من تاريخ النشر والطباعة

مختار سعد شحاته
2021 / 12 / 5

علامة استفهام أولى:
نعجب حين نبحث في تاريخ الطباعة والنشر، إذ لم يعرف العرب هذا المجال كصناعة لها قواعدها وأدواتها إلا متأخرًا، رغم ما قدمته الحضارة العربية من إسهامات في النسخ والكتابة بشكل عام ، وهو ما يشهد به عدد المخطوطات والمنسوخات في مختلف مكتبات ومتاحف العالم. وهو ما أكده باحث الأنثربولوجيا الفرنسي "فرانك ميرمييه" أن العالم العربي لم يعرف تلك الصناعة إلا متأخرًا، وهو ما كان له الأثر بظلال علي تكوين الشخصية العربية، إذ لم يصبح –للأسف- أن تتحول القراءة –باعتبارها مرتبطة بصناعة الكتاب ونشره- إلى سلوك عربي شخصي يومي، ومكون من مكونات بناء الشخصية العربية، ولعل الإحصائية التي تقول بأن العربي لا يقرأ نصف صفحة سنويًا (نسبة تقريبية عامة) تؤكد غياب تلك الثقافة بجدارة، حيث أكدت مؤسسة الفكر العربي في تقريرها الصادر عام 2011م، بأن متوسط قراءة الفرد العربي لا يتعدى ست (6) دقائق سنويًا، في حين تبلغ مائتين (200) ساعة سنويًا للقاربء الأوربي.

إرهاصات وبدايات:
جاءت سوريا ولبنان سابقتين لمصر في التعرف إلى تلك الصناعة، إذ تأسست أول مطبعة في حلب في العام (1709م) على يد "فناسيوس دباس"، وجاءت مطبعة "الدوماني" لطباعة الكتب الدينية لصاحبها "عبد الله الزاخر الحلبي" كواحدة من أولى التجارب، وذلك قبل أن تعرفها دمشق في 1855م.وكذلك مطبعة الشوير في دير "مار يوحنا" في عام 1734م، بلبنان.وفي مصر؛ ارتبطت معرفة الطباعة والنشر بالحملة الفرنسية (1798 – 1801م) حين اصطحب "نابليون بونابرت" تلك المطبعة معه، وذلك لطباعة ونشر سياسات وبيانات رسمية تصدر من قيادة الحملة إلى المصريين أو لمراسلات الحملة، وهو ما ساهم في ظهور كتاب "أمثال لقمان" كأول مطبوع عربي حقيقي، وعرفت باسم "المطبعة الأهلية" بعد استقرار الحملة في القاهرة، وبعد فترة من طباعة أبجديات العربية والفارسية والتركية في الإسكندرية تحت مسمى "المطبعة الشرقية الفرنسية".
وفي عهد "محمد على باشا" قفزت تلك الصناعة قفزة واسعة، إذ أسس في العام 1828 مطبعة بولاق بإدارة السوري "نيقولا مسابكي" والتي عُنيت بنشر وطباعة المترجمات في الهندسة والطب والعلوم العسكرية التي اعتمدها محمد على في تأسيس مصر الحديثة، وأنشأ لأجلها مصنعًا خاصًا للورق.
ولا يغفل الباحث في تاريخ الطباعة وبداياتها ما قامت به بيروت من تطوير وانتشار للصناعة، إذ فيما بين العامين (1840م – 1920) عرفت بيروت الطباعة من خلال ثمانين (80) مطبعة مختلفة، في الوقت الذي لم تتجاوز فيه المطابع في دمشق والقاهرة –معًا- أصابع اليدين، وهو ما جعل بيروت قبلة للنشر في العالم العربي كله، وذلك إبان الحقبة الناصرية في مصر. فحتى عام 1982م، كانت بيروت تتصدر ما يزيد عن نصف المطبوعات والمنشورات من المجلات والدوريات والجرائد والكتب في العالم العربي. ولعل الاسم المتميز الذي صنعته لنفسها دور النشر اللبنانية يعكس ذلك بوضوح في العالم العربي كله وللمهتمين بالصناعة بشكل عام وتأريخها في الوطن العربي.

من واقع الصناعة الآني:
كما قلت في البداية أن القراءة لم تكن ملمحًا مميزًا للسلوك العربي والثقافة العربية، والتي تأصلت على الشفاهية والحكي عبر تاريخ طويل من التراث الشفاهي والخطابة، وهو ما له شجون كثيرة، يمكن قراءتها حين نبحث في إحصائيات النشر والقراءة حول العالم ونصيب الفرد العربي مقارنة بخريطة القراءة العالمية، وهو بدوره يشير إلى حجم المطبوعات في وطننا العربي، بل وإلى الصناعة برمتها، إذ لا يأتي هذا المجال ضمن قائمة مجالات الاستثمار الأولى، وتظل تلك الصناعة مخاطرة كبيرة يجب دراستها قبل الإقبال علي خوض تجربة الطباعة والنشر، والتي تتمثل في عدد دور النشر المنتشرة في واحد من أهم الجوانب التي يجب الانتباه إليها عند تتبع تاريخ النشر والطباعة في الوطن العربي، فكثير من التقارير والتحقيقات الاستقصائية حول الصناعة تؤكد أنها صارت صناعة مهددة وفي مهب الريح في عالمنا العربي، تجلت بوضوح بعد أزمة حرب الخليج الثانية، كما أنه وفي ظل غياب قوانين تحميها وتنظم العلاقة بين المبدع والناشر، وما تمارسه بعض الأنظمة من رقابة صارمة بالمفهوم "الأبوي"، والتي ربما تتفاوت من بلد إلى بلد، لكنها واحدة من أهم ما يهدد تلك الصناعة بشكل عام مقارنة بالعالم الغربي وجنوب شرق آسيا.
ربما كانت الحالة العامة التي يمر بها الاقتصاد العالمي وترسيخ قيم اقتصادية استهلاكية من قيم السوق التي تنمط الذوق والفكر، هو ما يهدد الوضع الهش للصناعة في عالمنا العربي، مضافًا إليه في وضعنا الآني ما تمر به المنطقة العربية من ظرف ملتبس للغاية، وارتفاع نسبة الأمية، والتطور الحادث في تكنولوجيا المقروء الرقمي "الكتاب الإلكتروني"، وغيرها من تداعيات الوضع العربي، كلها أمور تفرض نفسها على الصناعة وتحدد اتجاهاتها وترسم خريطتها البيانية. وهنا ينبغي الإشارة إلى النظم التعليمية العربية –في غالبها- والتي لا تؤسس لجعل القراءة من سلوكيات الفرد العربي اليومية.

تنافسية مجحفة:
هنا ومن واقع تعاوني وعملي مع واحدة من دور النشر المحلية بالإسكندرية، أستطيع أن أحدد أن مجال النشر في مصر –وهو صورة ما لما عليه حال كثير من البلدان العربية- يقع فريسة لتنافسية غير عادلة بين دور نشر تحاول السيطرة على سوق الكتاب المنشور من خلال استغلالها للمركزية التي تعانيها الثقافة المصرية، حيث تبرز أزمة الهامش والمركز جلية في ذلك المضمار، فتكاد تنحصر الصناعة في مجموعة قليلة للغاية في المركز، وتضغط بقوة رأس مالها التأسيسي على دور نشر صغيرة تحاول الانتشار والتحقق، في غياب تام لاتحاد الناشرين المصريين والعرب، وغياب بروتوكول ينظم تلك التنافسية ويضمن بها شروطًا عادلة للتحقق والانتشار. ربما تصمد دار أو تحاول كتلك التي أنتمي إليها، لكن في أغلب الحالات تنتهي إلى الإفلاس أو إعلان الإغلاق تحت الضغوط الاقتصادية والتمويل لاستمرار النشاط، وهو ما له جانب ىخر يجب الانتباه إليه، إذ تحولت بعض تجارب دور النشر إلى مغامرات غير محسوبة في ظل ضبابية الرؤية أو الهدف من مشروع الدار نفسه، وهنا يمكن بكل أريحية أن نطلق على بعض تلك الحالات بأنها "مجرد سبوبة"، تنتهي بهضم كل الحقوق للمبدع، وتتحول من مشروع تنويري تثقيفي إلى "عملية نصب ثقافي"، وهو ما التفت إليه الصحفي "سامح فايز" في جريدة القاهرة المصرية بتحقيق استقصائي مسلسل أطلق فيه مسمى "دور نشر بير السلم"، رصد فيه حالات يندى لها جبين النشر، وممارسات غير مهنية، بل وغير إنسانية في حالات كثيرة، لعل من أشهر تلك الحالات حين تعدى صاحب دار نشر على كاتبة ناشئة في حفل توقيع كتابها الأول في معرض القاهرة الدولي في واحدة من دوراته الثلاث الأخيرة، انتهت إلى تدخل الشرطة.
رغم ذلك فلا يمنع وجود تجارب جيدة محترمة، تحاول وتنضال في ظل تلك التنافسية غير المتكافئة، وغير الشريفة في بعض الأحيان، وتقدم إلى القاريء العربي منتجًا قرائيًا يُحترم، ويستحق منا كل الدعم والانتباه والإشارة إلى صموده رغم كل المعوقات التي يعانيها سوق النشر في الوطن العربي بشكل عام وفي مصر على وجه الخصوص.

مختار سعد شحاته.
روائي، وباحث أدبي.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان