عكس ما اشتهته سفن الصحوة

عادل صوما
2021 / 12 / 11

لم يسجل التاريخ منذ ظهور الإسلام أي موجة رِدة أو إلحاد أو تحول لدين آخر بين المسلمين أو الذين أسلموا، لأن التماهي مع الغزاة العرب، رغم قسوته على من أُجبر على تغيير دينه بالسيف أو للهروب من الجزية، كان ضرورة لصيرورة حياة الذين يعملون في الأرض والتجارة والنقل على الدواب والصيد والرعي ولا جيش يحميهم، بعد إنكسار حاميات وقلاع بيزنطة المحتَلة وجيش بلاد فارس أمام العرب الغزاة.
من جهة أخرى، أعطت لاحقاً مرونة الإسلام في الزواج والطلاق و"ما ملكت أيمانكم" في بيئات زراعية تحتاج لليد العاملة، جاذبية للشرق أوسطيين الذين يتباهون بكثرة النسل وعدد أفراد العشيرة، ناهيك عن أسلمة(المؤرخ والباحث في الاسلاميات مارشال هودغسون Marshal Hodgson أول من ابتكر الفعل يؤسلم) الحكام الجدد للثقافات* ووأد اللغات في أي أرض حلّوا فيها، ما قطع حتى الصلة المعنوية والاحساس بالانتماء العرقي بين أحفاد الذي أسلموا وبين ماضيهم، فهيمن الإسلام بشرائعه ولغته وسُننه، لدرجة أن أجيال أحفاد الذين أسلموا، توجسوا وتنكروا لأصولهم وجذورهم، واعتبروا ان أبناء أسلافهم الذين ظلوا مسيحيين أو يهود الشرق الأوسط ضمن الكفار.
لم يتغير هذا الأمر حتى العقد الأول في هذا القرن، خصوصاً بعد تمدد "الثورة الإسلامية" الإيرانية والصحوة السُنية وأهوال الخلافة الإسلامية التي ظهرت في الموصل وقسماً من سورية، وكما يبدو للعيان انها أثمرت عكس ما اشتهي الصَحَويّون، لأن حال المسلمين لم ينصلح ولم تتقدم دولهم وحتى الإيمان بالإسلام بدأ يتناقص، بل تحوّل الإيمان إلى المسيح عند عدد ملفت للنظر بين المسلمين، وتزداد وتيرته بشكل لم يحدث منذ 1443 عاماً، وأصبح هناك ظاهرة عالمية هي تحوّل مسلمين إلى طوائف مسيحية مختلفة بأعداد غير متوقعة، لدرجة اطلاق اسم "مؤمنون من خلفية مسلمة" أو MBBs عليها.
في فَلك الإسلام
ورد في القرآن "ولو شاء ربك لآمن مَن في الارض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين/يونس 99" وهي مكية، لكن البخاري كتب في باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم حديث عن الرسول في المدينة يقول: "من بدّل دينه فاقتلوه"، ما يعني أن الرسول اعتبر من يبدّل الإسلام خائن. تماماً مثل الخونة في الجيوش، بسبب مفهوم التجييش في الأيديولوجيا الإسلامية؛ كل مسلم مجاهد في الإسلام، وسيطرة مفهوم الجماعة، وهو أقوى من الفردية، لدرجة أن صلاة الجماعة مقبولة لدى الله أكثر من الصلاة الفردية وتعلو عليها بسبع وعشرين درجة، لكن خفّت حِدّة تطبيق هذا الحديث بعد انتشار الإسلام في حضارات مختلفة، وحل محله نبذ مَن يبدّل دينه أو سجنه وتعذيبه إذا كان الحاكم متشددا، ما عدا إيران والسعودية وبعض دول آسيا التي لم تزل تعدم المرتد.
بناء على هذا العرف السائد، ظل المفكرون المسلمون أصحاب الاتجاه العقلي أو الفلسفي الذي يشكك في الموروث الديني الذي لا يتماشى مع العقل ضمن حدود الإسلام عبر التاريخ رغم تكفير بعضهم، كما ظلت الفرق المنشقة عن الإسلام ومنهم على سبيل المثال، ‏الخوارج الذين ظهروا في عهد عثمان بن عفان عندما وجدوه يحكم بغير ما أنزل الله حسب زعمهم فقتلوه، والأزارقة الذين لا يعترفون بوجود الناسخ والمنسوخ بالقرآن، وأسقطوا حد رجم الزاني والزانية، وأفتوا بأن المرأة يجب عليها الصلاة والصوم حتى بفترة الحيض والنفاس، وأن خلافة المسلمين لا يجب أن تكون لقرشي فقط بل لأي شخص وإن كان غير عربي، والنجدات الذين يرون أن أي شخص لا يعترف بشرائعهم ولا يؤمن بها كافر مستحل دمه وعِرضه إلا الجهلة العوام فهم معذورون، والإباضيون وهم أقل فرق الخوارج غلوا لأنهم لا يكفرّون الصحابة لكن يطعنون في عصمتهم ويقولون أنهم فسقة خصوصاً علي بن أبي طالب ومعاوية. وأخيراً الدروز والنصيريون/العلويون والبهائيون وغيرهم.
كل هذه الفرق ومن انشق عنها تحتفظ بعلاقتها الظاهرية أو الطقسية وتدور في فلك الإسلام رغم مناهضتها للكثير من معتقداته وحدوده وسُننه وعصمة الأئمة، كما لم يتغيّر جوهر الشيعية كمذهب يحاول الالتفاف على جمود النص، سوى بعد وصول الخوميني للحكم.
نتيجة للرادع العقائدي الصارم المُسيطر على لاوعي المسلم والذي أسلم، عن مصيره في جهنم إذا ارتد أو تحوّل عن دينه، أو خوفه في عقله الواعي من السجن أو القتل أو النبذ، لم يفلح المبشرون المسيحون حتى تحت سيطرة الاستعمار، أو من خلال مؤسساتهم الإنسانية في تحويل عدد كبير من المسلمين للمسيحية.
أعداد المتحولين
هناك رقم شبه مؤكد للمؤمنين بالمسيح (10 ملايين) من خلفية إسلامية في سنة 2010 فقط، وذكرت التقارير أن الأرقام أتت من إيران والجزائر وألبانيا وسورية ومصر وكردستان، وكان الرقم الأكثر دهشة عن التحوّل في تلك السنة هو 6500000 في أندونيسا. وهذه أرقام ليست نهائية لأنه يوجد متحولون في قلوبهم غير معلنين حتى في المدينة ومكة.
في مقابلة في كانون الأول/ديسمبر عام 2000 على قناة "الجزيرة"، ذكر مدير "منارة الصحابة" الليبية لعلوم الشريعة الإسلامية أحمد القطاني، أن هناك 6 ملايين مسلم يعتنقون المسيحية كل سنة، و أن عدد السكان المسلمين في أفريقيا قد انخفض من أكثر من النصف إلى الثلث فقط، وأثار احتمالية اختفاء الإسلام من أفريقيا جنوبي الصحراء. ولأن ما قاله القطاني كان بدون قرائن، وصف البعض تصريحاته كهدف من أجل جمع التبرعات. لكن هذا التلفيق استند إلى واقع ما ويستحيل أن يأتي من فراغ.
أسباب التحوّل
تصدرت الاحلام والرؤى غير المُفسرة قائمة أسباب تحوّل المسلم إلى المسيحية، وقال إيرانيون متحولون كثيرون أنهم"شاهدوا أحلاماً أو رؤى لرجل برّاق يرتدي الأبيض" قبل أن يتعلموا أي شيء عن المسيحية.
الأمر نفسه حدث في أفغانستان، فقد قال راعي الكنيسة المشيخية أن أئمة أفغان يسافرون مئات الكيلومترات لدراسة الكتاب المقدس معه، وعندما سُئل عما دفعهم للقيام بذلك أجاب: "قالوا لقد ظهر المسيح لهم في نومهم وأمرهم أن يأتوا إلى هنا لسماع الحق".
كما ذكر كاهن أنجليكاني أن مئات النساء الفارسيات اللواتي حضرن دراسات الكتاب المقدس السرية في طهران كان سببه أحلامهن، وقدّر كاهن في برلين أن ما لا يقل عن ثلثي أتباعه من الإيرانيين والأفغان قد تحوّلوا للمسيحية بسبب كلمات شخص مُنير برّاق شاهدوه في أحلامهم وعرّف نفسه بأنه يسوع.
ما يقوله هؤلاء المتحولون عن الأحلام قد يكون لسبب غيبي لا تفسير له، وقد يكون تفسيره العلمي ما هو مدوّن في جيناتهم الموروثة من أسلافهم عن الرحمة والمحبة التي بشر بها المسيح، وقد دفعتها من مخزون جيناتهم إلى وعيهم الضغوط التي عانوها والتخلّف الذي شاهدوه وخطاب الكراهية الذي سمعوه بعد ظهور "الثورة الإسلامية ثم "الصحوة الإسلامية" وما نشره خلفية المسلمين أبو بكر البغدادي على الملأ من قطع رؤوس وأيادي وحرق وسرقة محلات ومصارف ورجم أم عارضت التحاق ابنها مع المجاهدين، وقد شارك ابنها في الرجم.
قال باحث عراقي "تحوّل العديد من شبابنا إلى المسيحية بعد تشويه صورة الإسلام وتقديمه كدين إرهابي". وفي تسعينات القرن العشرين ارتفع تساؤل في الجزائر" هل قُتل كل هؤلاء باسم الإسلام؟" ورد كثيرون على هذا التساؤل "المسيحية هي الحياة والإسلام هو الموت". وكما هو واضح لعب السلام والمحبة والرحمة والمغفرة اليسوعانية دورا في قصص التحوّل.
وفي هذا السياق أشير إلى ما قاله وزير الإستخبارات الإيراني محمود علوي عن دوافع المتحولين "نحن نبحث عن دين يمنحنا راحة البال". وجدير بالذكر أن اللقب الذي أطلقته الكنيسة المصرية على الرئيس الإسلامي محمد مرسي كان "المُبشر العظيم". ويقول الكهنة المصريون بعد حكم مرسي: إذهب إلى أي كنيسة مسيحية مصرية ستجد مسلمين متحولين خصوصا من النساء.
من أقوال العابرين إلى المسيحية على شاشات وسائل التواصل الاجتماعي، يستشف المشاهد بأن ما جذّب انتباههم هو تناقض القرآن كختام لوحي الله للبشر مع اليهودية والمسيحية، وتشكيكه بما أتي فيهما بالتحريف، رغم أن القرآن يقول "وإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذي يقرءون الكتاب من قبلك"، و"نزل عليك الكتاب بالحق مُصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل".
البراغماتية الدينية
حدث أثناء التحوّل للمسيحية ما تم أثناء تحوّل المسيحيين للإسلام، فقد قال بعض "مسيحيي الأرز" في لبنان إنهم تحولوا للإستفادة من المساعدات التي توزعها الجمعيات الخيرية المسيحية. كما يستخدم المسلمون مزاعم ارتدادهم كحجة للهروب من الاضطهاد الديني الحاصل لهم في بلادهم، وهذه وسيلة تدعم طلب لجوئهم.
وقد يتحوّل المسلمون للمسيحية ظاهرياً لاعتقادهم أن ذلك سيزيل عنهم تهمة الارهاب ويجعلهم مقبولين في دول أوروبا، لأنهم سمعوا أن الحكومات تفضل أحياناً المهاجرين المسيحيين لأنهم أقل مشاكل وأكثر قبولا للإنتماء، وحتى إذا لم ينتم الجيل الأول فالجيل الثاني سيكون أكثر إنتماءاً.
الثورة والصحوة
لم تكن الثورة الإسلامية في إيران أو الصحوة الإسلامية في الشرق الاوسط أو إعلان الخلافة في الموصل خيرا على الاسلام، فقد أوجدت لأول مرة في تاريخ المسلمين ست اتجاهات يناهض بعضها الإسلام نفسه، وحسب تقديري هي ما يُسمى بالإسلام الوسطي الذي يتبرأ مما حصل من إرهاب ديني سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو هجمات نيويورك وبنسلفانيا، والإسلام الوسطي يعتبر آيات القتال القرآنية المدنية كانت لمناسبة محددة ولا معنى لها في زماننا الذي لا يوجد فيه كفار مكة ومشركيها أو قريش.
كما ظهر القرآنيون كاتجاه ديني لا يعترف سوى بما جاء في القرآن فقط، ويعتقد القرآنيون أن رسالة الله في القرآن واضحة كاملة، ويمكن فهمها بدون الرجوع إلى مصادر أخرى كالحديث، والقرآنية لا تعترف بالسُنة النبوية ولا الأحاديث مصدراً للتشريع، لأن الكثير من الحديث قد يكون مُختلقاً بسبب عوامل متعددة، منها تأخر تدوين الحديث والتأثيرات السياسية. كما تستدل القرآنية بكونِ القرآن هو الكتاب الوحيد الذي اجتمع كافة المسلمين على صحته، بينما الأحاديث فيها اختلاف كثير على صحتها بين الفرق الإسلامية المتعددة.
هناك تيار صفوة الباحثين المسلمين في المخطوطات ودراسة الأديان الذين يعتبرون أن الأديان تولد من بعضها ولا فكرة أو عقيدة تأتي من فراغ، وما ورد في القرآن مجرد قصص وقراءات إيمانية وشرائعية بالعربية، لما ورد في كتب الديانات السابقة خصوصاً ما يُسمى بأسفار العهد القديم. ويستشهدون بكلمة قرآن نفسها، وهي كلمة أصلها سرياني (قريانا) وتعني قراءات ليتورجية (طقسية/إيمانية) ولا جذر لها في اللغة العربية لأنها ليست مشتقة من قرأ.
ظهرت اللادينية خصوصاً في تركيا بعد محاولة إردوغان خلق "جيل مؤمن"، واعتماده كإخواني على ما ورد في نصوص القرآن حتى في ادارة اقتصاد البلاد والعملة التركية وفوائد البنوك والسياحة.
كما بدأت الردة بمفهومها الإسلامي التقليدي بنسب صغيرة في السعودية ودول المغرب العربي، ووفقًا للحكم الفقهي الرسمي، فإن الردة في الإسلام لا تتضمن فقط التخلي الصريح عن العقيدة الإسلامية (سواء كان ذلك لدين آخر أو اللادينية)، بل هي أي فعل أو تعبير ينطوي على عدم الإيمان، مثل رفض أحد أركان العقيدة الأساسية للإسلام. وأفكار الردة الكاملة عن الإسلام تعج بها قنوات ومواقع الالحاد التي أصبحت علنية.
هناك اتجاه التحوّل إلى ديانات أخرى الذي ينتشر، وتخوّف منه وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي علناً وحذّر من "تحوّل المسلمين إلى المسيحية".

* من أمثلة اقتباس الثقافات ثم أسلمتها صيام شهر رمضان والحج بشعائره كافة بما فيها ذبح الحيوانات واتخاذ الكعبة قِبلة، والصلاة سجوداً وركوعاً والصلاة على الميت التي لا يوجد فيها سجود أو ركوع بل أربع تكبيرات عند أهل الجاهلية.
الأسماء العربية التي يقولون انها اسلامية، رغم وجودها قبل الإسلام مثل محمد وعمرو ويحيى وعثمان وعمر ونوفل وصفية وخديجة وزينب.
الشريعة وصيام عاشوراء وختان الذكور عند اليهود، الذين ورثوه عن الفراعنة.
الحجاب الأشوري، والطريف أن الشماغ (آش ماخ) بالسومرية يعني غطاء الرأس، والرموز المنقوشة عليه: الخطين المتوازيين اللذين يمثلان نهري دجلة والفرات، والخطوط المموجة التي تمثّل أمواج مياه الأهوار، والخطوط المتقاطعة التي تمثّل شبكة الصيد، وكان لبس "أش ماخ" يقتصر على الامراء والكهنة السومريين في الألف الثانية قبل الميلاد، وأول من ارتداه الأمير كوديا حاكم لكش، ثم انتقل بالتدريج لعامة الشعب في جنوبي بلاد ما بين النهرين، ومنها إلى بقية المناطق المجاورة.
أسلمة اللغة العربية والاقتناع التام بأن الله والملائكة يتحدثوا العربية، وهي لغة أهل الجنة، بل أن آدم كان يتحدثها أيضا، رغم أن العلم يقول أن أسلاف الإنسان الأوائل لم يكونوا يتحدثون أي لغة لأن حروف أي لغة لم تكن قد اختُرعت، وحوارهم كان مجرد همهمة وأصوات وتبادل نظرات ومشاعر. اللغة العربية نفسها لم تكن موجودة اطلاقاً من ثلاثة آلاف سنة فقط، ثم وجدت قبل الإسلام وهي مشتقة من لغة أخرى، وأدخل النحاة التنقيط وحروف عليها وحركات التشكيل بعد اقتباسها من لغات أخرى أيضا، ولم تزل اللغة العربية تتطور.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت