات القرن الماضي. لكن عصفور الذي خرج من تلك القضايا، تمكن بعد ذلك من توثيق معركة نصر حامد أبو زيد في كتابه الذي حمل عنوان «ضد التعصب»، ليجسد بانوراما اجتماعية لما يمكن أن تفعله التيارات الدينية مع حركة البحث العلمي، وهو الكتاب الذي وضع «عصفور» في خانة المغضوب عليهم من قبل تلك الجماعات التى هاجمته حتى الرمق الاخير. ثاني المعارك التي خاضها جابر عصفور، كانت بجوار الكاتب فرج فودة الذي اغتاله الإرهابيون في تسعينات القرن الماضي، بسبب آرائه الحداثية في الخطاب الديني. وكما تصدى «عصفور» لمن كفروا نصر حامد أبو زيد، اتخذ نفس الموقف ضد قتلة فرج فودة وعلى رأسهم محمد عمارة، وهو ما دفع الأخير إلى شن حرب على جابر عصفور. تلك المعارك سارت جنباً الى جنب مع آراء جابر عصفور الصادمة للبعض والتى على رأسها ضرورة عدم وجود دين رسمي للدولة، بالإضافة إلى أن الفتوى حق لجميع المسلمين وان الفن والإبداع هما صمام تلك الأمة.

في كتابه «دفاعاً عن العقلانية» يرى أن الحداثة والتحديث هي طريق المستقبل في حياتنا، ولا فرق بين الحداثة والتحديث إلا في أن الكلمة الأولى تشير إلى الجانب الفكري والمعنوي، بينما التحديث يشير إلى الجانب المادي من الفعل الشامل لتغير المجتمع وتطويره. أما العقلانية فهي الوعي الذي يحرك الحداثة والتحديث في كل مستوياتها وعلاقاتها على السواء. ولا يكتمل له ذلك إلا في مناخ من الحرية التى تفتح أمام العقل كل أبواب الاجتهاد دون خوف من الخطأ أو القمع المعرفي أو السياسي أو الديني. ولذلك فلا حداثة ولا تحديث بدون شيوع الفكر العقلاني الحر في المجتمع واولويته في العقل الجمعي الذي يفكر فى المستقبل. ولهذا، لماذا اختار عصفور أن يكون ناقداً عقلانياً؟، يقول: «منذ أن كتبت كتابي الأول في مجلات النقد الأدبي، ومضيت في هذا الطريق إلى أن جاءت السبعينيات التى اشعرتني بحاجتنا الشديدة إلى العقلانية وإلى التمسك بها كالحرية سواء بسواء. ومن حسن الحظ أنني تأثرت بالفكر العقلاني للمعتزلة في القرن الثالث للهجرة، قبل أن اتاثر بالفكر الراشدي (ابن رشد) في القرن السادس للهجرة الذي جاء بعد تحول الفكر الكلامي الى فلسفة خالصة»٠ كان يرى أن كل هزيمة وانحدار في مسيرتنا التاريخية منذ مشرق الإسلام إلى اليوم، مرتبطة بانكسار العقلانية في مواجهة خصومها: «الاستبداد والظلم والقمع» وهذا النوع من التفكير انتهى به إلى أن العقلانية ليست درساً من دروس الماضي ولا هي لحمة وسدى تراث الاستنارة العربي والعالمي، وإنما هي طريق المستقبل الواعد. في تقديره، كان أخطر ما يتميز به عصرنا - على مستويات السلب - أن العقلانية فيه كانت مهددة على كل المستويات وفي كل مجال، وأن الفكر المصري قد انحرف عن تطوره الطبيعي في مجرى العقلانية مع السبعينيات الساداتية، وأن هذا الفكر قد انتقلت إليه جراثيم التعصب والاستبداد والإرهاب منذ أن تحالف السادات مع الإخوان المسلمين من ناحية، ومع الرجعيات العربية والغربية من ناحية ثانية. وقد زاد الأمر كارثية، قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وما أعقبها من نزعات متطرفة ومعادية للعقل في غيرها من الأقطار التى كانت ولا تزال سداً منيعاً يعوق تدفق الحركة الخلاقة للعقل المقرون بالحرية والعدل اللازمين لحضور العقل في فعله الخلاق.

يتساءل جابر عصفور في كتابه «الثقافة والحرية»، لماذا الاقتران بين الثقافة والحرية؟ يجيب:«لأن الثقافة مرادفة للحرية والشرط الأول لحضورها وازدهارها، بوصفها افقاً من الوعي المفتوح على المستقبل الواعد في كل مجال، والذي يدرك حضوره الخلاق في تمرده على كل ثقافة منغلقة على أية سلطة تحول دون حرية الإنسان في أن يصنع لنفسه ولغيره عالماً حرًا تقترن فيه الحرية بالمسؤولية الاجتماعية» في حين يذكر أن التنمية لازمة من لوازم التقدم، خصوصاً من حيث أنها أفضل استخدام الموارد البشرية والطبيعية، بما يرد الثانية على الأولى أو العكس، ما يجعل للبشر الدور الاكثر فاعلية في عملية التنمية المستدامة، سواء من حيث التطور الدائم لوعيهم الجمعي في طرائق استخدام الموارد الطبيعية، جنباً إلى جنب العلاقة الجدلية بين وعيهم وأدوات الإنتاج وعلاقاته. في كل حقبة من حقب التاريخ المشروطة تقدهما بتقدم الوعي الإنساني. وقد ثبت بالدليل العملي من خلال تجارب الأمم- أن تسارع معدلات التنمية ومجالات التقدم مشروطة بثقافة التقدم التي لا تكف عن دفع عجلة التنمية إلى الأمام، وتضيف الى التقدم كل ما يصعد به في سلم التطور. والعكس صحيح، بحيث ساهمت ثقافة التخلف، والاتزال، في عرقلة كل محاولات التنمية في دول العالم الثالث. والأمثلة العديدة تؤكد أن ثقافة التخلف افشلت كل محاولات التنمية التى اعتمدت على الاقتصاد وحده. أو الإصلاح السياسي الفوقي المفروض من الأعلى على الادني.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق