تأثير اتفاق -AKS- على التطورات الدولية وموقف الشيوعيين

الحزب الشيوعي اليوناني
2021 / 12 / 29

مقال لقسم العلاقات الأممية للجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني


شكَّل التحالف "الأمني" الثلاثي المبرم بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة، و المعلن عنه في 1592021 تحت اسم "AUKUS"، تطوراً هاماً جديداً في هيكلية التحالفات الإمبريالية.

و مع ذلك، ما هو معنى هذا التطور وما هي المهام الإضافية المترتبة على الحركة الشيوعية؟

عن أهمية منطقة المحيطين الهندي والهادئ

على الرغم من أن الاتفاقية الجديدة هي مبرمة بين 3 قوى غير آسيوية، إلا أن من الواضح في نفس الوقت تركيز الاتفاقية على نشاط هذه القوى إجمالاً في آسيا و منطقة المحيطين الهندي والهادئ، و هي التي تنتج 60٪ من الناتج الإجمالي العالمي و يقدَّر أنها في السنوات القادمة ستستقطب 70٪ من الطلب على الطاقة. هي منطقة تعتبر سلفاً "قناة" هامة للملاحة التجارية العالمية، حيث من الموصوف هو مرور 40% من التجارة العالمية للغاز المسال عبرها وفق معطيات 2017.

هذا و تم بالفعل نقل جزء كبير من القوى البحرية والجوية الأمريكية إلى المحيط الهادئ. و يتم بناء قواعد عسكرية أمريكية جديدة هناك، كما و تُقام مناورات عسكرية واسعة النطاق.

و تستمر في المنطقة عينها مواجهات حول الحدود البحرية والبرية، حيث واضح هو سعي الصين للطعن بالقانون الدولي للبحار و بحقوق سيادية لدول في المنطقة مثل فيتنام. و في حديثه في الدورة ﻠ75 للجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام، دعا رئيس فيتنام، نغوين شوان فوك بلدان المنطقة إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في البحر الشرقي (أو بحر الصين الجنوبي) مؤكداً على قانون البحار[1]. و قبل أيام قليلة كانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفيتنامية لو ثي ثو هانغ قد شدّّدت على أن فيتنام ستدافع عن جزرها في أرخبيلي هواجسا وتشونغكسا، الذين يتعرضان للتشكيك في سيادتهما من جانب الصين[2].

و لم تكن زيارة نائبة الرئيس الأمريكي، كامالا هاريس، لفيتنام وبلدان أخرى في المنطقة مصادفة على الإطلاق. و نُذكِّر هنا بوجود قرار لمحكمة لاهاي منذ عام 2016، كان قد صدر بعد لجوء الفلبين لها من جانب واحد، و هو قرار يرفض المطالبات الصينية، و لا تعترف به الصين، بحجة أن المسألة متعلقة بالسيادة الوطنية التي ليست من صلاحيات المحكمة المحددة.

تسعى الولايات المتحدة مرة أخرى إلى ترسيخ نفسها باعتبارها "الحامي الذي نصب نفسه بنفسه" على الشعوب، و هذه المرة في المنطقة المذكورة في مواجهة خطط توسع الاحتكارات الصينية، و أطماع الصين في جنوب شرق آسيا. حيث يتضح أن الصراع لا يمكن أن يترك وسائل الحرب "خارج إطار الصورة". و في كل حال فإن الولايات المتحدة هي اليوم، أعتى قوة عسكرية، بينما تسعى الصين نحو سد هذه الفجوة بوتيرة سريعة في إنفاقها العسكري. هذا و يهدف الانسحاب الأخير للولايات المتحدة من أفغانستان و سحب صواريخ باتريوت الأمريكية من السعودية - من بين أمور أخرى- إلى إعادة نشر القوى العسكرية الأمريكية في اتجاه تعزيز الوجود الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

و بالإضافة إلى ذلك، فقد تعزز في السنوات الأخيرة، التعاون بين الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا عبر صيغة "الحوار الأمني للجنة الرباعية" (QUAD)، مع استهداف واضح للصين، وهو ما تمظهر في التدريبات العسكرية لهذه البلدان المسماة عملياتياً Malabar خلال العامين الماضيين. حيث أبرزت هذه التدريبات باعتبارها عماداً ﻟ"النسخة الآسيوية للناتو" و طُرح علنياً هدف مواجهة النفوذ العسكري والسياسي للصين في المنطقة.

و يتركز الاهتمام على مضائق تايوان، و تجري محاولة لتوسيع التحالفات على كِلا الجانبين، في حين يتم استغلال بِدع "الديمقراطية" و "تقرير المصير" أو سلامة الأراضي. إن استراتيجية الناتو 2030 تعزز التوجه ضد الصين.

فوق هذه اﻷرضية أبرمت اتفاقية "AUKUS".

عن الصراع على صدارة النظام اﻹمبريالي

يمتلك الحلف الجديد الذي بنته الولايات المتحدة هدفاً واضحاً، وهو ليس سوى الصين التي تصوغ اليوم موضوعياً مقدمات تهديد صدارة الولايات المتحدة في النظام الإمبريالي الدولي خلال السنوات القادمة.

وليس من باب الصدفة هو تشكيل وكالة المخابرات المركزيةCIA مركز مراقبة خاص للصين. و ينعكس الزخم في الزيادة الكبيرة في حصة الصين من الناتج العالمي في الفترة 2000-2020، وكذلك في الزيادة المذهلة في العجز التجاري للولايات المتحدة في تجارتها الثنائية مع الصين (في الفترة 1985-2019). و على هذا الأساس شهدنا في كل هذه الفترة سلسلة من "الحروب" التجارية مع إعطاء الولايات المتحدة وزناً خاصاً للحفاظ على هيمنتها على مستوى التكنولوجيا الجديدة وفي نفس الوقت للحد من انتشار الصين في هذا القطاع، مما يعني في نفس الوقت تعزيز نفوذها السياسي (على سبيل المثال، تكثيف محاولة استبعاد الصين من شبكات 5G في أوروبا). و بالإضافة إلى ذلك، دعت حكومة الولايات المتحدة مستفيدة من التخفيض الهائل في الضرائب المفروضة على رأس المال، احتكارات التكنولوجيا الجديدة الأمريكية العاملة في الصين إلى مغادرتها أو للعودة إلى الولايات المتحدة. وهي تروج لمصالحها الخاصة وتحاول إعاقة توسع الصين التي تنفذ مشروع "طريق الحرير" وتصدِّر رساميل واستثمارات ضخمة إلى دول أخرى في آسيا وأفريقيا و مناطق أخرى.

و ما من تشكيك الآن بواقعة الصراع القائم بين الولايات المتحدة والصين من أجل الصدارة العالمية. إن ما هو في مركز اﻹنتباه هو ما إذا كنَّا بصدد "حرب باردة" جديدة، ومواجهة قوة عظمى رأسمالية مع قوة اشتراكية، و حتى لو كانت اﻷخيرة "ذات خصائص صينية". و على الرغم من ذلك، فإننا في الواقع نتحدث عن الولايات المتحدة والصين، أي عن قوتي العالم الرأسمالي الحالي. إن الصين اليوم هي قاعدة قوية لمجموعات احتكارية، وهي عضو نشط في كل اتحاد رأسمالي دولي، كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي؛ وهي مرتبطة بنحو وثيق بالاقتصاد الرأسمالي العالمي. "إن الشركات متعددة الجنسيات هي قوة دافعة حيوية للتداول الداخلي للصين[3]".

و لا تُغيِّر واقعة حكم الصين من قِبل حزب يحمل عنوان "شيوعي" حقيقة سيطرة علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها. و بنحو مستقر اعتباراً من عام 2012 يُنتَج ما يزيد عن 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الصين من قبل القطاع الخاص[4]. و تم تطوير إطار قانوني مماثل لصالح الرأسماليين في الصين أيضاً، مما يسمح لهم باستغلال مئات الملايين من العمال لمراكمة ثرواتهم. و تتواجد الصين في "مزاحمة" مع الولايات المتحدة من ناحية عدد المليارديرات. و وفقاً لما يُعلمنا معهد Hurun للأبحاث في شنغهاي، فقد كانت الصين أول دولة في العالم بداية عام 2021، التي تجاوز فيها عدد المليارديرات الألف، ووصل عددهم إلى 1058 ملياردير[5]. و يتحكم مليارديرات الصين بمجموعات التجارة الإلكترونية العملاقة، والمصانع، والفنادق، والمراكز التجارية، ودور السينما، و وسائل التواصل الاجتماعي وشركات الهاتف المحمول وما شاكلها. و يمتلك تشونغ شانشان أثرى ملياردير في البلاد، الذي أغتنى من صناعة المياه المعبأة، ثروة شخصية تبلغ 67.3 مليار دولار، في حين تبلغ ثروة الثاني في نفس القائمة، ما هواتِنغ، الذي يشتغل في التقنيات الجديدة و الذي انتخب عضواً في البرلمان و المجلس الوطني لنواب الشعب، 46 مليار دولار[6]. و كل هذا عندما يُستثنى عشرات الملايين في البلاد من الخدمات الاجتماعية الحديثة، حيث يُظهر ترف المليارديرات و مالكي الملايين بوضوح، الظلم الاجتماعي الهائل والاستغلال الذي يميز نمط الإنتاج الرأسمالي في الصين. و بالتوازي مع ذلك، تستغل الاحتكارات الصينية على غرار كافة الاحتكارات على اختلاف جنسياتها، الطبقة العاملة في شركاتها في الخارج، كما يفعل عملاق الشحن البحري Cosco في اليونان، في ميناء بيرياس، حيث نظم العمال هذه اﻷيام إضراباً لمدة أيام عديدة على شرف العامل الذي قُتل مؤخراً في موقع عمله، من أجل المطالبة بتدابير لحماية صحتهم وسلامتهم، حيث رد أرباب العمل بالابتزاز والاستئناف أمام المحاكم المدنية لإعلان عدم قانونية الإضراب.

و لا تمت للواقع بصلة تلك الادعاءات القائلة بأن الصين، تطبِّق مثل روسيا السوفيتية في الماضي، أحد أشكال السياسة الاقتصادية الجديدة(نيب)، بالتعاون مع رأس المال الخاص، من أجل تطوير قواها الإنتاجية. إن المعطيات الواردة أعلاه تؤكد موضوعياً انتفاء وجود أساس للمقارنة بين السياسة الاقتصادية الجديدة والوضع الحالي في الصين. و بالإضافة إلى ذلك، كانت مدة السياسة الاقتصادية الجديدة محدودة وكان لها طابع "التراجع"، كما أكد لينين عدة مرات[7] ولم تؤدلج باعتبارها عنصراً من عناصر بناء الاشتراكية، كما هو الحال مع سيطرة العلاقات الرأسمالية في الصين، عبر بدعة "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية". و علاوة على ذلك، خلال فترة السياسة الاقتصادية الجديدة، لم يُحرم رجال الأعمال فحسب من السماح بأن يكونوا أعضاء في الحزب البلشفي، بل وعلى أساس كل من الدستورين السوفيتيين (1918 و 1925) الذين أقرا في ذلك الوقت، فقد حُرموا أيضاً من حقوقهم السياسية، على عكس الصين اليوم، حيث يشغل العشرات من رجال الأعمال مقاعد في البرلمان و الحزب الشيوعي.

هذا هو السبب في أن "القطبية الثنائية" الجديدة لا علاقة لها بالمواجهة التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. تصطدم اليوم الولايات المتحدة والصين فوق أرضية سيطرة علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تهيمن ضمنهما وتقود إلى صراع على المواد الأولية وطرق الشحن وحصص السوق والنفوذ الجيوسياسي، وهو أمر لا يمكن أن يُخفي أننا بصدد صراع إمبريالي بيني من أجل الصدارة في النظام الإمبريالي.

"AUKUS" هي "رافعة" أخرى للحرب الإمبريالية

تحدد اتفاقية "AUKUS" "طيفاً" موسعاً من التعاون يمتد من الدبلوماسية والدفاع حتى سلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن ثقل الاهتمام في هذه الاتفاقية يوجد في واقعة منح الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لأستراليا "مفاتيح" التكنولوجيا النووية، منتهكات بذلك الاتفاقيات ذات الصلة حول عدم انتشار التكنولوجيا النووية للأغراض العسكرية عبر بيعها لأستراليا 8 غواصات مسيَّرة بالطاقة النووية، مما سيجعل اﻷخيرة، البلد السابع في العالم الذي يمتلك غواصات كهذه، بعد الولايات المتحدة (71) وروسيا (33) والصين (14) وبريطانيا (11) وفرنسا (10) والهند (2).

إن استحواذ أستراليا على مثل هذه الغواصات سيمكنها من المشاركة في عمليات بحرية حربية بعيداً عن أراضيها، أي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ التي يتركز فيها انتباه الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، حيث أن هذه الغواصات عديمة الضجيج تقريباً و بإمكانها اجتياز مسافات طويلة دون الحاجة لإعادة التزود بالوقود.

بالإضافة إلى ذلك، تكتسب الولايات المتحدة إمكانية توسيع قواعدها الجوية العسكرية في أستراليا. حيث يتواجد هناك سلفاً عدة آلاف من القوات الأمريكية. و تتعلق البنية التحتية التي يتم إعدادها بإمكانية إرساء حاملات الطائرات والغواصات النووية والقاذفات الاستراتيجية.

عن الاضطرابات الجارية في الناتو والاتحاد الأوروبي و "الاستقلالية الاستراتيجية" للاتحاد الأوروبي و غيره من القوى الكبرى

استطاعت اتفاقية AUKUS "زعزعة" التحالفات "المستقرة" للإمبريالية الأوروأطلسية، أي لحلف شمال الأطلسي و للعلاقات الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي وخاصة مع فرنسا. حيث عبَّرت الأخيرة عن رد فعلها موصِّفة إلغاء عقد توريد 12 غواصة تقليدية تبلغ قيمتها حوالي 56 مليار يورو، ﺒ"طعنة في الظهر".

و سيطرت مباشرة بعد الاتفاق و لمرة أخرى، سلسلة من التقييمات المضللة في مختلف وسائل الإعلام، كتلك القائلة مثلاً أن الولايات المتحدة تنسحب من العديد من المناطق، وأن السلام يتطلب "الاستقلالية الاستراتيجية" للاتحاد الأوروبي والأطراف الأخرى، كالهند التي تعاظمت مكانتها في الماضي كعضو في "عدم الانحياز".

و مع ذلك فالواقع مختلف. إن الولايات المتحدة تعيد نشر قواتها العسكرية. و هي على هذا النحو، على سبيل المثال، فهي لم تمتنع عن الانسحاب من اليونان فحسب، بل قامت بتعزيز قواعدها العسكرية، وتضخيم قاعدة سوذا الجوية التي استخدمت في الحروب الإمبريالية ضد العراق وسوريا وليبيا، و إنشاء بنية تحتية عسكرية جديدة (ألكسندروبوليس، لاريسا، ستيفانوفيكيو و غيرها)، في حين بموجب الاتفاقية اليونانية الأمريكية الموقعة في 14 تشرين اﻷولأكتوبر 2021، بإمكان الولايات المتحدة مبدئياً استخدام كل البنية التحتية العسكرية لليونان لمدة 5 سنوات و من ثم إلى أجل غير مسمى.

و ما من أي أساس للحجة القائلة بأن الاتحاد الأوروبي "الأقوى" والأكثر استقلالية هو قادر على ضمان السلام بنحو ناجع باعتباره "عامل توازن" في الصراع الجاري بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

إن الاتحاد الأوروبي هو تحالف طبقات أوروبا البرجوازية، المتوجه على حد السواء ضد شعوب أوروبا كما والشعوب الأخرى. و على هذا النحو، فإن عسكرة الاتحاد الأوروبي تتعمق بالتوازي مع احتدام المزاحمات الإمبريالية، وتغرق الشعوب في أخطار جديدة أكبر من أجل تحصين مصالح الاحتكارات.

إن اتجاه هذه العسكرة هو في المقام اﻷول نحو داخل أوروبا، من أجل خنق أي نهضة جذرية و سحق أية مُطالبة بحياة أفضل، فما هو الحال إذا ما كان أمر هذه النهضة متعلقاً بالحاجات الشعبية المعاصرة وموجهاً ضد رأس المال و ربحيته أو حتى ضد سلطته.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الاتحاد الأوروبي العالم باعتباره "بيئته الاستراتيجية"، على أساس استراتيجيته العالمية التي أعدها ويستعد لتكييفها تحت اسم "البوصلة الاستراتيجية" و إقرارها أثناء فترة الرئاسة الفرنسية المقبلة للاتحاد. كما يسعى إلى تغلغل أكثر فاعلية للاحتكارات الأوروبية في بلدان ثالثة بذريعة مزاعم الدفاع عن حقوق الإنسان. و على هذا النحو، تم إنشاء ما يسمى "التعاون الهيكلي العسكري الدائم" (PESCO). و بالتوازي يجري الترويج لـ "مبادرة التدخل الأوروبي" المستوحاة من فرنسا من أجل التغلب على التأخيرات الناجمة عن عملية اتخاذ القرار بالإجماع، حتى يمكن تنفيذ المهام الإمبريالية فوراً. حيث قام اﻹتحاد الاوروبي سلفاً حتى اليوم بفرد طيات 20 مهمة إمبريالية[8] في ثلاث قارات.

و تُتخذ إجراءات للترويج لهدف ما يسمى "الاستقلالية الاستراتيجية" في سياق تعزيز الاتحاد و تدخلاته المشتركة مع حلف الناتو الذي يبقى ركيزته الأساسية. و بهدف تحقيق كفائته العسكرية المستقلة، يعزز تخطيط تطوير برامج البحث والتسلُّح من سوق الاتحاد الأوروبي، ضمن محاولة لتقليل اعتماده على سوق الأسلحة الأمريكية.

لقد خلُص الحزب الشيوعي اليوناني مع دراسة تاريخه وكذلك تاريخ الحركة الشيوعية الأممية، إلى استنتاج يقول مفاده بخطأ الرؤية التي سيطرت في صفوف الحركة الشيوعية الأممية، والتي وصَّفت حتى بلداناً رأسمالية عاتية بأنها "خاضعة" للولايات المتحدة و "مستعمرة" من قبلها، و كانت قد دعت إلى "استقلال" سياستها الخارجية. حيث قسَّمت هذه الرؤية الخاطئة في بعض الحالات، الطبقة البرجوازية إلى "وطنية" و "كومبرادورية" ساعية إلى تحالفات مع ما يسمى بالقطاع "الوطني" منها. و في الواقع، تروج البرجوازية في كل بلد لمصالحها الخاصة، و في المقام اﻷول من أجل ترسيخ سلطتها وعلى هذا الأساس تصوغ تحالفاتها الدولية. هذا و منح وجود الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى في الماضي للطبقات البرجوازية لبعض البلدان الرأسمالية، إمكانية المناورة، بينما حدَّ من هذه اﻹمكانيات في بلدان أخرى. و تجري اليوم من عدة أطراف الإشادة بما يسمى بالعالم متعدد الأقطاب، بينما يدعو البعض الاتحاد الأوروبي، أو بلدان أوروبا، إلى التوقف عن كونها "تابعة" للولايات المتحدة، و للنشاط "بنحو مستقل"، بناءاً على مصالحها.

و بمعزل عن نواياها تجمِّل رؤى كهذه البربرية الإمبريالية العالمية بنحو أيديولوجي، ما دامت تعتقد بإمكانية تغييرها دون الإسقاط الضروري للرأسمالية. و هي ترفض الرؤية اللينينية للإمبريالية، و تفصل الاقتصاد عن السياسة. و بالنسبة لهذه القوى، فإن الإمبريالية هي الأفعال السياسية والعسكرية للقوى الأكثر "عدوانية" ضد "السيادة الوطنية" للبلدان الأخرى. متجاهلة بهذا النحو واقعة أن المزاحمة الاحتكارية هي التي تقود إلى قيام التدخلات العسكرية الإمبريالية والحروب، و ليس بعض "القوى الأكثر عدوانية". هذا و تخاض هذه المزاحمة بكل الوسائل المتاحة لكل قوة رأسمالية في كل بلد، و تنطبع بالتأكيد في الاتفاقات الدولية المبرمة و في التحالفات المختلفة. و ضمن هذه التحالفات، تتنازل الطبقات البرجوازية عن جزء من السيادة الوطنية و الحقوق السيادية لبلدانها، من أجل تأمين سلطتها، وتتوقع دائماً أرباحاً جديدة. و هي تتحرك في نفس الوقت بوسائل حربية ما دامت "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل عنيفة".

لماذا تختار الولايات المتحدة التكتيك الخطِر المتمثل في "التحالفات الفضفاضة"



بعد تشكيل AUKUS، ما من أساس للادعاءات القائلة بأن الناتو أو QUAD يتهاويان. فعلى الرغم من تناقضاته الداخلية يواصل حلف الناتو، لعب دور مهم باعتباره "ذراعاً" للإمبريالية الأوروأطلسية. و هو يقوم على هذا النحو و باستمرار ﺑ"تطويق" روسيا، و ينقل قوى جديدة نحو الحدود الروسية، مشككاً بالسيادة الروسية في شبه جزيرة القرم والبحر الأسود، و يستغل الصراع في أوكرانيا بنحو استفزازي، و يهدد روسيا باستخدام السلاح النووي[9]. و باﻹضافة لذلك، فقد رسم الناتو خط مواجهته مع الصين.

و يضطلع حلف QUAD بدور خاص في خط "لجم" الصين. حيث تتواجد الطبقة البرجوازية لبلدانه المكونة (أستراليا، اليابان، الهند، الولايات المتحدة الأمريكية) و لأسبابها الخاصة في مزاحمة مع احتكارات الصين. في الوقت نفسه، يتيح وجوده لبعضها، مثل البرجوازية الهندية، المشاركة في نفس الوقت في اتحادات أخرى، كمنظمة شنغهاي للتعاون و BRICS (البرازيل ، روسيا ، الهند ، الصين ، جنوب إفريقيا) و التي تعد أحد أكبر مشتري الأسلحة الروسية، لتكون قادرة على المناورة، ولكن لتكون في نفس الوقت جزءاً من الخطة الأمريكية الشاملة لتغيير الزخم المؤاتي للصين اليوم.

و في الحاصل، هناك صياغة ﻠ"سرعات" مختلفة في تعميق تعاون الولايات المتحدة الأمريكية مع الطبقات البرجوازية الأخرى في المنطقة، من خلال صيغ "فضفاضة" أكثر، مثل QUAD وأشكال أكثر تقدماً، مثل AUKUS، ولكن دائماً مع نفس الهدف في محاولة تجنب وقوع مواجهة عمودية حادة وشاملة من شأنها أن تصعِّب التحالفات الأمريكية في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع العقوبات الأمريكية عن بناء خط أنابيب الغاز الروسي NordStream 2، الذي يصب في ألمانيا، كان يقيَّم على أنه “الجزرة" في المحاولة الأمريكية لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي و مع "المكون" الأوروبي للتحالف اﻷوروأطلسي، أمام المواجهة الكبيرة مع الصين، هذا و يُدعم ذلك أيضاً عبر الإعلان عن اتفاقية الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن إلغاء التعريفات الجمركية على الصلب والألمنيوم.

و يظهر تشكيل "AUKUS" أن الولايات المتحدة تجيد بذات المهارة استخدام "السوط" في نفس الاتجاه ضمن صياغة تحالفاتها.



مهام الشيوعيين



تقوم مختلف اﻷطراف بإبراز مطلب "احترام القانون الدولي" من أجل تجنب الحرب، بينما تُطلَق حملات مختلفة بشعارات مثل "ارفعوا أيديكم عن روسيا والصين"، أو حتى دفاعاً عن "الصين الاشتراكية".

يبدو أن هذه المقاربة تجهل عناصر أساسية، كعنصر كون القانون الدولي اليوم مطاطياً و أن تفسيره يجري وفقاً لما يناسب مفسِّره. و على هذا النحو، فإن الولايات المتحدة التي لم توقع قط على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المعتمدة في عام 1982، تظهر الآن في البحر الشرقي (أو بحر الصين الجنوبي) كأقوى المدافعين عن هذا القانون. و في الجهة اﻷخرى، فإن الصين، التي صادقت على النص المحدد للاتفاقية الدولية، تقوضه يومياً على حساب بلدان المنطقة (فيتنام، الفلبين، إندونيسيا، ماليزيا، بروناي). أي أن ما يحدد الموقف من القانون الدولي هو تناسب القوى و المساعي الجيوستراتيجية.

و إضافة لذلك، فإن الرؤية التي تقدم الولايات المتحدة كقوة تنتهك القانون الدولي من جانب واحد و هي بالتالي الجانب المهاجم و "الطرف اﻹمبريالي"، و تقدم الصين وروسيا على أنهما قوتان "مدافعتان" و "مناهضتان للإمبريالية"، هي رؤية لا تمت للواقع بصلة. إن كل القوى الكبرى للعالم الإمبريالي المعاصر المذكورة أعلاه، تقوم في حالات مختلفة و من أجل الترويج لمصالح احتكاراتها، بتفسير القانون الدولي كما يناسبها وتتصرف وفقاً لذلك. و بالتالي، فإن الرؤية المذكورة أعلاه لا علاقة لها بالرؤية اللينينية للإمبريالية، والتي من الواضح أنها ليس مجرد سياسة عدوانية خارجية، بل هي الرأسمالية الاحتكارية. و رؤية لا علاقة لها برؤية قائد ثورة أكتوبر للحروب وأسبابها و طابعها. فقد وبخ لينين في مناسبات مماثلة مثل هذه الرؤى قائلاً: "كما لو أن الجوهر يكمن في من هاجم أولاً، لا في ماهية أسباب الحرب، و في الأغراض التي تضعها أمامها وفي الطبقات التي تخوضها[10]".



و في الحاصل، لا يجب ألا يقع الشيوعيون في شرك نظريات، تقوم عن قصد أو عن غير قصد بحبس الحركة الشعبية في أطروحات لا عنفية مسدودة اﻷفق، داعية الطبقات البرجوازية أو الاتحادات الإمبريالية، كالاتحاد الأوروبي، إلى إظهار "استقلالها" أو مخفية الطابع الإمبريالي للصدام الجاري من أجل الصدارة عالمياً، و هي التي تدعونا، أخيراً، إلى اختيار أحد الطرفين في هذا الصدام.

و ليست بجديدة المعضلة التي تواجه الشيوعيين في اختيار أحد الإمبرياليين. فكما نعلم، كانت قد طرحت و بشدة خلال الحرب العالمية الأولى وأدت إلى تفكك الأممية الثانية. و في ذلك الوقت و من بين غيرهم "أكد الاشتراكيون الشوفينيون الفرنسيون [نحو العمال] و زعموا أن بلدان الوفاق الودي كانت "الجانب المدافع" أنها هي " حوامل التقدم" في النضال ضد البروسية العدوانية[11]". و تدعونا اليوم بعض القوى المتواجدة في صفوف الحركة العمالية والشيوعية الأممية التي تعتقد أن الصين تبني"اشتراكية ذات خصائص صينية" إلى دعمهما ضمن المواجهة اﻹمبريالية البينية الجديدة، مع قيام هذه القوى بتشويه أو تجاهل واقعنا كما و نظريتنا الكونية.

حيث من المهم بمكان في هذه الظروف، ليس مناهضة الحرب الإمبريالية فحسب، بل و أيضاً مناهضة اختيار "لون" الإمبريالي، و مناهضة كل تحالف إمبريالي قديم أو جديد، و العمل من أجل فكاك كل بلد من الخطط والتحالفات الإمبريالية و الصراع من أجل السلطة العمالية، الاشتراكية.

وفي هذا الاتجاه، صوت الحزب الشيوعي اليوناني في البرلمان ضد ما يسمى بـ "الاتفاقيات الدفاعية" المبرمة بين اليونان والولايات المتحدة و اليونان وفرنسا. و اصطف الحزب ضد الإنفاقات العسكرية الهائلة للبلاد وأشار إلى أنها تتم في سياق محاولة الطبقة البرجوازية اليونانية لترقية موقعها داخل المخططات والمنظمات الإمبريالية.

يقوم الشيوعيون بتنوير الشعب بنحو منهجي و يحرِّكون في التظاهرات الآلاف من العمال، و الشابات و الشباب.

و يتصدَّر الحزب الشيوعي اليوناني الحركة المناهضة للحرب و للإمبريالية، و إجمالاً ضمن الحركة العمالية والشعبية، من أجل عدم إنشاء قواعد عسكرية جديدة في اليونان، وتفكيك جميع القواعد والبنى التحتية الأمريكية - الأطلسية، و من أجل عدم إحضار الأسلحة النووية إلى البلاد.

و يطالب الحزب الشيوعي اليوناني بوقف مشاركة القوات المسلحة اليونانية في المهام الإمبريالية في الخارج، وألا يدفع الشعب كلفة التسليح الذي يخدم الخطط العدوانية للطبقة البرجوازية اليونانية والتدخلات والحروب الأوروأطلسية، و بعدم مشاركة اليونان في تمرينات عسكرية موجهة ضد دول أخرى.

و يسعى الحزب الشيوعي اليوناني إلى تعزيز التضامن الأممي مع جميع الشعوب المناضلة و التي تواجه التدخلات والحروب الإمبريالية.

كما و يكافح الحزب من أجل فكاك البلاد من التحالفات الإمبريالية لحلفي الناتو والاتحاد الأوروبي، معتقداً أن باستطاعة السلطة العمالية والصراع من أجل إسقاط الرأسمالية وبناء الاشتراكية – الشيوعية، تأمين تحقيق ذلك في صالح المصالح الشعبية.


[1] كلمة رئيس فيتنام 2592021 https://vietnam.vnanet.vn

[2] رد فعل فيتنام على تطبيق الصين لقانون السلامة البحرية المعدل، 292021المصدر: راديو "صوت فيتنام"https://vovworld.vn/,

[3] عنوان منشور في مقال صحيفة الشعب اليومية بتاريخ 1972021 http://en.people.cn

[4] صحيفة الشعب اليومية بتاريخ 632019 http://russian.people.com.cn

[5] وكالة إنترفاكس بتاريخ 232021 https://www.interfax.ru

[6] صحيفة الشعب اليومية بتاريخ 29102021 http://russian.people.com.cn

[7] لينين المؤتمر التاسع السوفييتي لعموم روسيا. كانون اﻷولديسمبر 1921.

[8] الصفحة الرسمية لوكالة النشاط الخارجي للاتحاد الاوروبي:

https://eeas.europa.eu/headquarters/headquarters-homepage/83616/eu-military-operations-and-civilian-missions_en

[9] انظر تصريحات وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، بتاريخ 23102021 https://tass.ru/

[10] رسالة لينين المفتوحة إلى بوريس سوفارين. كتبت في النصف الثاني من كانون الأولديسمبر 1916. نُشرت لأول مرة في صحيفة La Vérité بتاريخ 27 كانون الثانييناير 1918 في عددها رقم 48.

[11] أكاديمية العلوم السوفييتية، تاريخ العالم، المجلد Z (بالروسية) صفحة 541.

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين