تنقية وتحرير الفكر والخطاب الإسلامي من تأثيرات التاريخ العقائدي السابق

عباس علي العلي
2021 / 11 / 30

في سياق النقد التأريخي للعقيدة العامة للفكر الإسلامي من جانبها المعرفي وليس بحسب مصدر التكوين الأساسي هناك شبه إجماع لدى مؤرخي الفكر الديني والفكر العقائدي عند المسلمين ومهتمي الدراسات النقدية التأريخي وعلماء الدين المقارن، أن هناك إغراق شبه شامل لهذا الفكر في بنيانه العام من طوفان الأفكار والرؤى والروايات والتأويلات التي لا تنتمي له ولا تتوافق معه لا بالروح ولا بالجوهر، فالكر الإسلامي والثقافة الفكرية فيما يتعلق بشقها التأريخي يجب أن تتماشى وتتفق على الأقل مع مكونات العقيدة الإسلامية من مصدرها الرئيس وهو القرآن الكريم حتى تثبت أصالتها وأنتمائها للمسمى الكلي وهو الإسلاك كدين وفكر ومعرفة يمتلك وحدة الرؤية ووحدة الحدث والمصدر، لا سيما أن هناك دراسات تاريخية بينت هذا الإغراق وسمته باسمه الحقيقي وهو الإسرائيليات التي تسربت بقصد ودراية ووفق أستراتيجية مرسومة بدقة، أنا هنا أتجنب الحديث عن فكرة المؤامرة على الأقل عندما نجد الكثير من الباحثين والمدققين التاريخين يشيرون ويفسرون ويبررون لهذه الظاهرة بمقولة النص الكريم (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، هذا التفسير القاصر والمدغم بالنوايا السيئة وخارج حقيقة المقصد العقيدي منه كان الباب الأوسع والمهيأ للإغراق ذاك.
هناك من المسلمين عموما ومن باب زيادة العلم والمعرفة فيما يخص العقيدة والتاريخ الديني يتصورون أن نص (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ) هي من باب الأوامر الدينية التي وردت في القرآن الكريم لتوجههم نحو مصدر عقائدي موثوق لكل أمر مشمول باللاحقة النصية التي تبين الطريق إليهم (إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، على أعتبار أن أهل الذكر هم أصحاب تجربة وفكر ثابت ومقنن ومكتوب، وأن المسلمون كونهم حالة مستجدة زمنيا وليس لهم ذلك الإرث العلمي والعقيدي الذي يمكنهم ويساعدهم في فهم التكاليف والأحكام وعموم النصوص، فهم أي هؤلاء الذين يظنون أن الأمر التكليفي هنا واضح بضرورة العودة لهم فيما لا يعلمون، إنما يدور بين حقيقة أنها ملزمة عامة في كل أمور الدنيا والدين، ومنهم من قال هي خاصة في أمور الدين من كل فرائضه وسننه فقط، هذا الأختلاف جانبي ومتوهم وغير حقيقي لسبب بسيط جدا هو أن جملة الكلام المقصود في الآية ولزوم الرجوع في السؤال لأهل الذكر لا يقصد المسلمين بتاتا من خلال تتبع سباق النص ووحدته وترابطه بين المقدمة والنتيجة والسبب والعلة، ولا يحدد لهم آلية واجبة أكثر مما هو أحتجاج تخاصمي من القرآن لفئة من الناس كانوا في الضد مما جاء فيه النبي محمد أو ما جاء في القرآن جملة وتفصيلا وكما سنرى في هذه الدراسة.*
حتى أن بعض مما يسمى أهل العقل من مذاهب ومفكرين إسلاميين قد حاولوا التأويل والتفسير في غير هذا المنحى بلي عنق النص وتوجيهه وفقا لمعتقد جزئي من كل واحد، عندما أشاروا إلى أن السؤال موجه للمسلمين تحديدا وتنصيصا وإن كان الخلاف هنا يتركز في معنى أهل الذكر، بأعتبار أن أهل الذكر ليس شرطا أن يكونوا من أصحاب الديانات السابقة وإن كانوا كذلك مع الطعن فيما يقولون والذي وصفه القرآن الكريم بالتغيير والتبديل وتحريف الكلم عن مواضعه، ولكن بتحديد أدق لمن هم من نزلت فيهم وبهم وعندهم آيات الذكر، والمقصود هنا محمدا النبي ص تحديدا وخاصة علمه من أهله وأصحابة المخلصين المقربين من الذين عاشوا الذكر وتعايشوا معه عن قرب، فهم أعلم بالتنزيل وعلله وأحكامه والمناسبات والتأويلات التي خصا بها الله نبيه صاحب الذكر، فهم أهل الذكر وهم من تقصده الآية الكريمة بذلك، لأن الذكر في تفسيرهم عام يشمل كل الديانات السابقة، وخاص يشمل نصوص القرآن والعام مقيد بالخاص ومحدد له كما في قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر 9 وكذلك في قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: 44، ومن هؤلاء الذين يجرون بهذا المجرى بعض أعمدة الفكر الشيعي وبعض من كبار المفسرين من الطوائف الأخرى .
قبل العودة لبيان حقيقة النص ومقصده التحديدي من خلال سياق الورود والمناسبة التي جاء بها فيما يعرف مثلا بأسباب النزول، لا بد لنا المرور على نصوص أخرى تكشف وتبين لنا حقيقة أهل الكتاب ونظرة القرآن الكريم لهم لنفهم لماذا لا نؤيد التفاسير والتأويلات المضللة التي جعلت منهم مصدر ثالث للتشريع بعد القرآن والسنة الصحيحة كما يقول المسلمون، نبدأ من النص التالي من سورة النساء (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا)171، السؤال مع النص إذا كانوا أهل الكتاب غاليين في دينهم ولا يقولون على الله غير الحق هل من الممكن أن يأمر الله أن نسأل منهم ليعلموننا ما لا نعلم؟ الجواب بالتأكيد لا يمكن ولا يعقل أن يطلب الله منا أن نتبعهم، في نص أخر من سورة أل عمران (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) 70، هذه الآية صريحة في تكفير أهل الكتاب على الأقل من الذين عاصروا نزول الذكر، فهل الله يدعوننا للإيمان أم للكفر به حتى نسأل الكافرين ونعلم منهم ما لا نعلم؟.
إذا ومن خلال نصين فقط من عشرات النصوص التي تؤكد أن أهل الكتاب ليسوا بالمستوى المطلوب إيمانيا منا أن نركن إليهم وهم كما وصفهم النص القرآني بالظالمين، لأن قفي ذلك ومن ذلك الفشل وعدم الوصول للهدف المطلوب منا أن نصله (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)، فالموضوع إذا ليس بمتعلق خطابيا وقصديا أن يوجهنا الله أو النص القرآني إلى جهة مذمومة وضالة وندعي إنما نريد الحق والهداية، فمن لا يملك شيئا لا يمكن أن يكون محتمل العطاء به ولا يعقل أن تطلب من الحافي نعل لتسير على الرمضاء.
هنا نستبعد أمرين هما:.
• أن لا يكون أصحاب الكتاب هم أصحاب الديانات السابقة للإسلام بأعتبار ما قدمنا من أبتعادهم عن الحق وكفرهم به، والأمر الأخر أن أصل الدعوى الإسلامية موجهة لكل الناس بما فيهم أهل الكتاب (إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)، الأمر الأقوم الذي جاء الإسلام متمما ومصححا للكثير مما كانوا يعتقدون به واجب الإتباع عقلا ومنطقا ونصا، فالمأمور بشيء لا يخير بأن يركن إلى ما نهي عنه فلا يمكن هنا أن يكون المفضل عليه هو الأفضل.
• الأمر الأخر لو أفترضنا جدلا أن أصحاب الكتاب السابق من أهل الذكر هم من يقصدهم النص، فمن المؤكد جدا والمجزوم به قطعا أن الأمر بالسؤال لا يمكن أن يكون موجها للمسلمين لسبب أخر متعلق بالإيمان الذي هو التصديق، فمنكر الإيمان والتصديق هو المشكك والجواب من النص أن اذهب للسؤال عمن تؤمن به وتصدقه فيما يقول عن كون الرسل ومنهم محمدا ص من البشر فهم أعلم لأنعم يقولون ذات الشيء عن أنبيائهم ورسلهم، إنما للذين يعتقدون بأنهم على حق ويركنون إليهم، وهذا ينسف قاعدة أن الخطاب التكليفي الوارد في النص محل البحث يراد به أن يكون لزاما على كل مسلم في الكل أو الجزء، وهذا ما يتفق أيضا عليه الكثير من مفكري الإسلام ولو بدرجة أقل ممن ذهبوا عكسه (والمأمور بسؤالهم: المشركون والكفار الذين أنكروا أن يكون محمد ص رسولا لكونه من البشر، والرسل إنما تكون من الملائكة قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ الأنبياء: 7، 8، وكذلك ما جاء في مضمون وحيثيات ومقاصد النصوص التالية في مواطن عدة من القرآن الكريم أننا نجد سردًا لإنكار المشركين لبشرية الرسل، ثم نجد الرد عليهم بما يسكتهم، ومن ذلك قوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يوسف: 109، وقوله ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾ الإسراء: 94، وقوله تعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ التغابن 6، ليقول لهم أهل الذكر من اليهود والنصارى أن من سبقه من الرسل إنما كانوا من البشر لا الملائكة أيضا.
من هذه الإشارة المطولة نرى أن إنغماس الفكر الإسلامي المعرفي والعقائدي والتأريخي في الفكر التوراتي وأعتباره جزءا من الموروث الديني المسلم به ودمجه في بناء الفكر الإسلامي على أعتبار أنه أمر تكليفي من الله، ليس له أصلا ولا يحل ولا يمكن القبول به عقلا، لذا فتكون مهمة تنقية هذا الفكر المعرفي والتأريخي وحتى العقائدي الذي يستند إلى الروايات الإسرائيلية التوراتية، هو بمثابة التصحيح الوجوبي الذي نؤمن بأنه أحد أهم أسباب فقر وضعف وتهافت الخطاب والفكر الإسلامي تأريخيا، لأنه أساء للدين وأساء للمفاهيم الفكرية وأجهض كل محاولة لتحرير دين من أثر المحرفين والمزيفين، ممن لا يرتضوا أن يكون الفكر الإسلامي إنسانيا بمعنى الغاية والهدف منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*. أنظر مثلا بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢٣ - الصفحة ١٧٢ (- 9 - * (باب) * * (انهم عليهم السلام الذكر، وأهل الذكر وأنهم المسؤولون، وانه) * * (فرض على شيعتهم المسألة ولم يفرض عليهم الجواب) * الآيات: النحل " 16 ": فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر " 43 و 44 ".
الأنبياء " 21 " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " 7 ".
ص " 38 " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " 39 ".
تفسير: قيل: المراد بأهل الذكر أهل العلم، وقيل: أهل الكتاب، وستعلم من الأخبار المستفيضة أنهم الأئمة عليهم السلام لوجهين: الأول أنهم أهل علم القرآن لقوله تعالى بعد تلك الآية في سورة النحل: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .
والثاني: أنهم أهل الرسول، وقد سماه الله ذكرا في قوله: " ذكرا رسولا " وهذا مما روته العامة أيضا روى الشهرستاني في تفسيره المسمى بمفاتيح الاسرار عن جعفر بن محمد عليهما السلام إن رجلا سأله فقال: من عندنا يقولون: قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ": ان الذكر هو التوراة، و أهل الذكر هم علماء اليهود، فقال عليه السلام: والله إذا يدعوننا إلى دينهم، بل نحن والله أهل الذكر الذين أمر الله تعالى برد المسألة إلينا، قال: وكذا نقل عن علي عليه السلام أنه قال: نحن أهل الذكر.
1 - مناقب ابن شهرآشوب: محمد بن مسلم وجابر الجعفي في قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر " قال الباقر عليه السلام: نحن أهل الذكر.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير