بلد فوق قمة العالم

شريف حتاتة
2021 / 12 / 25

-----------------------------

بلد صغير عدد سكانه ثلاثة عشرة من الملايين محصورين بين العملاقين الآسيويين ، بين الهند فى الجنوب ، والصين فى الشمال . وعندما يتحدث أهل " نيبال " عن أنفسهم يقولون نحن بلد محاصر بالأرض ، لا منفذ لنا إلى المحيط . وهذه الجملة القصيرة تعبر عن إحدى مشكلاتهم الرئيسية . وهى أن تجارتهم ، أن كل ما يبيعونه ، وكل ما يحصلون عليه من احتياجات عن طريق الاستيراد ، لابد أن يمر خلال أراضى الجيران ، أى خلال أراضى الهند .
هذا الإحساس بالحصار قد ولد عند النيباليين حساسية مفرطة ، خصوصاً وأن بلدهم صغير مقارنة بأكبر دولتين فى العالم من حيث السكان ، تسعمائة مليون فى الشمال وستمائة وخمسون مليوناً فى الجنوب . اشتراكية فى الشمال ورأسمالية إقطاعية مصبوغة بمسحة اشتراكية فى الجنوب . يضاف إلى ذلك أن هذا البلد الصغير من الأقطار التى اعتبرتها هيئة الأمم المتحدة ، من بين أقل البلاد تطوراً من حيث النمو الاقتصادى ، والاجتماعى ، و أن فيها نظاماً ملكياً يتربع على عرشه شاب أسمه بيراندرا .
أتذكر أنه أيام الشباب قرأت عن مدينة اسمها " كاتماندو " ، وعن جبال "الهيمالايا" ، وعن أولئك المغامرين الذين يصعدون فوق جبل " إفريست " أعلى قمة فى العالم يصل ارتفاعها إلى أكثر من 29.000 قدم فوق سطح البحر . لكنى لم أكتشف أن الجبال العظيمة التى تسمى سقف العالم ، توجد فى بلد اسمه " نيبال " ، وأن مدينة " كاتماندو " هى عاصمته ، إلا بعد أن عملت فى الهند لمدة أربع سنوات .
خلف مكتبى فى مقر منظمة العمل الدولية بنيودلهى ، كنت قد علقت ثلاث خرائط كبيرة . إحداها للعالم ، والثانية للهند ، والثالثة لآسيا كلها . لم أكن أمل من النظر إليها فى لحظات الفراغ . عندما يدخل إلى أحد الذين يعملون فى المكتب ، يجدونى أحياناً واقفاً أمامها ، أحملق فى أحد البلاد ، أو أتتبع بإصبعى سلسلة من الجبال ، أو نهراً كبيراً ، أو طريقاً للسكك الحديد يشق المسافات . فالسفر جًسد بالنسبة إلى ، كثيراً من الأشياء التى لم أكن رأيتها من قبل إلا فى الخيال . كانت أسماءً مجردة لا تعنى لى الكثير ، أحن إليها الآن ، لأنه أصبح لها لون ، وطعم ، ورائحة ، وقوام . صفات عشت معها فى العقل ، والحس ، والوجدان . أصبحت مدنا أعرف بيوتها ، وشوارعها ، ومتاحفها ، ولى فيها أصدقاء . أو مناظر طبيعية استغرقت فيها بانبهار ، أو ناسا عرفت حياتهم ، فأدركت أننى أشاركهم كثيراً من الأشياء . أو بلاداً ترتبط فى ذهنى بأحداث ، وأعمال ، ولقاءات . الآن عندما اقرأ الصحف لم تعد الأسماء بالنسبة إلى كالجماد . أصيحت تنبض بالوجوه ، والذكريات . أصبحت لجغرافية العالم التى أدرسها معنى ، وحياة .
*****
الطائرة تحملنى أعلى السحاب . مقاعدها زاهية متداخلة الألوان . على جدرانها رسوم نيبالية ، بيوت ، وفلاحون ، وفلاحات ، وحيوانات تتحرك وسط خضرة الجبال . المضيفون والمضيفات يبدون صغار السن وكأنهم لازالوا صبية ، وبنات . أجسامهم نحيلة تروح وتجىء مثل نسمة هواء ، وأصواتهم هامسة . الوجوه فيها سمار الهند ، لكن التقاطيع والعيون تتأرجح عند منتصف الطريق بين الهند والصين . تتدرج فى شكلها حسب قربها من الشمال أو الجنوب . فنيبال مقسمة إلى ثلاث قطاعات ، السهول فى الجنوب قرب الهند ، منطقة التلال الوسطى ، ثم جبال الهيمالايا فى الشمال قرب الصين . سكان الجنوب أقرب إلى الهند ، وسكان الشمال أقرب إلى الصين ، وبين الاثنين يتوازن العنصران .
من النافذة أرى السماء فيها صفاء غريب يخطف الإحساس ، كالسحر المعلق فى الفضاء . أسفل الطائرة شبورة رقيقة تغطى الوديان ، وتنقشع أحياناً لتبرز منها مساحات خضراء تشبه البحيرات . وعند الأفق ألمح خطا متعرجاً تصنعه كتل مسنونة بيضاء . تعلو وتهبط فى زرقة السماء ، وتنحدر لتصبح سفوحاً للجبال تغطيها الغابات . تبدو قاتمة ، سوداء ، تخترقها هنا وهناك الخيوط الرفيعة للأنهار ، تسقط مسرعة بين الصخور فيلمع سطحها باللون الأبيض للرذاذ .
هبطنا فى المطار على مساحة مسطحة ، كأن قمة الجبل أزيلت بسكين حاد . أستنشق الهواء وارفع وجهى للشمس ، تسكب دفئها على الكون بحساب ، فبرودة الجو المنعشة تتسرب لى خلال الثياب .
*****
قطعنا المسافة من " نيودلهى " إلى " كاتماندو " فى ساعتين . توقفنا فى منتصف الطريق ، عند مدينة " امرتيسار " عاصمة " البنجاب " وصعدنا إلى الطائرة من جديد . لمحت قباب المعبد الذهبى المشهور الذى أقامه " السيخ "على حدود المدينة . عددهم فى الهند أحد عشرة مليونا . رجال شديدى البأس يقودون الشاحنات ، ويكونون الأغلبية فى الجيش ، ونساء أقوياء ، عيونهن سود وقوامهن مرفوع فى القميص ، والبنطال .
كانت ديانة " السيخ " فى الأصل ، رافدا من روافد الإسلام فى شمال الهند ، سعى إلى التوحيد بين المسلمين والهندوكيين . كان هذا الرافد ضد الطائفية ، والجمود ، ولم يكن على رأسه نبى أو إمام . بنى دعوته بالاعتماد على نشاط المرشدين يسمونهم "جورو" (أى المعلم) فى الهند . لكن الحركة فيما بعد ، تحولت إلى طقوس وعصبية عمياء . قام بعض أفرادها باغتيال " انديرا غاندى " ، وقامت بينها وبين الهندوكيين صراعات مريرة ، ومذابح متبادلة ، أشهرها الهجوم الذى شنه الهندوكيون على المعبد الذهبى .
فندق " شانكار" فى " كاتماندو" ، قصر قديم كان مملوكاً لأحد أفراد الأسرة المالكة . أسرة إقطاعية حاكمة كثيرة الفروع كاوا يسمونها " راما " . وهذا الأسم م زال منتشراً فى الأوساط الحاكمة ، وفى صفوف المثقفين الذين أنحدروا منها ، لأنهم أول منْ استطاع أن يحصل على فرص التعليم فى انجلترا ، أو غيرها من البلاد .
إنه مبنى أبيض كبير أقيم منذ عشرات السنين ، تتسلقه الزهور الصفراء ، والحمراء صاعدة على الفروع الرفيعة للأشجار المحيطة به . توجد فيه صالة للحفلات الراقصة تحولت إلى حجرة للطعام ، ودهاليز ، وسلالم عريضة ، أو جانبية ضيقة تصعد ، وتهبط فى الأركان . ظللت عدة أيام أتوه فى ثناياه المظلمة ، فأضل الطريق لأجد نفسى أمام باب مغلق عند السطح ، أو فى جوف
" بدروم " من البدرومات الخالية .
الفندق مزدحم بالنزلاء من جميع الجنسيات ، سواح ، وعاملون فى المنظمات الدولية ، روس ، وألمان ، وفرنسيون ، وإنجليز ، وأمريكان ، وجماعات كبيرة من اليابان . هنا تتردد كل اللغات .. فالموسم الحالى هو موسم التزحلق على الجليد ، موسم ينشط فيه خبراء المنظمات الدولية الذين يعرفون المواسم الملائمة لزيارة البلاد .. تدربوا طويلاً على أقل قدر ممكن من الجهد ، وعلى أكبر قدر ممكن من الاستمتاع .
يرافقنى فى هذه الزيارة خبير من أمريكا اللاتينية . وصلنا إلى " كاتماندو" عاصمة البلاد يوم السبت بعد الظهر . ويوم الأحد أجازة فكان أمامنا يوم ونصف لزيارة المدينة . تركنا حقائبنا فى الفندق بعد أن أخرجنا منها بعض الملابس البسيطة . تزودنا بالخرائط والكتيبات التى تصف معالمها ، وانطلقنا من بوابة الفندق فرحين كالأطفال .
شارع " لاحيجبات " يشق المدينة الصغيرة من الشرق إلى الغرب . أمام قصر الملك على جانبى الباب اصطف عدد من الجنود النيبالييين . يرتدون قبعات حولها شريط أحمر . وجوههم كالصخر البرونزى اللون لا تبدو عليها الأحاسيس أو الخلجات . أنهم مقاتلون جبليون اشتهروا ببأسهم ، وقوتهم ، وقسوتهم ، يكونون المرتزقة بأسم
" الجوركا " استخدمهم الإنجليز بالآلاف فى معارك الإمبراطورية وفى كل الجهات .
استأجرنا دراجتين بثلاث روبيات ، فالدراجات أفضل وسيلة لزيارة المدن الصغيرة . الجو هنا جميل ، والمسافات قصيرة . كلما ركبت دراجة أشعر أننى عدت إلى الوراء عشرات السنين ، إلى الأيام الأولى للشباب . أقوم بالحركات التى كنا نقوم بها فى تلك الأيام. ارفع يدى ، وأترك الدراجة تسير . نشق الحدائق ، ونجتاز الكبارى التى تعبر البحيرات لنصل إلى قلب المدينة ، إلى شارع السوق إلى " كانتيبات " ، " نيورود " . ثم إلى ميدان " دريان سكواير" و " ماكونتول " . على الجانبين عشرات الحوانيت الصغيرة المتلاصقة ، أكشاك خشبية مرفوعة عن الأرض يصعد الناس إليها بدرجتين ، تبيع كل شىء ، أوان ، وملابس ، وأحذية ، وسترات من صوف لأغنام ، وشيلان مشغولة باليد ، وسجاجيد منسوجة على الأنوال اليدوية فيها ذوق وجمال ، وبعض التحف المصنوعة من الخشب ، أو النحاس . السلع محدودة ، وبسيطة تدل على انحصار الاستهلاك ، على مجتمع بدائى لم تتغلغل إليه كبرى الشركات .
فى المنطقة المحيطة " بدوريان سكواير " و " ماكونتول " عدد كبير من المعابد البوذية . بعضها ضخم ترتفع عشرات الأمتار فوق سطح الأرض ، وبعضها صغير تشبه النماذج المبنية للعرض ، أو الزينة لكنها متشابهة ، تتخذ شكل " الباجودا " . أدوارها مربعة يقل حجمها كلما صعد البناء ، ولها أفاريز ندور حولها ، ينحنى سطحها إلى أسفل وتلتقى فى جزء بارز عند كل ركن . تتدلى منها عشرات الأجراس الصغيرة المصنوعة من النحاس . عندما يهب النسيم تهتز ، فيصدر عنها رنين صاف ، تملأ الجو بموسيقى جميلة.
حول المعابد ترفرف أسراب من الحمام ، أو تقف صفوفاً فوق الأفاريز المحيطة بأدوارها ، تملأ الجو بحفيف أجنحتها ، وبصوتها الحنون . تطل علينا من أعلى برؤوسها الصغيرة ، كأنها تتبع حركة الناس يروحون ويجيئون طوال الوقت ، أو يجلسون على الدرجات فى سكون ، كأنهم يستريحون من عناء المشى ، أو يبيعون سلعهم فى الأحواش المحيطة بالمعابد بعد أن تهدمت أسوارها . سكاكين ، وأقفال ، وآوان ، وتماثيل من الخشب ، ومناديل ، وبعض قطع النقود القديمة .
هبطنا من الدراجتين ، وسرنا على أقدامنا فى السوق وسط الجموع . شاب يحاول زحزحة أحد الباعة الجائلين من مكانه . على ملامحه صرامة تبدو مفتعلة فى وجهه الطيب ، الودود . إلى جواره يقف شرطى يشاهد ما يدور دون أن يتدخل ، وحولهم حلقة واسعة من الناس لا يتدخل منهم أحد فى النزاع الدائر أمامهم ، لكن كلهم ينصتون بأهتمام . أحس بالجو العام فيه سلام ، وسذاجة ، وتخلف القرون .
سرنا على أقدمنا حتى وصلنا إلى نهر " باجماتى " يلتف فى واد عميق حول تل كبير . على ضفافه بيوت متناثرة صغيرة مبنية على طراز " الباجودا " البوذى ، فالأغلبية الساحقة من السكان فى نيبال بوذيون . البوذية لم تنتشر فى موطنها الهند ، ولكنها سارت خارجها كالنار فى الهشيم . فى نيبال ، وسيلان ، وبورما ، ثم بعد ذلك فى الهند الصينية ، وتايلاند ، والصين .
على أطراف المدينة يعيش أفقر السكان ، يعانون من الحرمان ومن جوع يأكل فى الأجسام . الوجوه فيها صفار يشوبه فى الخدود احمرار خفيف ، علامة تدل على فقر الدم الشديد . أجسام الأطفال جلود على عظام ، وبطونهم منتفخة ، ومتورمة بسوائل الجسم تتراكم فى الأنسجة بسبب غياب البروتين ، أى غياب اللبن ، و الجبن ، و البيض ، واللحم فى الطعام . أجسام الرجال والنساء تشبه أجسام الأطفال ضامرة ، وفى وجوههم شيخوخة مبكرة رغم أنهم ما زالوا فى سن الشباب ، وذلك الجمود الذى يدل على تخلف العقل ، وتبلد الإحساس . العيون فيها نظرة واحدة لا تتغير ، نظرة عاجزة عن الرؤية ، عن معرفة ما يدور ، مطفأة ، بلا إدراك . فمتوسط العمر فى نيبال أربع وعشرون سنة ، وبين كل مائة طفل يولد ، يموت عشرون .
صعدنا حتى معبد القرود . يدور الدرج المنحوت فى الصخر حول الجبل ويرتفع كالحلزون . فالمعبد مبنى فوق تل عال ، والوصول إليه يقتضى الصعود فوق مئات الدرجات. وعلى طول المسافة حتى القمة عشرات القرود ، رمادية أو بنية اللون تطل إلينا من عيونها الماكرة اللامعة فى الوجوه العجوزة ، أو تقفز فوق الأشجار ، والدرجات ، والجدران .
المعبد مربع الشكل رسمت على جدرانه الأربعة الخارجية ، أربع عيون كبيرة تنظر فى الأربع اتجاهات ، شمال ، وجنوب ، شرق ، وغرب . عيون غريبة ، مسحوبة ، تضيق بين جفونها . تطل على المدينة من أعلى بنظرات فيها غضب ، وشر كأنها تهدد السكان الآمنين ، تنذرهم بعواقب أى خروج عن تعاليم القوى الغامضة التى تهيمن على حياتهم .
عيون لا تنام ، ساهرة ، متنبهة ، ترى كل ما يتم فى الشوارع ، والبيوت ، تراقب سكان مدينة كاتماندو فى النهار ، وفى الليل .
الناس يصعدون سلالمه فى آخر النهار حاملين السلال ، مواقد الكيروسين . يعدون الطعام ، ويتناولون عشاءهم أسفل المعبد حتى يتقربوا من الأرواح . يطلون من أعلى الجبل على النهر ، وعلى الوادى ، على الشمس ، والأشجار تتمايل فى النسيم .
إلى جوار المعبد يوجد منزل للرهبان . ألمح ملابسهم البرتقالية ، والحمراء معلقة على حبل للغشيل . على الجدار المحيط بالحوش الكبير يجلس السواح ، ومن بينهم امرأة تتحدث بالفرنسية . شابة ولكن وجهها شاحب عجوز ، متآمل ، مشدود .. جسمها ضامر تهدل حوله اللحم ، وعيناها مساحتان واسعتان من السواد ، تحملقان أمامها ، بلا إحساس . تجلس كمنْ نسى العالم تماماً ، فى حالة كاملة من الشرود .
هذه المرأة عرفت فيما بعد أنها جاءت إلى كاتماندو منذ سنين . تحيا على حقن المورفين . مدمنة بين آلاف المدمنين ، عرفوا الطريق إلى كاتماندو . عرفوا الطريق إلى المخدرات يعيشون فى عالم معلقين بين الأرض والسماء ، فى هذه البقعة الجميلة الصافية ، لينسوا الدنيا وكل ما فيها من مأساة .
*****
جلسنا فى حديقة الفندق قبل الغروب بقليل . البلد صغير وبعد أنتهاء ساعات العمل لا توجد فيها أى وسائل للتسلية ، سوى الاستمتاع بالجو الجميل ، والحديث . وهكذا تقاربت من زميلى الآتى من أمريكا اللاتينية فى مدة قصيرة .
أسمه هوزيه أى جوزيف وبالعربية يوسف . أصله من بيرو . قصير القامة ، عريض الجسم . عيناه حزينتان . إنه قلق على الدوام . نظراته تتلفت هنا ، وهناك ، كأنه لا يشعر أبداً بالاطمئنان . يعتنى عناية دقيقة بهندامه ، وكل شعرة فى رأسه تبقى مكانها . حول عنقه يرتدى البابيون .
ولد فى أسرة فقيرة ، فتطلع إلى منْ هم أوفر حظاً ، وأعلى فى المقام الاجتماعى . سعى إلى الصعود عن طريق العمل المستمر ، والجهد الشاق . تلقى تعليمه فى المدارس الحكومية ، فالمدارس الخاصة كانت تغلق أبوابها أمام أبناء وبنات الأسر الشعبية ، حتى وإن ستطاعوا دفع المصاريف . لذلك هاجر إلى الولايات المتحدة ، حيث كانت التفرقة تعتمد فقط على الإمكانيات المادية . أصبح مهندساً كيمائياً وعاد إلى بيرو ، ليمارس مهنته خلال فترة امتدت عدة سنين . بعد ذلك انضم إلى برنامج هيئة الأمم المتحدة للتنمية ، ليعمل خبيراً فى المشروعات الصغيرة . الآن أصبح يقيم فى بانجكوك ، بينما أسرته تعيش بعيداً عنه فى جنيف .
المحه يدور بعينيه حول الناس الجالسين فى الحديقة يستمتعون بالدفء الرقيق ، والنسيم . إنه تائه عن متع الحياة الصغيرة ، قلق على مصيره ، رغم أنه يشغل وظيفة دائمة فى منظمة دولية ويتقاضى عشرات الآلاف من الدولارات سنوياً . أحس كأنه يبحث على الدوام عن شىء ضاع منه . حتى حياته الزوجية فيها هذا القلق المستمر ، والتوتر الدفين . يحكى لى أن زوجته كاثوليكية مؤمنة تنفذ تعليمات الكنيسة بحذافيرها ، ولذلك ترفض نهائيا استخدام وسائل منع الحمل . كلما قاربها فى الفراش ، سيطر عليها شبح الحمل ، فيعجزان عن الاستمتاع ، حتى يقول لها " إذا أردت أن نمارس الحب يجب إلا يشاركنا الرب الأشياء التى نمارسها فى الفراش ".
يدور بعينيه القلقتين لا تستقران ، إلا عندما تقعان على صدور أو أرداف النساء . مازال يبحث عن الجنس طوال الرحلات . ضاعت منه الجذور ، والحياة مع الأسرة ، والأطفال . ضاع منه الحب ، ولم يبق له سوى آلاف الدولارات تتراكم فى البنك سنة بعد سنة . لكن هناك أشياء لا تشترى حتى بالدولارات . هناك أشياء بلا ثمن ، تكمن قيمتها فى الذات .
*****
خطواتنا هادئة فوق الرصيف . نلمح سراى الملك ونحن سائرين . خارج السور يوجد الذباب ، وأطفال حفاة يلعبون ، وسيارات الداتسون ، والتويوتا ، وإلى جوارها
" الركشا " يجرها آدميون بالراكبين . عند الحديقة العامة بياعون يعرضون قليلاً من البرتقال الجاف ، الضامر ، وأصابع من الموز السوداء اللون ، وحلويات مصبوغة بالأحمر ، والوردى ، والأخضر ، بألوان فاقعة توحى بالمرض المصنوع . وعند مسافة قصيرة سيدة عجوز يجلس إلى جوارها شاب ثيابه أسمال ، تكاد لا تستر شيئاً من جسمه الممدود فوق الرصيف . أمامها قفص تخرج منه فأرا أبيض ، يمسك بين أسنانه بورقة صغيرة التقطها من كوم موضوع على مقربة منها . تلتقط الورقة من بين فكيه وتبسطها على الأرض لتقرأ السطور المكتوبة عليها بقلم رصاص ، وتتلوها على الشاب . يستمع إليها كأن حياته تعتمد على المكتوب . يقوم ، ويخرج من جيب البنطلون الممزق قطعة من النقود ، ويلقى بها على الأرض أمامها . نصف روبية كان يمكن أن يأكل بها وجبة اليوم ، ولكنه دفعها لتقرأ له الحظ ، الذى اختاره له الفأر الأبيض من الكوم .
اتجهنا مرة أخرى إلى قلب المدينة . إلى " دوريان سكواير " ، حيث تتزاحم المعابد . أهمها وأكبرها " هانومان داكو " . عند بابه تمثال لقرد كبير يرتدى لباسا قرمزى اللون . هذا المعبد خاص بالإله " هانومان " ، أكثر الآلهة جبروتا . إنه مزدحم بالتماثيل . على جدرانه نقوش ملونة ، وأبوابه مصنوعة كالمشربيات المحفورة فى الخشب .
فى قديم الزمان كان الكهنة الهندوك ( فهذا المعبد يتبع الطائفة الهندوكية ) ينتزعون طفلة من أحضان إحدى الأسر الفقيرة ، ويأخذونها معهم لتدخل هذا المعبد . يطعمونها بسخاء ، يوفرون لها الراحة ، ورغد العيش ، ويلبسونها أفخر وأجمل الثياب . تبقى فى المعبد وعندها تصل إلى سن البلوغ يقدمونها ضحية للإله هانومان . يحملونها على دابة فى موكب مهيب جالسة على عرش من الذهب والحرير . ثم فى صمت الليل ينحرونها بسكين كالكبش الضحية فى عيد المسلمين . طقوس تشبه تلك التى كانت متبعة عند قدماء المصريين . التضحية بفتاة هى عروس النيل لضمان الفيضان ، والخير . فالمرأة كانت ولازالت حتى اليوم ، ضحية الآلهة الذكور يفرض عليها أن تضحى بحياتها حتى تستقر الأمور .
الزحام حول قارئى الكف والحظوظ شديد . جمع من الشباب يجلسون حول قارىء للأسرار والمصير . شيخ أسمر الوجه أبيض اللحية يشعل قطعا من الفتيل ، ثم يضع حبات من الأرز فى كف الجالسين حوله . يتمتم ببعض الكلمات ، ويضع إصبعه على قلب كل شاب منهم بالدور . عندما ينتهى من أحد الشبان الجالسين حوله ، يقوم من مكانه ليحل محله شاب أخر ، وليبدأ الطقوس من جديد . فكلما زاد التخلف كلما آمن الناس بالقدر ، والحظ ، والسحر ، وبالطقوس الغريبة لتنقذهم من شر مقيم ، وتجلب لهم ما يحلمون به .
فهم محاطون بالمخاوف ، والأعاصير لا يملكون فى حياتهم شيئاً ، ولا يبقى لهم إلا التضرع للقوى الخفية فى معابدهم .. للآلهة والمتحدثين بأسمهم . لا يبقى لهم إلا محاولة معرفة ما تخفيه الأيام . منذ قديم الزمان ولد القلق ، وعدم الاطمئنان يخلق رغبة ملحة فى معرفة أسرار الغيب .
*****
فى اليوم التالى وأنا عائد من المكتب ، توقفت فى الطريق بسبب طوابير السيارات التى ازدحمت فى الشارع الرئيسى المتجه إلى قلب المدينة . رأيت صفوفاً من الناس يقفون على الجانبين ، فاعتقدت أول الأمر أن هناك استعراض ، أو مهرجان ، أو مناسبة يحتفلون بها . ولكنى بعد قليل لاحظت وجود سيارات للجيش ، واللاسلكى ، وعسكر يحملون الرشاشات ، ومدنيين معهم بنادق .
على جانب الطريق سيارة فولكسفاجن بيضاء زجاجها تناثر فوق الاسفلت . الزجاج الجانبى به ثغرتان ، حيث اخترقتهما قذائف وجهت إليها . على الرصيف رقدت جثتان لرجلين ، كانا يرتديان سترة بنية اللون ، وحذاءاً أسود حول القدمين . شعر أحدهما أكرت كثيف .
علمت فيما بعد ، أنهما اغتيلا بواسطة عصابات الأسر المالكة الإقطاعية . فهما أعضاء فى حركة تنادى بالحريات ، والدستور . لكن عندما مررت على نفس الطريق قرب آخر النهار ، كان كل شىء قد عاد كما كان . لم يبق سوى الزجاج المنثور إلى جوار السيارة تقف قرب الرصيف ، يحرسها الآن رجل بوليس . الناس سائرون فى هدوء يتبادلون الأحاديث ، وجمع من الشباب يتفرجون عليها من بعيد . وشابة مومس تقف على الناصية ، وتشاور ناحيتى بحركة مستترة من يدها السمراء الصغيرة ، وتقول أويس كوم هير . أى نعم تعالى هنا .
من كتاب " وفى الأصل كانت الذاكرة " 2002
----------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان