الهجمة على الحريات المدنية ماذا تخفي؟

صوت الانتفاضة
2021 / 12 / 22

تتفاعل أكثر وأكثر قضية الهجمة المنسقة والممنهجة على "الهامش" من الحريات المدنية، فقد أجمعت كل القوى الإسلامية الرجعية المتحكمة بهذا البلد على تنسيق حملتها، واخذت كل قوة دورها، فمنهم من تظاهر واقتحم وصلى، ومنهم من بدأ بفتح مدارس وعظيه و "أخلاقية"، ومنهم من هدد وتوعد، ومنهم من اصدر البيانات، اما شيوخهم وكهنتهم فقد وجدوا اخيرا شيئا يتحدثون به.

ان هذه الهجمة لم تكن وليدة لحظتها او جديدة على قوى الإسلام السياسي، فمنذ ان جيء بهذه القوى الظلامية وهي بهجمة مستمرة على كل الحريات التي كسبها المجتمع عبر تاريخه النضالي، فلا غرابة ابدا بشراسة هذه الحملة الرجعية، ومن الممكن جدا ان تطور هذه القوى من هجمتها وتنفذ الى حد ما بعضا من تهديداتها، فشيوخ الفتوى موجودين، ويجلسون على منابرهم، ومستعدين لتحريك جماهيرهم العمياء والمغلوبة على امرها بأية لحظة.

لكن ما الذي تخفيه هذه الهجمة وفي هذا الوقت بالذات؟
هناك جانبان رئيسيان تخفيهما قوى الإسلام السياسي من خلال ما تقوم به هذه الأيام:

الجميع يدرك ان هذه القوى تمر بأسوأ ايامها، فأزمتها تتفاقم يوما بعد آخر، ولا يبدو ان هناك حلا يلوح في الأفق، الرعاة الإقليميين والدوليين في خصام تام، وهذه القوى ذيلية وتابعة وخاضعة لهم بشكل خالص، فمتى ما تصالحا او اتفقا على شيء ما فأن الأوضاع ستشهد استقرارا الى حد ما، لهذا فأن القضية لا تتعلق ابدا بالمحكمة الاتحادية او المفوضية او الطعون او غيرها من المسائل الغبية...، هذا كلام فارغ جدا، يخدعون به جماهيرهم فقط، المستسلمة والخاضعة لأمرهم.

اذن هذا جانب رئيسي واساسي لتصريف الازمة، والا فأن الحفلات التي تقام هي بأمر منهم، والدعوات هم من يطبعها ويرسلها، وليس هناك جمعيات او منظمات تستطيع ان تفعل ذلك، والمنافذ الحدودية جميعها "البرية والبحرية" هم من يفرضون سيطرتهم عليها بشكل تام، فلا يمكن ان تمر سيارة حمل دون معرفتهم، بل ان هناك تبليغ شفهي لجميع السيطرات بعدم اخذ اتاوة او ضريبة او تفتيش للسيارات التي تحمل المشروبات الكحولية، فكل مخازن البيع والاندية الترفيهية والبارات الرديئة هم مسؤولين عنها او مشتركين بها او مساهمين في وجودها، حتى مواخير الدعارة، والاتجار بالمخدرات والنساء، لهم اضلع في ذلك.

القضية لا تتعلق ابدا بمطرب "اسود، داعر، مخنث" كما يصفه أحد شيوخ الفتوى الرجعيين، او بصرف ثلاث ملايين دولار، فهذا رقم تافه جدا امام نهب مئات المليارات من الدولارات وعلى مدار ثمانية عشر عاما، وجعل البلد خاوي تماما من أية خدمات صحية او تعليمية او صناعة او زراعة او كهرباء، والبطالة والفقر والعوز ينهشان بجسد هذا المجتمع، فضلا عن عمليات القتل والاغتيال والاختطاف التي تقوم بها ميليشياتهم.

لقد أرادوا، وبصيغة ما، ان يديروا كامرة المراقبة الجماهيرية عن واقعهم المأزوم، فلجأوا الى احتفالات الناس وفرحهم، وقادوا هجمة رجعية وظلامية، يتقدمهم شيوخ المنابر، الذين لم يتحدثوا يوما عن عمليات النهب، ولم يطلبوا من جماهيرهم المفقرة والكادحة التظاهر والاعتصام للمطالبة بحقوقهم، الذين لم يتحدثوا عن عمليات النهب والفساد، ولم يطالبوا بمحاكمة هذا او ذاك من اركان السلطة؛ لكن هؤلاء الشيوخ والملالي والكهنة فجأة وكأن امرا ما قد نزل عليهم، يأمرهم بتوجيه الناس الى الاعتراض على إقامة هذه الحفلات، ويا لبؤسهم وقباحتهم.

اذن ما الذي تريده قوى الإسلام السياسي غير تصريف أزمتها؟ لابد ان يكون هناك سببا آخر، فالحملة والهجمة على الحريات المدنية بلغت اوجها، فقد وصلت الى مستوى قادة الأحزاب والميليشيات ذاتهم، وخطابهم تدنى الى الحضيض، وصلوا الى شتم المطرب ونعته بأسوأ الاوصاف "اسود، داعر، مخنث، قذر، ساقط" الخ القائمة من الشتائم والالفاظ النابية، التي يخجل المرء من التفوه بها.

الواقع الاجتماعي في العراق يشير بشكل واضح الى ابتعاد الناس عن قوى الإسلام السياسي، فهذه القوى الفاشية كانت قد نهبت وسرقت ثروات هذا البلد، وجعلته مديونا للجميع، بل انها جعلته رهينة رغبات صندوق النقد والبنك الدوليين، بالإضافة الى الخراب والدمار الذي لحق بكل تفاصيله، هذا غير الموت الذي يلاحق الناس، وبأشكال ومسميات شتى؛ كل تلك الأسباب وغيرها الكثير، جعلت الناس تنظر لهذه القوى بشكل آخر غير نظرة السنوات الأولى من مجيئهم، بدأت تبتعد عنهم وتنفر منهم، وقد تكون انتفاضة أكتوبر-تشرين أوضح دليل على ذلك، للمشاركة الكبيرة والفاعلة بها، ومن قطاعات واسعة من الناس، والتي طالبت بشكل لا لبس فيه بإسقاط النظام.

امام واقع كهذا كان لابد لهذه القوى الظلامية من ان تعمل لوقف هذا المد التحرري، التنويري، العلماني، المساواتي، وليس امامهم غير إعادة العمل ب "استراتيجية اسلمة المجتمع بالقوة"، والتي عملوا بها في الأيام الأولى لتشكل الميليشيات، وقتها شنوا هجوما عنيفا ودمويا على كل مظاهر المدنية "تفجير مخازن بيع المشروبات الكحولية، اغلاق صالونات التجميل وقتل العاملات فيها، توزيع الحجاب والجوارب على النساء في الأسواق، اغلاق دور السينما والمسرح، قتل وتعذيب من يشرب الكحول، الغاء درس النشيد والموسيقى" والقائمة طويلة...

كانت تلك أيام قروسطية ظلامية بامتياز، اختفت فيها المرأة تماما، كانت هي الضحية الرئيسية؛ أضحت المدن مدن اشباح، فقط الميليشيات والقاعدة من تصول وتجول، لقد فرضوا على المجتمع وبالقوة تقاليدهم ورؤاهم وافكارهم وتعاليمهم، بالاختصار كل العفن التاريخي.

هذه الأيام يريدون إعادة انتاج أنفسهم وتعاليمهم، يريدون إعادة صياغة المجتمع على مقاساتهم؛ لهذا انبرى مشايخهم وكهنتهم وملاليهم، وعبر منابرهم لتحشيد وتجييش جماهيرهم، لإخضاع المجتمع، عبر الترهيب والتخويف والتهديد، فليس لديهم أي سلاح آخر، لكن هذا المجتمع أدرك تلك الالاعيب القذرة من هذه القوى الرجعية والمتخلفة، فلقد ادار ظهره لها، ولن يلتفت ابدا الى الوراء، انه يريد ان يحقق حياة كريمة وامنة، ولن يكون وجود لتلك الحياة بوجود هذه القوى الفاشية.

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين