العنصر المأساوي في تدهور الغرب

عادل صوما
2021 / 12 / 21

لفت الاستاذ طارق الهوا في مقاله "الاستعمار الإلهي والاستعمار الانساني -2" المنشور في "الحوار المتمدن"، والمؤرِخ دانيال بايبس في مقابلته مع إيستي بيفاليهEesti Paevaleht "الهجرة والاسلام والتعويض الغربي" المنشورة في منتدى الشرق الأوسط، نظري إلى عنصر قاله المؤرخ الموسوعي أوسفالد شبنغلر في تدهور الغرب. كان العنصر المأساوي غير واضح في لاوعيي منذ كنت طالباً جامعياً.
أشار طارق الهوا إلى وجود النية عند الغرب لتدمير أسس حضارته! وقال دانيال بايبس رداً على سؤال عن نظرية "الاستبدال العظيم" لصاحبها رينو كامو "لا أؤمن بمؤامرة تتآمر النخب من خلالها على تغيير ناخبيها لصالح المسلمين والأفارقة، لكني أرى تلك النخب حريصة على تهدئة ضمائرهم المذنبة من خلال جلب المسلمين والأفارقة. وكيف يكون أفضل من هذا أن يعالجوا خطايا الغرب الثلاث الكبرى المتمثلة في العنصرية والفاشية والإمبريالية؟
أوسفالد شبنغلر
يعتبر شبنغلر الثقافات كائنات حية ذات طابع خاص كالنباتات والحيوانات والبشر، لكن بتعقيد حيوي أعلى، وكل ثقافة لها روحها المُميزة التي تعبر عنها بصيغ فنية وعلمية وسياسية واقتصادية ودينية.
التاريخ لا يُقسم حسب شبنغلر إلى فترات بل ثقافات تتطور كما تتطور الكائنات الحية، وللثقافات عمر حوالي ألف سنة، والمرحلة الأخيرة منها تسمى حضارة، ووفق شبنغلر فإن العالم الغربي يحتضر وما نشاهده هو الفصل الأخير أو الشتاء للثقافة الفاوستية (نسبة إلى فاوست) وحسب شبنغلر فإن الرجل الغربي شخص فخور ولكنه مأساوي، ورغم كفاحه وإبداعه فإنه لا يعرف غاية حقيقية يمكنه الوصول إليها.
أسس الخوف
انحدار الغرب الذي نراه اليوم ويحذّر العَلمانيون والمستنيرون منه، سببه الخوف على منجزات التفكير الابداعي وحريته وأشكال الدول المدنية التي كانت من ثمار عصر النهضة. والخوف ينبع في أحد جوانبه من سيطرة الظلامية، الذي يرفضها الشرق الأوسط ذو الأكثرية المسلمة، بينما تفتح أوروبا والعالم الغربي الأبواب لها حامية ومرحبة، وحسب ما يقول بايبس كمبرر لامعقولية ما يحدث بتقنية تأنيب الضمير النفسانية: "أرى تلك النخب حريصة على تهدئة ضمائرهم المذنبة من خلال جلب المسلمين والأفارقة. وكيف يكون أفضل من هذا أن يعالجوا خطايا الغرب الثلاثة الكبرى المتمثلة في العنصرية والفاشية والإمبريالية؟"
الغرب لا يشعر بالذنب بل نخبه، والمريب أن النخب تعرف التاريخ، وتدرك تماماً أن كل الشعوب القادرة القوية مارسوا العنصرية والفاشية والإمبرالية، بل مارس كثير من الأنبياء هذه الامور وأسوأ منها بتوجيهات من الله أحياناً. لم تعتذر تلك الشعوب عما فعلوا لأن قادتهم أجبروهم أو كانت إرادة الوحي السبب أو كانت طبيعة الحياة هكذا، ومن هذه الشعوب العرب الغزاة الذين لم يعتذورا عن الثقافات التي سحقوها بل هم يفخرون بذلك، كما لم تتحرك ضمائر نخب جميع الذين أذنبوا بحق الآخرين، كما تحاول نخب الغرب الليبرالية عن سابق تصور وتصميم تسويق موضوع الضمير الآثم أو وسوسته في روح الغرب ليسقط. كلُ حسب ترويج السلعة المطلوب منه ترويجها؛ مآسي الاستعمار.. شرور الحروب الصليبية.. تأنيب الضمير من الهولوكوست.. جرائم الفاشية.. حروب هتلر .. التحالف بين اليسار والإسلاميين.. الحرية المفرطة المدمرة.. إلخ.
بل أن شبنغلر نفسه رغم موسوعيته تجاوز سحق الحضارات المتوسطية الأصيلة الذي قام به الغزاة العرب الأجلاف (كما قال الفرس عنهم) ورأى أن الحضارة العربية تشمل جميع الحضارات التي قامت في الشرق الأوسط من حدود الصين حتى شمالي إفريقية. وهذا العالم لم يجد هويته الحقيقية ولم يكتشف وحدته إلا من خلال الإسلام، وهنا يكمن النجاح الكبير الذي تَحَقَقَ في هذه المنطقة من العالم، حيث استطاع الإسلام أن يحول هذه المنطقة الممزقة إلى وحدة حضارية تربط بين جميع الثقافات والعادات والتقاليد والخصوصيات العرقية، ومن خلال الإسلام نشأت الحضارة العربية الإسلامية التي بلغت ذروة نضجها وازدهارها إلى أن جاء الصليبيون ووضعوا الأحرف الأولى في مأساة انهيارها، فالعرب عند شبنغلر قد استطاعوا تأسيس وحدة شعوبية على شكل إمبراطورية بلغت أسمى درجات الازدهار والتقدم*.
عناصر الإنحطاط
يعتبر هدم الثقافة المسيحية نفسها أول وأخطر عناصر تآكل الغرب. المسيحية مع مرور السنوات تحولت إلى منظومة ثقافية متكاملة توجت بعصر النهضة الذي أعاد المسيحية إلى أصولها الايمانية الأولى، فقد رفض المسيح شخصياً التعاطي بالسياسة أو قيادة شغب ثوار اليهود ضد الامبراطورية الرومانية لينالوا حريتهم.
هدم النخب الليبرالية الغربية الخبيث للثقافة المسيحية الذي يحدث في الغرب السبب الأخطر لسقوطه، لأنه سيحوله إلى مجتع مُستهلِك فارغ بدون أي عقيدة أو هدف، مؤهل للتلاشي تحت تأثير أي ثقافة.
الغربيون مسيحيون، شاءوا أو رفضوا عن سفسطة لغوية نخبوية فارغة من أي مضمون منطقي، قامت حضارتهم الحديثة بعد عصر النهضة على أسس علمية وعَلمانية وقيم مسيحية، وتفريغ الغربيين من أسس حضارتهم يُعد تدمير هيكلة مجتمعاتهم وقوانينهم ودساتيرهم وبالتالي انهيارهم.
قبول الهجرة بأعداد عظيمة كتكفير عن عنصرية وفاشية وإمبريالية لا علاقة بالبشر الموجودين حالياً بها ولم تكن مسؤوليتهم، أو عوضاً عن تدني نسبة التوالد يعتبر العامل الثاني في تدهور حضارات الغرب.
علمياً، يمكن زرع بضع أشجار استوائية في بيئة باردة تحت ظروف معينة وبمعالجات خاصة، لكن زراعة شتول مليون شجرة استوائية في بيئة باردة سيسبب الخراب للطرفين؛الأشجار والبيئة. الأمر أوضح أكثر في الكائنات الحية، فيستحيل حياة أسماك النهر في البحر أو المحيط، لأن أي معالجة ستنتهي بقتل السمك وتلوث البيئة.
هكذا يمكن لبضع مئات مسلمين أو أفارقة العيش في بيئات غربية لو كان الامر اختيارهم لأنهم سيتأقلمون عن قناعة، لكن هجرة ملايين بسبب الحروب أو البحث عن دول أفضل من دولهم عبثي نتائجه وخيمة.
كان المسلمون الذين اختاروا الحياة في الغرب وتجنسوا قبل ستين سنة ممتنين وفخورين بحياتهم فيه، ويتمنون أن تصبح بلادهم مثل الغرب، بينما معظم ابنائهم المواطنين اليوم يعتبرون أن الغرب لا يناسب جذورهم العربية، ومن ثمة لا يندمجون بالزواج من غربيات، وبعضهم يرون يجب أن الغرب يجب أن يعتذر ويدفع ثمن الحروب الصليبية والاستعمار للمسلمين.
ثالث عوامل انهيار الغرب محاولة انفصال بعض مواطنيه عن الدول، من خلال الاندماج في وطن ديني لا وجود واقعياً له يرفض الهويات ويحتقر الدول، وعندما عبّر ايمانويل ماكرون بدون مواربة وقال "الانفصال عن الجمهورية"، بدأت الجمهوريات ذات الدول الاسلامية العميقة فيها تطلب منه تحديداً الاعتذار عن ماضي فرنسا الاستعماري.
رابع عناصر تدهور الغرب العنصر المأساوي الذي تنبأ به شبنغلر لكنه لم يتخيله.
لماذا تدمر نخبة الغرب الليبرالية أساسات ثقافتهم بأنفسهم؟ لأنهم أصبحوا سطحيين مُستهلكين مُتنكرين لثقافتهم، لا وجهة ثقافية محددة تُرجى مما يقولون سوى الفراغ. شتان ما بين هذه النخبة المستفيدة من التكنولوجيا ونخبة عصر النهضة التي مهدت للإختراعات التي غيّرت وجه الحياة على الكوكب. كل شيء قابل للتخلي عنه حسب طرحهم الفكري الليبرالي الذي بدأ شباب الغرب يؤمنون به وسيؤدي بهم إلى الانحدار "فإنه لا يعرف غاية حقيقية يمكنه الوصول إليها"، كما قال شبنغلر.
تحولت أوروبا بشكل خاص إلى لوحة جميلة تنتظر من يضمها إلى مقتنياته، والخوف أن تتحول بقية الدول تحت المظلة المسيحية الثقافية إلى المصير الأوروبي نفسه، فالرفاهية واللامبالاة ورفض بناء أسرة للاستمتاع بالحياة والتقنية والعيش بدون عقيدة فكرية حالة وفاة حضارية مُرفهة تثير الطامعين في وراثة موتاها.
قايض الشيطان فاوست على روحه وجسده مقابل إعادة شبابه لأربع وعشرين سنة، وتقايض النخبة الليبرالية أوروبا على فقدان روحها وجسدها، مقابل صك غفران للعنصرية والفاشية والإمبريالية التي مارستها أجيال في الماضي ولا تتحمل الأجيال الحالية مسؤوليتها. والاعتذار عما بدر من أفعال لا إنسانية في الماضي يجب صدوره من الجميع وليس الغرب فقط.
المأساة واضحة مُكررة حتى في العصر السيبراني. استنساخ فكرة الإله الذي اخترعه البشر ليعاقبهم بالموت على ذنب فعله جدهم الأول، بينما هذا الإله المُختَرع لا وجود علمياً له، تماماً مثل أبو البشر، ناهيك على أن الموت فعل بيولوجي محتوم ويستحيل اعتباره عقاباً سوى في الأساطير.

*أشك شخصياً في هذا الطرح لأنني قرأت أعمال شبنغلر مترجمة، ولي مع الترجمة غير الأمينة سوابق خدعتني، مثلما حدث مع ترجمات بعض أعمال جورج برنارد شو وتوماس كارليل.
كما أن هناك مغالطة تاريخية كبيرة لا أفهم كيف وقع فيها مؤرخ موسوعي مثل شبنغلر، فالصليبيون لم يضعوا الحروف الأولى في مأساة انهيار الحضارة الموروثة الناطقة بالعربية، بل العرب أنفسهم حين طمسوا كل الثقافات التي سيطروا عليها، ثم تلاشي القليل الذي ظل بفضل الكتاتيب التي لقنّت وكفّرت كل ما سبق واعتبرت كل جديد بدعة وكل بدعة في النار، ثم عبّد العثمانيون طريق الانحطاط لمدافع نابليون بونابرت ومطبعته وعلمائه الذين أيقظوا الوعي وجعلوا سكان الشرق الأوسط يدركون أنهم يعيشون خارج التاريخ وداخل تضاريس جغرافية الأساطير!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت