حقيقة نفسك True of Thyself-(1 من 11)

راندا شوقى الحمامصى
2021 / 11 / 28

كتابات حضرة بهاءالله العرفانية ونظام كين ويلبر للفلسفة المتكاملة The Mystical Writings of Bahá’u’lláh and Ken Wilber’s system of integral philosophy
بقلم ولفغانغ كليبل Wolfgang A. Klebel
مقدمة Introduction
من هو الذي يشاهد الباطن من الظاهر؟
من هو الذي يكتشف مئات من الأسرار حتى حيث العقول معطلة؟
شاهِدْ من خلال عينيه ما يشاهد.
فمن هو إذن الذى يطل من عينيه؟
جلال الدين الرومي (1207- 12731 م)
"لرؤية الباطن من الظاهر" هو موضوع هذا المقال. فالشاعر الفارسي الصوفي و العرفانى جلال الدين الرومي، الذي كان معاصرا لتوماس الأكويني Thomas Aquinas، ذكر في هذه القصيدة السؤال الذي يثير اليوم إهتمام الفيلسوف مرة أخرى. لعدة قرون ظل الداخل غيباً، و تقدم العلوم تَرَكّز حصراً على ظاهر هذا العالم وكل ما يمكن إحصاؤه وقياسه. و يبدو اليوم أن باطن الأشياء هو في طور إعادة إكتشافه من قِبل علم النفس، من خلال الفلسفة، نعم، و حتى من قِبل العلم.
لقد كان هذا الفكر نفسه أساس الفينومينولوجيا (علم الظواهر أو الظاهراتية) Phenomenology كنظام فلسفي موضحا التفكير الحِواري الشخصى Personal-dialogic Thinking:
"الفينومينولوجيا هى دراسة الوعي البشري كما يظهر أصلياً دون إفتراضات وتحيز من الموضوعية المجردة و أجندة الفرد نفسه. فإنها تعني إستخدام ذكاء الذاتية (ذكاء وجدانى intelligent subjectivity) بواسطة أفراد أصيلين في مصادفة حوارية في المقام الأول. و أهميتها تكمن في مسألة أن يمكن للمرء من ثم محاولة "النظر من خلال عيون الآخرين"، ثم (من الناحية المثالية) يختبر (يعيش) الآخر بالتعاطف والقبول و التموضع فيه. و عندها ينعكس الآخر مرة أخرى إلينا فنحن "نأتي لأنفسنا كغريب". و كما هو الحال مع الأطفال عندما ينظرون في عيون آبائهم، فنحن نشاهد أنفسنا نتعلم، وأننا موهوبون."2
[الظاهراتية أو الفينومينولوجيا هي مدرسة فلسفية أو أسلوب للتحقيق يعتمد على الخبرة الحدسية للظواهر كنقطة بداية (أي ما تمثله هذه الظاهرة في خبرتنا الواعية) ثم تنطلق من هذه الخبرة لتحليل الظاهرة وأساس معرفتنا بها، نشأت على يد إدموند هوسرل 1905. ويكيبيديا]
في هذا الوصف، أصل الروح يستند على الطبيعة الحوارية للإنسان. وتُعطى هذه الروح للأطفال و هم يبحثون في عيون آبائهم. و من هذا الأصل في الفرد إلى أصل روحانية الإنسان ككل، فإن هذا التفكير الحوارى الشخصانى يقود إلى تقليد وارد فى الكتاب المقدس [الإنجيل + التوراة]. و هذا ما يُعبر عنه فى (انجيل يوحنا، 1: 1) "في البدء كان الكلمة"، موجهاً القارئ المهتم بالعودة إلى (سفر التكوين، 1:1-3) حيث جاء فيه: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وقال الله ... "
و يشاهد الباطن من خلال، وفي عيون الآخر، من خلال وفي كلمة الآخر بأنه يربط بين "أنا" و "أنت" (I and the Thou). و في إنشاء وحدة الرؤية و الباطن، أي الروح، لذا فإن جلال الدين الرومي يسأل السؤال فمن هو إذن الذى يطل من عينيه؟ في التقليد العرفانى الصوفي، و في معظم التقاليد العرفانية الأخرى، ما يُنظر إليه في الباطن هو الإلهى في نهاية المطاف. فهل يمكننا أن نرى الباطن إذا كنّا لا نرى أن الفرد هو دائما جزء من وحدة جماعية؛ و ذلك بأن موضع الفرد لا يمكن أن يُرى دون رؤية الجماعية التى يجد فيها هذا الشخص مكانه؟ لذلك يُرى وما لا يُرى، أو الظاهر و الباطن على حد سواء هى موضوع هذه الورقة بحسب الفرد والجماعية كما عُبر عنها في الباطن و الظاهر. فالتكامل بين هذا الداخل والخارج، للفردية والجماعية، للكينونة والوعي هى في صميم فلسفة كين ويلبر التكاملية، و الذي كتاباته ستساعد في سعي هذه الورقة لتحقيق "حقيقة نفسك."
ما هي حقيقة الذات، يمكن للمرء أن يسأل؟ و كيف للذات أن تتصل بالداخل/الباطن والخارج/الظاهر، للفرد و للجماعى؟ و لإعادة إكتشاف هذا التقليد للذات و لتحصينه بالعلم الحديث وفهم تطور الفرد والإنسانية فهذا يسوق إلينا فلسفة ويلبر التكاملية التى أصبحت ظاهرة جديدة في جميع أنحاء العالم كما يتضح من ترجمة كتبه إلى عشرين لغة. مما جعله المفكر الأكثر قراءة ليس فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن أكثر شعبية أيضا في بلدان مثل ألمانيا واليابان؟
الملاحظة حول الشعبية (الرواج Popularity) تحتاج لإدراجها هنا. فالشعبية وحدها ليست معياراً للحقيقة، في الواقع، فإنها غالبا ما تدل على عدم وجود الحقيقة، أو، كما أثبت التاريخ، فإنها تعد مؤشراً على ما يمكن أن يسمى "نصف الحقيقة". فالشيء قد يصبح شعبيا لأنه ينقل بعض الحقيقة، ولكن في شكل سهل، والذى غالبا ما يخفي الجانب الكاذب ولكنه ذا شعبية من البيان أو الإفادة. ففي حالة الفلسفة المتكاملة لكين ويلبر سيتم إستكشاف هذه المسألة أدناه.
هذه الورقة معنية بالرؤية التي ستشكل المستقبل، بل هى محاولة لاكتشاف الطريقة التى بها ترى الإنسانية نفسها وكيف أنها ستحاول حل الصعوبات التى قد يحملها المستقبل. أيمكن أن تكون الفلسفة هى الجواب، أم أنها تستغرق أكثر من فهم البشر؟ هذه الورقة سوف تجمع بين الفكر الفلسفي لهذا اليوم ومصدر آخر من مصادر المعرفة والفهم، ألا و هو الوحي الإلهى لظهور حضرة بهاءالله، (1817-1893 م)، الذي هو النبي المؤسس للدين البهائي، ويعتبر المظهر الإلهى لعصرنا.
فإن المقارنة بين نهج ويلبر التكاملى و الظهور التصاعدى التدريجي لحضرة بهاءالله سوف تؤدي الى محاولة لصياغة بعض المبادئ للاهوت (فقه) تكاملى و تصاعدى، و هو منال يمكن اليوم فقط تصوره في خطوطه العريضة، وأنه سوف يتعين على مر الزمن تطويره .4 و هذه المقارنة بإمكانها إقتراح مزيد من بعض الأفكار حول مستقبل الكومنولث البهائية، وأنها سوف تلقي بعض الضوء من مفهوم "حقيقة نفسك" كما عبر عنه حضرة بهاءالله نحو مستقبل البشرية.
خلق تيري كلهان Culhane Terry صلة بين فلسفة كين ويلبر و ظهور حضرة بهاءالله في "التكامل بين التقاليد الليبرالية مع الروحانية الحقيقية".5 ففي كتابه الدين البهائى و حياة الروح، و فى فصل "تخليص الحداثة: بهاءالله و فلسفة كين ويلبر المتكاملة"، فإنه يقارن فلسفة ويلبر التكاملية مع "حياة وأعمال حضرة بهاءالله" ويرى أن ما لكليهما من فهم فى تطوير الحداثة متطابق الى حد ما فيما يختص بقوتها والمزالق التى واجهتها، و أنهما على حد سواء يصلان إلى إستنتاجات مماثلة.
ويمكن الإشارة إلى هذه العلاقة عند النظر في التقاليد الليبرالية، ولكن أعمال وحياة حضرة بهاءالله وخصوصا كتاباته العرفانية في وقت مبكر تذهب أبعد من فلسفة ويلبر بكثير وأنها تستند على فهم للوجود الإنسانى يتفوق على أفكار ويلبر. و أن كلهان هو على بيّنة من هذا عند مناقشته لمفهوم العرفان والتكامل بين الممارسات الإجتماعية و ظهور حضرة بهاءالله.

ترجمة حامد عبدالله

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير