منتصف الليل في القاهرة

عادل صوما
2021 / 12 / 27

رافائيل كورماك مؤلف كتاب "Midnight in Cairo" الصادر سنة 2020، حاصل على درجة الدكتوراه في المسرح المصري من جامعة إدنبرة، ويعمل حالياً باحثاً زائراً بجامعة كولومبيا في نيويورك. وهو محرر ومترجم حائز على جوائز، كما كتب عن الثقافة العربية لمجلة London Review of Books و Prospect و TLS وغيرها.
الجزء الأول
القاهرة التي زارها كورماك سنة 1971 ليست هي المدينة التي كتب عنها، فتاريخ القاهرة في كتابه يبدأ من عشرينات القرن العشرين حتى حريق اجزاء كبيرة منها سنة 1952، علاوة على سنوات قليلة بعد انقلاب يوليو على الملك فاروق، وهو تاريخ غني بجوانبه الثقافية كافة، لكن كورماك ركّز على ما يتعلق بالمرأة الفنانة كمحركة وصاحبة تأثير كبير على ثقافة البلد، وهو دور أكبر بكثير من دورها الظاهر للعيان كونها مغنية أو راقصة أو ممثلة أو صحفية.
يقدم رافائيل كورماك تاريخاً ثرياً للمرأة المصرية في الجزء الأول من القرن العشرين من خلال سرد موجز شامل لحكايات سبع فتيات جئن من خلفيات ريفية فقيرة سواء في مصر أو من لبنان، وأصحبن نجمات بارزات في عالم الترفيه والثقافة في مصر. وكورماك يعتقد أن لقب "باريس الشرق" تستحقه قاهرة النصف الأول من القرن العشرين، أكثر من بيروت صاحبة اللقب.
أعاد رافائيل كورماك من خلال قراءة حياة المطربات والممثلات الأكثر نفوذا ومحبة، خلق قاهرة تمتعت فيها المرأة بفضل عزيمتها ومثابرتها ببعض النفوذ والاستقلالية، حيث أدرات إحداهن فرقتها المسرحية التي أنشأتها، ومنهن من نشرت مجلتها الخاصة، مثل الفنانة روز اليوسف التي وصلت مصر آتية من لبنان سنة 1912 وعمرها أربع عشرة سنة، يتيمة مفلسة ووحيدة. ومن خلال النضال والغموض والعمل الجاد والتصميم وأكثر من القليل من الأساطير، أصبحت ممثلة ناجحة، ثم ناشرة لمجلة بإسمها لم تزل تصدر منذ 95 سنة، وكانت بداية المجلة تدور حول صناعة الترفيه، وقصص متعمقة عوضاً عن نميمة المجلات الفنية، ولكنها نمت في ما بعد وأصبحت واحدة من أهم المجلات السياسية المؤثرة في القاهرة ما بين الحربين العالميتين.
أعطى كورماك سياقا أوسع للحركة النسوية المصرية، فالنساء السبع اللاتي روى حياتهن، كان لديهن الكثير ليقاتلن ضده، مثل رفض المجتمع المحافظ لدور المرأة خارج البيت، والرجال الذين اعتقدوا أنهم يستطيعون فعل ما يشاؤون مع ممثلة أو مغنية ملهى ليلي. هؤلاء النساء اللائي ساهمن في خلق ثقافة مصرية حديثة قائمة على التنوع، لم يَكُنَ أساساً جزءا من النخبة، لكنهن خلقن حركة نسائية موازية جعلتهن فيها.
تتبع كورماك من خلال الحركة النسوية المتنامية التي أطلقتها نساء الكتاب السبع الاضطرابات السياسية في مصر، بدءاً من الحكم البريطاني وصراعات الأحزاب إلى الاستقلال، لنعرف أن كل واحدة منهن أضاءت جوانب مختلفة من الحياة الثقافية والسياسية للبلد، ما خلق تفاصيل مدينة وخلفيتها الثقافية في حقبة تبدو الآن في أرشيف النسيان، لأن أي شخص يزور القاهرة لن يتعرف على المدينة التي كتب عنها كورماك.
هي يمكن أن يتخيل أحد في قاهرة اليوم ظهور فاطمة رشدي أخرى؟ إمرأة تدير فرقتها التمثيلية وتؤلف وتخرج بنفسها..
كانت فاطمة رشدي محبوبة ومؤثرة للغاية في المجتمع المصري، وأُطلِق عليها لقب "سارة برنارد الشرق". دُفعت فاطمة رشدي ضد توقعات ما "يمكن" أو "ما ينبغي" للمرأة أن تفعله، عندما اتهمها أحد محاوريها بالعقلية الذكورية إياها بأنها تفتقر إلى "الرقة الأنثوية أو اللطف" ، فأجابت: "ليس لدي وقت لأشياء غبية مثل هذه، أفعل كل شيء على الإطلاق بما يجب أن تفعله المرأة. عقلي يعمل باستمرار، جسدي ثقيل ومرهق. طموحاتي أعظم من عقلي وأقوى من جسدي. ليس لدي الوقت لفعل كل ما أحتاجه وأتباهى بأنوثتي في الوقت نفسه. ماذا تقصد بالأنوثة؟"
كانت أم كلثوم واحدة من أغنى المطربات في مصر، وأحبت السينما لأنها أوسع انتشارا، وكانت سيدة قوية تحكمّت تماماً في حياتها المهنية، ولم تتزوج حتى أصبحت مسيرتها راسخة.
على عكس نساء أخريات في عالم الترفيه تزوجن رجالاً أكبر سناً، ليمولوا أو يدعموا تمثيلهم، تزوجت كلثوم لأول مرة من رجل أصغر منها بعشر سنوات، اعتمد عليها للحصول على الدعم للدخول إلى عالم الموسيقى وليس العكس.
في سنة 1942 ساعدت أم كلثوم في إنشاء اتحاد الموسيقيين المصريين، وفازت في الانتخابات الأولى لرئاسته، ثم بسبع انتخابات متتالية للرئاسة وأشرفت على العديد من المبادرات لتحسين حياة الأعضاء، من خلال حملة للأجور العادلة وصندوق لدعم الموسيقيين العاطلين عن العمل والمرضى والعاجزين.
الجزء الثاني
تناول الجزء الثاني من الكتاب السياسة أكثر، حيث ناضل المصريون لتخفيف قبضة البريطانيين على بلادهم، لكن المضمون النسوي ظل كما هو، وسلط كورماك الضوء على جوانب مجهولة من تاريخ مصر من خلال الحياة المُلهمة للنساء اللائي كن جزءا من أنصار السلام. قال كورماك أن هؤلاء النساء كن مسيحيات ويهوديات ومسلمات، وناضلن معاً من أجل حقوق المرأة وحرية مصر.
حكايات رفائيل كورماك لم تخل من مفاجآت في جزء الكتاب الثاني، وورد فيه حكاية مصمم فنون وحِرف إنجليزي مثلي الجنس، وعديد من ممثلات ارتدين البنطلون والجاكيت، وراقصة شرقية شاركت بقوة في السياسة اليسارية السرية، ومحاولة فاشلة لعمل فيلم عن حياة الرسول محمد، من إخراج مايكل كيرتيز الذي صنع فيلم "الدار البيضاء" أو "كازابلانا" سنة 1942.
تعقيب
في أوائل خمسينيات القرن العشرين تم إحراق قسم كبير من الأزبكية الأنيقة والمركز الرئيسي لصناعة الترفيه في مصر في 26 كانون الثاني/يناير 1952، تلا الحريق انقلاب 23 يوليو الذي أطاح بالنظام الملكي، وجاء مجلس قيادة الثورة إلى السلطة وعلى رأسه محمد نجيب، وظهر عبد الناصر وحده بعد سنتين، وعصره يسميه كورماك "الازدراء شبه المتشدد لصناعة الترفيه الحديثة"، فقد قام عبد الناصر بخبث شديد بالإجهاز على هذه الصناعة بجوانبها كافة خطوة بخطوة، لأنه لم يستطع محو تأثير مؤسسات الجاليات الاجنبية المتمصرة ومدارسها وصحافتها وانتاجها السينمائي بين عشية وضحاها، ولم يتبق بعد قراراته المعلنة والخفية من الحياة الثقافية والترفيهية سوى البقايا المحتضرة التي شهدها رفائيل كورماك في سنة 1971 أثناء زيارته لمصر، حيث كانت نخبة القاهرة الأكثر تأثيراً مجموعة المستشارين السوفيات، وأعضاء حركات التحرر الأفريقية، ونشطاء العروبة ومناضلي تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وبعض السياسيين اللاجئين وملوك فقدوا عروشهم في العالم الثالث، ثم بدأت موجة نجوم دعاة الصحوة في عصر السادات، وظهرت موجة الممثلات التائبات و"الفن حرام" و"السينما النظيفة" وكتب التراث في عصر حسني مبارك، وبعد أسلمة الربيع العربي ركض ملتحون ليضعوا غطاء رأس فوق وجه تمثال أم كلثوم، ثم بدأت ظاهرة اشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بسبب فستان ممثلة أو خلع ممثلة لحجابها أو إعادته مرة ثانية، وكنتيجة لإنفصام الشخصية القومية المصرية وضياع هويتها الثقافية، ظهر ممثلون وممثلات لا كاريزما لهم أو موهبة، يصنعون ترفيهاً شخصياً فضائحياً تافهاً يعتمد على سلوكياتهم المريضة بشكل شبه اسبوعي ليتناولهم الاعلام.
هامش صغير
الكاتب والمخرج السينمائي محمد سالم كتب وأخرج فيلم "القاهرة في الليل" سنة 1963، وهو موجود عل "يوتيوب"، وكأنه يؤرشف لقاهرة على وشك أن تغرب، كما أضاء المخرج يوسف شاهين في "اسكندرية ليه" سنة 1978 على أمور ثقافية مهمة كانت في عاصمة مصر الكوزموبوليتية الإسكندرية في النصف الأول من القرن العشرين، لا تقل بأي حال من الأحول عما كان في القاهرة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت