تشيلي | يجب أن يعترف الدستور الجديد بحقوق التشيليين في النحاس والليثيوم والماء

تامر خرمه
2021 / 12 / 16

دعونا نحشد لهذه الحملة!
التحركات الاجتماعية التي بدأت في 18 تشرين الأول 2019، أظهرت غضب الشعب التشيلي من الافتقار إلى الحقوق الاجتماعية، ومن غلاء المعيشة، والأزمة البيئية. في الوقت الذي يعيش معظمنا في فقر أو دين، تجني حفنة من أصحاب الملايين ثروات هائلة، تنتقل من جيل إلى آخر ليرثها أحفادهم.
تشيلي ليست دولة فقيرة. الأراضي التشيلية تمتلك تنوعا كبيرا من الموارد الطبيعية، والتي تحولت عبر العمل البشري إلى سلع وبيعت في الأسواق، مولدة ثروة هائلة. ومع ذلك، فإن هذه الثروة المتولدة لا يتم استخدامها لحل مشاكل الناس، بل تتراكم، عوضا عن ذلك، في أيدي عدد قليل من العائلات التشيلية والأجنبية. وفوق هذا، فإن الاستغلال غير العقلاني لموارد الأمة يسهم في زيادة الدمار البيئي.
النحاس كان هو الثروة المعدنية الرئيسية للبلاد خلال القرن الماضي. سلفادور أليندي دعى هذا المعدن بـ “راتب تشيلي“. اليوم، نحو 50٪ من صادرات تشيلي هي من النحاس. إننا أكبر منتج عالمي بأكبر احتياطي. هذا المعدن هو أحد أهم الموارد الطبيعية للاقتصاد العالمي، وهو حاسم في البناء، والطاقة، وصناعة المركبات، والمعدات الكهربائية والإلكترونية، والحلى المنزلية، وغير ذلك الكثير.
على مدى العقدين الماضيين، قامت شركات كبرى متعددة الجنسية، وثلة من العائلات التشيلية، بنهب البلاد حرفيا. الأرقام الأكثر تحفظا تقدر أن هؤلاء اللاعبين ينهبون أكثر من 12 مليار دولار سنويا _هذا غير الأرباح “العادية” للتعدين الذي يتم على نطاق واسع_ (المرجع: قسم الاقتصاد بجامعة تشيلي). بأموال النحاس، يمكننا حل سلسلة من المشاكل الاجتماعية، كالإسكان، والصحة، والتعليم. وبدلا من ذلك، ينتهي الأمر بهذه الثروات في جيوب رجال الأعمال الأمريكيين، أو الكنديين، أو اليابانيين، أو التشيليين الكبار. اليوم، أكثر من 75٪ من النحاس الذي هو لنا في أيدي شركات خاصة، معظمها أجنبية، مثل بي إتش بي بيليتون، وأنجلو أمريكان، وجلينكور، وفري بورت، وأنتوفاغاستا للمعادن (مجموعة لوكسيك).
تشيلي لديها أيضا وفرة من الليثيوم. إلى جانب بوليفيا والأرجنتين، نمتلك أكبر احتياطيات في العالم. وفقا لمتخصصين دوليين، سيصبح الليثيوم “الذهب الأبيض” الجديد في المستقبل، حيث يتم استخدامه في إنتاج الكثير من التقنيات الجديدة، وخاصة بطاريات السيارات الكهربائية. الليثيوم التشيلي يتم تسليمه كهدية. أول المستفيدين كان جوليو بونس ليرو، صهر بينوشيه السابق، والذي أصبح مالكا لشركة “سوكيميتش” خلال فترة الحكم الديكتاتوري، وهو اليوم أحد أقطاب الليثيوم، حيث يتقاسم استغلاله مع الشركة الصينية العملاقة “تيانكي”. الولايات المتحدة تستحوذ أيضا على حصتها من تجارة الليثيوم مع شركات مثل ألبيرمال.
يجب أن يكون الموضوع الرئيسي للدستور الجديد هو استعادة النحاس والليثيوم والسلع المعدنية الأخرى. خلال العقود الماضية، شنت الشركات متعددة الجنسية، وكبار رجال الأعمال التشيليين، حملة تضليل ضخمة. لذا، فإن معظم أبناء شعبنا يجهلون حجم هذا النهب الذي تم محوه عن قصد من النقاش العام. هذا ينعكس أيضا في برامج مرشحي الرئاسة، الذين لا يقترحون استعادة هذه السلع، وهو شرط أساسي لحل مشاكل الناس الذين يسكنون هذه المنطقة. يجب أن تكون مسألة استعادة السيادة على مواردنا الوطنية محور كل نقاش سياسي واقتصادي.
لهذا السبب نريد أن نبدأ حملة التأميم لشركات تعدين النحاس والليثيوم الكبرى، دون تعويضات. لماذا نقترح أن يكون الأمر بدون تعويضات؟ لأن هذه الشركات سبق وأن سرقت بالفعل أنهارا من الأموال على مدى العقود الماضية، باستغلال السلع الطبيعية التي تعود لكل سكان تشيلي.



المياه والمشكلة البيئية


الاستغلال الرأسمالي للنحاس والليثيوم يلحق أضرارا بالغة بالعاملين في هذا القطاع، وبالمجتمعات، والبيئة. أول من يعاني من عواقب هذا الاستغلال هم العمال، الذين يعملون لساعات طويلة، ويصابون بأمراض تتعلق بطبيعة عملهم (أكثرها شيوعا بين عمال مناجم النحاس هو مرض السحار السيليسي)، وينقلون هذه الأمراض إلى منازلهم، والعدوى إلى أسرهم. المجتمعات القريبة من مشاريع التعدين الكبرى تتضرر أيضا من جزيئات الغبار وتلويث وتدمير الأنهار والمياه الجوفية، ما يترك الكثير من المجتمعات دون إمكانية الوصول إلى المياه. وفي النهاية، تعاني الطبيعة أضرارا جسيمة بسبب التعدين الرأسمالي على نطاق واسع: تدمير الأحواض والأنهار الجليدية، والنظم البيئية بأكملها.
لذا، فإن أي مشروع لتأميم الموارد المعدنية يجب أن يكون مصحوبا بنقاش جاد حول كيفية الاستخراج. يجب وقف الاستغلال الرأسمالي غير العقلاني، واتخاذ تدابير لتقليل وإصلاح الضرر الاجتماعي والبيئي. ستكون إحدى المعارك الأساسية حول إلغاء كافة حقوق استخدام المياه، والتي هي اليوم في أيدي كبار رجال الأعمال. يجب إدارة استخدام المياه من قبل مجموعة سكانية منظمة.
من الضروري أيضا أن نبدأ في مناقشة الحاجة إلى تغيير المصفوفة الإنتاجية للبلد، حتى نصبح أقل اعتمادا على تصدير المعادن والمنتجات الأولية، ونستثمر، بدلا من ذلك، في تطوير طرق جديدة لتسخير الطاقة، والعلوم والتكنولوجيا، وإنتاج الغذاء، وكافة القطاعات الصناعية في البلاد. أثناء إعادة تنظيم الإنتاج، لا بد من إعطاء الأولوية دائما لتقليل التأثير البيئي وجعل التعافي الايكولوجي ممكنا.



من أجل سيطرة العمال والشعب


عندما نتحدث عن تأميم النحاس أو الليثيوم، علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد أن يتم استغلال هذه السلع من قبل شركة كوديلكو، شركة التعدين الحكومية، كما هو حالها اليوم؟ إجابتنا النهائية هي: لا!
كوديلكو تعمل كما تتوقع من عمل شركة رأسمالية. إنها تحدد إيقاع إنتاجها وفقا للسوق العالمي، دون الاهتمام بالضرر البيئي والاجتماعي الذي يسببه التعدين على نطاق واسع. علاوة على ذلك، فإن كوديلكو تدار كشركة خاصة. المدراء والإداريون والملاك يتناوبون في العمل بالقطاعين الخاص والعام. المناصب الإدارية للشركة يتم تقاسمها بين البرجوازية الكبرى وأحزابها، وهي نفسها التي أدارت الدولة التشيلية على مدى السنوات العشرين الماضية – الكونسرتاسيون (أي الإتفاق) السابق واليمين. رئيس كوديلكو الحالي، خوان بينافيدس فيليو، هو رجل أعمال ثري من القطاع الخاص يعمل في شركات مثل فالابيلا، وايه اف بي هابيتات، من بين شركات أخرى. الموارد التي تنتجها الشركة تنتهي في أيدي دولة فاسدة ليس من أولوياتها تمويل الاحتياجات الاجتماعية. وهكذا نرى كيف تدعم الدولة الشركات الكبرى في مختلف القطاعات بينما يموت آلاف العمال في انتظار أسرّة المستشفيات العامة.
إضافة إلى ذلك، تم استخدام كوديلكو لتمويل القوات المسلحة من خلال قانون احتياطيات النحاس. هذه الموارد تم استخدامها لشراء الأسلحة ودعم الفساد الأرعن لكبار الضباط، ما أدى إلى ولادة قضايا مثل فضيحة “ميليكوجيت” (قضية فساد في شيلي، حيث تم اختلاس أموال بموجب هذا القانون من قبل أفراد من الجيش التشيلي بين عامي 2010 و 2014، وقد كشفت صحيفة “ذا كلينيك” عن هذه القضية عام 2015 عبر سلسلة من المقالات موقعة بقلم الصحافي ماوريسيو ويبل). ودائع كوديلكو يتم تسليمها بالكامل تقريبا للشركات الخاصة، وكبار المقاولين (شركات وأشخاص لديهم عقود مع الدولة). نحن لا نتحدث عن شركات صغيرة ومتوسطة ، بل عن شركات مثل “أكسيونا”، والتي تعود لإحدى أغنى العائلات في إسبانيا. الشركات الكبرى مثل “جيوفيتا”، و”زبلن”، و”بيزاروتي”، و”ماز إيرازوريز” وغيرها تحقق أرباحا هائلة لمساهميها، بينما يبقى العمال المتعاقدون دون حقوق عمل، وتحت وطأة الاضطهاد المستمر المناهض للنقابات. كوديلكو ليست مجرد شريك في هذا، بل إنها تدافع عن هذا النموذج وتعيد إنتاجه.
لهذا نقول إنه لا يكفي تأميم النحاس مرة أخرى وتسليمه لشركة كوديلكو. علينا تغيير منطق هذه الشركة المملوكة للدولة بالكامل. من الضروري إعادة تأسيس كوديلكو بحيث تكون تحت سيطرة العمال، بمشاركة كافة المجتمعات المتأثرة بالتعدين على نطاق واسع. يجب أن نفعل الشيء نفسه مع الشركات الأخرى التي تستغل السلع المعدنية، مثل “اس كيو ام” أو “ألبيرماليه”. هذا سيتيح لنا استعادة الشركات الرئيسية المنتجة للثروة في البلاد من أيدي كبار رجال الأعمال وأحزابهم السياسية.
السيطرة العمالية والشعبية ليست يوتوبيا. في السبعينيات، استولى التشيليون على أهم مصنع للنسيج في البلاد، وهو مصنع يارور، وأعادوا تشكيل الإنتاج لإعطاء الأولوية لاحتياجات الناس عوضا عن تصدير السلع الكمالية. ظروف عمال هذا المصنع تحسنت نوعيا (الأجور، وساعات عمل أقصر، واستحقاقات للأسر، إلخ). علاوة على ذلك، بدأت الشركة بإنتاج سلسلة من الآلات والأدوات التي كان عليها استيرادها في السابق بتكاليف باهظة.
ليس لدينا شك في أن كوديلكو وغيرها من شركات التعدين يمكن أن تدار من قبل مجلس العمال والشعب للتعدين، والذي سيحل محل مجلس التعدين الحالي، الذي يستحوذ عليه كبار الرؤساء الذين ينهبون البلاد.
سيطرة العمال والشعب على شركات معينة يجب أن تكون مجرد خطوة باتجاه تعزيز حركة اجتماعية تتوج برقابة عمالية وشعبية حقيقية، بحيث يتحكم العمال في الدولة، ويديرون الشركات الرئيسية فيها (شركات الكهرباء، والموانئ، والبنوك، وما إلى ذلك)، ويتم وضع كل تلك الثروة في خدمة كافة السكان، وتخطيط الاقتصاد لإنهاء المنطق الرأسمالي غير العقلاني. وبذلك، يمكننا إقامة علاقات دولية مختلفة، علاقات قائمة على التضامن والأخوة، على التبادل العادل، وليس على خضوع بلدنا للشركات الكبرى والقوى الرأسمالية.



من أجل مبادرة تأسيسية شعبية


إننا نقترح هذه الحملة اليوم لجمع التواقيع على مبادرة شعبية تأسيسية، لعرضها على المؤتمر الدستوري. نحن بحاجة إلى جمع 15000 توقيع في أربع مناطق من تشيلي لمناقشة هذا الاقتراح في المؤتمر. نعتقد أنه من الممكن جمع المزيد، وتوليد حركة اجتماعية واسعة لهذه المطالب.
النقاط الست للمبادرة الشعبية للنموذج التأسيسي يجب أن تكون:
1-إنهاء كل امتيازات النحاس والليثيوم لشركات التعدين الخاصة الكبرى، والإبقاء على استكشاف واستخدام التعدين الخاص الصغير والمتوسط، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على النظم البيئية وضمان عدم تعرض المجتمعات للتلوث.
2-تأميم كبرى شركات تعدين النحاس والليثيوم دون دفع تعويضات. والإبقاء على هذه المعادن في الدستور الجديد باعتبارها ملكا للناس التي تسكن هذه الأراضي.
3 – إنهاء التعاقدات الفرعية مع شركات التعدين، وضمان تمتع كافة العمال بنفس الحقوق.
4 – إنشاء مجلس عمالي وشعبي للتعدين، تكون من مهامه إدارة هذه الشركات ومواردها. هذا المجلس سيتألف من ممثلين لعمال التعدين، ومن المجتمعات المتضررة من التعدين، ومن منظمات الطبقة العاملة (النقابات، والجمعيات المحلية، والاتحادات المهنية، إلخ).
5 – إلغاء كافة حقوق استخدام المياه. في حالة التعدين، يجب إدارة المياه بطريقة عقلانية، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على النظم البيئية والاستخدام البشري.
6 – وضع خطط خمسية للثروة الناتجة عن التعدين على نطاق واسع، بحيث تعطي الأولوية للاستثمار في الرعاية الصحية، والإسكان، والتعليم، والتعافي البيئي. هذه الخطط تجب الموافقة عليها من قبل كل السكان من خلال استطلاعات الرأي الملزمة.
إننا ندعو كافة العمال، والمنظمات الاجتماعية، والنقابات، والمجموعات النسوية، والمدافعين عن البيئة، والشباب للانضمام إلى هذه الحملة. دعونا نستعيد النحاس والليثيوم لتمويل الحقوق الاجتماعية التي نحتاجها! دعونا نستعيد النحاس والليثيوم لإنهاء الاستغلال غير العقلاني لهذه السلع الطبيعية، وإنهاء تدمير الطبيعة والنظم البيئية!

التواقيع:
الحركة الأممية للعمال/ الرابطة الأممية للعمال_ الأممية الرابعة

ماريا ريفيرا إريبارين – نائب تأسيسي، وزعيمة وطنية للحركة الأممية للعمال

إدوارد غالاردو_ قائد الاتحاد الوطني للتعدين بين الشركات الشقيقة، ونشرة صوت عمال المناجم

لارا هيريديا – أمين صندوق نقابة عمال Upcom

دييجو إستيبان جويرا جونزاليز، رئيس اتحاد عمال شركة جوالاباك تشيلي سبا

مارسيلا أوليفاريس – رئيسة نقابة عمال مؤسسة المساعدة القضائية

ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق