مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي

عادل امين
2021 / 11 / 28

ـ محطة القامشلي ـ
تحتل مدينة القامشلي وتوابعها حيزاً من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه وإلى انتهاء فترة الكفاح المسلح ضد نظام البعث الدكتاتوري، ولا اعرف قد تسترجع ــ وهذا لا اتمناه ــ أهميتها في المستقبل ايضاً، لأن العراق وموقعه الاستراتيجي قابل لكل الاحتمالات ما لم تبرز طبقة سياسية ناضجة لقيادته. أود في هذه الومضة السريعة تسليط الضوء على دور هذه المدينة ومساهمتها في نضال الحزب بشكلٍ عام و المحطة التي بناها فيها فترة الكفاح المسلح بشكلٍ خاص، بالرغم من الصعوبة بمكان بأسطرٍ قليلة ومكثفة تغطية كل أنشطة هذه المحطة التي استمرت قرابة عشر سنوات، تخللتها وقفات كثيرة من البطولة والتضحية ونكران الذات من لدن كل الذين انخرطوا في عملها، ولكل وقفة صفحات خاصة جديرة بالكتابة المسهبة عنها، إلا أني في هذا الاستذكار القصير (الذي يخص عمل محطة القامشلي حصراً) أحاول جهد الإمكان وبجملٍ مقتضبة أن أعرج على العناوين الرئيسة في عملها:
لم تكن القامشلي والمحطة التي فيها وليدة فترة الكفاح المسلح فحسب، بل هي امتداد ومواصلة للفترات السابقة لنضال الحزب، وتحملت جزءاً كبيراً من عبء دعم مستلزمات أساليب نضاله المتنوعة، ومن نافل القول ان تلك الامور ما كانت لتتم بيُسّرٍ لولا الدعم والاسناد القويان من الحزب الشيوعي السوري الشقيق بكل اجنحته ومنظماته وكوادره ورفاقه، وبشكلٍ خاص منظمته الحزبية في الجزيرة، وقد لعب الرفاق القياديون في الحزب الشقيق دوراً مشرفاً، وأخص بالذكر الرفاق رمو شيخو(أبو جنكَو) وعثمان إبراهيم (أبو شهاب) أعضاء المكتب السياسي، وأخرين من الرفاق القدامى ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ مصطفى و دحام وعبدالكريم أولاد نايف باشا (وهم من عُلّيّة القوم في قرى تل كوجر السورية التي تقع على الطريق بين رميلان النفطية وفيش خابور)، والرفيقان الشجاعان (سعيد وشقيقه من قرية خانيك) والفقيد حجي قاسم هو الأخر في قرية (سي مالكة) إذ كانوا يقومون بنقل الرفاق القياديين من وإلى العراق قبل ثورة تموز 1958 في معبّر(فيش خابور) بين قرية خانيك السورية على (كلك ـ طوافة) وقرية ( دير بون ) العراقية، وكان سعيد يسرد لي ذكرياته عن تلك الأيام بفخر واعتزاز، وذكر لي الرفيق عثمان إبراهيم هو الأخر انه كان يرافق بعض الرفاق من القامشلي إلى بيت نايف باشا ولم يكن يعرف مركز هؤلاء الرفاق إلا بعد هروبه (عثمان إبراهيم) سنوات الوحدة السورية ـ المصرية إلى العراق والتقائه الشهيد الخالد سلام عادل في مقر جريدة اتحاد الشعب في شارع الكفاح ببغداد. وهناك تعرف على بعض الوجوه من الذين كان يرافقهم وكم كانت فرحته (والكلام له) عندما عرف ان هؤلاء هم كانوا من قادة الحزب. هذا وقد برز لاحقاً إلى جانب هؤلاء الرفاق القدامى جيل أخر، أمثال حسين عمرو(ابو ناظم )، الدكتور محمد شيخو، احمد كرو، نوري فرحان عضو مجلس محافظة الحسكة، سعيد دوكو (أبو ماجد) مسؤول منظمة ديريك للحزب، وهم أعضاء اللجنة المركزية وأبو وحيد وخالد سليمان وأبو نور وأخرين كثيرون من الأجنحة الأخرى للحزب لا استطيع في مقالة قصيرة ذكرهم، وللحقيقة لا يمكن ايضاً نسيان دور الأحزاب الكردية السورية وقادتهم ووقفتهم إلى جانب حزبنا ومؤازرتهم له، ومنهم(الفقيد كمال احمد آغا سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي السوري، حميد الحاج درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي السوري وعصمت سيدا سكرتير الحزب اليساري الكردي السوري وأخرين ...).
كان لقامشلي كما أسلفتُ دوراً يشار لأهميته في تأريخ الحزب للتواصل في ظروف عمله السري مع الخارج لتوفير وتسهيل متطلبات نضاله وحركة كادره القيادي. وكان يعتمد في تلك الفترات بالدرجة الرئيسة على كوادر الحزب الشيوعي السوري، إلا ان هذا الدور قد تعاظم شأنه مع تغير سياسة الحزب ولجوئه لحمل السلاح ضد النظام الدكتاتوري 1979 ـ 1989، وبرزت إلى جانب مهمة توفير مقتضيات هذا الشكل من النضال، مهمة أخرى لا تقل عنها أهمية الا وهي إيجاد السبل لإيصال تلك المستلزمات إلى مواقع تواجد رفاقنا في كوردستان العراق. فقبيل تشكيل محطة القامشلي بُذلت محاولات جادة وكثيرة في هذا المجال، فمن جهة بادر بعض الرفاق القياديين والكادر وبتوجيه من الحزب على شكل مجاميع منفردة ومنعزلة بعضها عن البعض وتوجهت تلك المجاميع نحو كل الاتجاهات للقيام بتلك المهمة، إلا أن اعتماد تلك المساعي على الأنماط القديمة والسابقة لفترة الكفاح المسلح لم تأت بثمارها، وبما يرتقي لمستوى طموح الحزب في تلبية متطلبات كفاحَه التي كانت أوسع من تلك بكثير. ومن جهة أخرى كثف الحزب اهتمامه لبناء محطة خاصة به في القامشلي تتلاءم وحجم تلك المهام وتدار من قبل رفاقه وتحت اشرافه المباشر وبمعية الكادر ذي المقدرة والمؤهلات في هذا المجال من الحزب الشقيق وبمساعدة الأحزاب الكردية التركية الصديقة، والتي أصبحت فيما بعد المحطة الرئيسة في فترة الكفاح المسلح.
اواسط عام 1979 نسب الرفيق جلال دباغ مسؤولاً لها. في البدء لم يكن تواجده رسمياً إلى أن تم بناء علاقة الحزب رسمياً مع الحكومة السورية، وحال بناء تلك العلاقة اصبح تواجده وهذه المحطة رسمية في القامشلي، وكان العمل فيها ينصب بدرجةٍ أساسية على تهريب السلاح والمعدات الأخرى من خلال الحدود التركية إلى كوردستان العراق، لأن الحدود السورية ـ العراقية المباشرة كانت عصية على الاجتياز، أما الرفاق الذين بحوزتهم جوازات نافذة المفعول كانوا يحصلون على الفيزة التركية كسواح عراقيين يسافرون من خلال (القامشلي ـ نصيبين) يستلمهم في الصوب التركي الرفيق (محمد شيرواني) بمساعدة حزب (كوك) ومن هناك نحو مقرات الأنصار في كوردستان العراق، وكان الرفاق يمكثون لأيامٍ معدودة في القامشلي وفي فنادقها، ولم يكن آنذاك ما يستدعي لتوزيعهم على العوائل السورية إلا ما ندر. إلا أن استيعاب هذا المنفذ لم يكن يتناسب مع ثقل الأعداد الكبيرة من الرفاق الذين يصلون إلى القامشلي يوماً بعد يوم، وللحفاظ على سلامتهم وتوخي الحيطة والحذر من كشف السلطات التركية لمرامي هذه الأعداد الكبيرة التي تتوجه نحو تركيا، اُتخذتْ بعض الإجراءات من قبل المجموعة المسؤولة على إدارة المحطة. منها وضع الفواصل الزمنية بين سفر مجموعة وأخرى، ولزيادة الصيانة والاحتراز تمت الاستعانة بعوائل الرفاق السوريين لاستضافة قسمٍ منهم لفترات مؤقتة بدلاً من الفنادق ...الخ. المنافذ للوصول إلى مناطق تواجد رفاقنا في كوردستان من دول الجوار العراقي كانت محدودة أمام الحزب (المنفذ الرئيسي كانت سوريا وهذا من خلال الحدود التركية) وحتى هذا المنفذ كانت تحيطه مصاعب وعثرات جمة، ومع تزايد وصول الرفاق إلى القامشلي توسعت مهام هذه المحطة مع الوقت، من تلك المهام على سبيل المثال البحث الدائم لإيجاد الممرات الحدودية الجديدة ، إدارة شؤون الرفاق المسافرين ونقل الأجهزة الفنية المطلوبة...وغيرها، فكان لابد من تعزيز الكادر فيها، فتم لاحقاً دعمها بمجموعة من الرفاق وفق مواصفات معينة. قسم منهم دائمو البقاء فيها ويتم دعمهم بين حين وأخر عند الحاجة بالرفاق المسافرين نحو كوردستان، وفي نفس الوقت كان لابد من الاستعانة بكوادر فنية من الأحزاب الكردية الصديقة لنا من تركيا ( د.د.ق.د / ك.و.ك /بيشنك وأخرين ... ) للمعلومات اللوجستية من جهة والاستعانة بقسم أخر كأدلاء في الطرق من جهة أخرى، وللحقيقة المساعدات كانت متبادلة، في القامشلي نحن نقوم بإيواء أعضائهم الهاربين من تركيا وتقديم العون المالي لهم، وكان الحزب مظلة لتواجد قياداتهم وكوادرهم في سوريا.
في أيلول عام 1980 وقع الانقلاب العسكري في تركيا الذي قاده كنعان إيفرين أحدث جملة من المتغيرات وضعت الصعوبات والحواجز الكبيرة والجدية في وجه عمل هذه المحطة، فمن جهة أقدمت السلطة الجديدة على أتخاذ الإجراءات الشرسة المناوئة للقوى اليسارية في تركية وملاحقة قياداتها وأعضائها مما أدى إلى شل فاعلية الأحزاب الكردية الصديقة لحزبنا هناك، ومن جهة أخرى شددت قبضتها على حدودها مع سورية، وبمحض الصدفة وقعت مجموعة من رفاقنا المتجهين نحو كوردستان في داخل الأراضي التركية بقبضة مفرزة عسكرية تركية، وسرعان ما قامت تركيا بتسليمهم إلى الحكومة العراقية، سببت كل تلك المتغيرات بخسارة هذا المنفذ الحيوي للحزب، فاتجه الحزب نحو أصدقائه من الأحزاب الكردية في تركيا للحصول على ما لديها من الإمكانيات لمساعدته وتوفير مستلزمات استدامة محطاته في جبال تركيا، وكذلك الاستعانة بأدلاءٍ منهم للممرات هناك. وفعلاً كانوا بمستوى المسؤولية في تلبية احتياجات الحزب في هذا المجال، فاستمر سفر الرفاق نحو كوردستان عبر اجتياز الحدود سراً بمعية هؤلاء الأصدقاء. وقد سارت الأمور لفترة زمنية سيراً حسناً، واجتازت مجاميع كبيرة مع أسلحتها الحدود إلى محطاتنا المتواجدة في جبال تركيا، بالإضافة إلى حمولات الأسلحة بواسطة البغال وإذاعة الحزب وملحقاتها، ومن هناك نحو مقرات الحزب في كوردستان.
أواسط عام 1982 بدأت مصاعب الحدود وتعقيداتها تتصاعد يوماً بعد يوم مع تطورات وسير اتجاهات معارك الحرب العراقية الإيرانية ومعرفة الحكومة التركية بالممر السوري ـ التركي الذي اصبح الممر الرئيسي لأنصار الحزب الشيوعي العراقي فأخذت تشدد قبضتها على حدودها مع سورية اكثر فأكثر بتكثيف أبراج المراقبة والدوريات الليلية والإضاءات على طول الحدود، فازدادت لدينا هواجس الخوف على سلامة رفاقنا اثناء اجتيازهم للحدود، فكان لابد من توقي الحذر الشديد والتمهل في تسفير الرفاق أو تسفيرهم بمجاميع الصغيرة وبين فترات متباعدة، وآثرنا أحياناً وقفه عند اشتداد المخاطر. وفي الوقت ذاته كانت لنا توجيهات مشددة للأدلاء والأشخاص المتعاونين معنا بتجنب الصدام مع السلطات التركية أثناء عبور الحدود إلا دفاعاً عن النفس، لأن وجهتنا كانت الوصول إلى الأراضي العراقية ليس إلا، مع ذلك لم يكن الحزب بمنجى عن الخسائر لكوكبة من رفاقه اثناء اجتياز الحدود، في ليلة 21/ 22 ـ 9 ـ 1982 وعلى منفذ قرية ( بازفت ـ كاتران) التركية خسرنا ثلاثة من رفاقنا : وهم الشهداء الدكتور سلمان جبو، المهندس نمير عبد الجبار والاقتصادي بهاء الأسدي وجرح الرفيق نجم الخطاوي، دفن الشهداء في مقبرة القرية ومن قبل أهاليها، وفي فترة لاحقة من نفس العام جرح حسن جميل على أيدي العسكر التركي على منفذ (كَركي سلمى) اثناء عودته إلى سورية ضمن مفرزة الطريق واستشهد في الطريق نقله إلى المستشفى، واستشهد من الأدلاء (أكراد ـ تركيا) محمد الحاج خليل اثناء محاولة عبور الحيوانات المحملة بالسلاح من منفذ قرية (سرم ساغ ) وعبدالله سيدا على نهر دجلة وأعتقل رفيقه الدليل محمد خمي الذي بقي عالقاً في الجانب التركي لعدم تمكنه من العودة مع رفاقنا إلى الجانب السوري والدليل حامد وأبنه اثناء عبوره للحيوانات من منفذ (بربيتة )، وفي عام 1983 استشهد الدليل الشجاع والبطل نورالدين معروف في معبر ( بازفت ـ كاتران ) كل تلك الحوادث سببت في إطالة مكوث الرفاق في القامشلي فترات أطول نسبياً، ومما زاد الطين بلة التصريحات غير المدروسة لبعض الرفاق القياديين في الدول التي يتواجد فيها رفاقنا وحثهم على الاسراع في التوجه نحو الوطن بادعاء ان النظام " آيل" إلى السقوط ، فبدأ الرفاق يتدفقون بمجاميع كبيرة نحو دمشق ومن هناك إلى القامشلي، وفي القامشلي وجد القائمون على المحطة أنفسهم أمام ازمة التواجد الهائل للرفاق في ظرفٍ توقفت فيه بعض المنافذ والممرات الحدودية لأسباب أمنية، وقد وزع الرفاق في البداية على عوائل الرفاق السوريين، لقد احتضنت تلك العوائل رفاقنا المتوجهين إلى كوردستان لأيام في بيوتهم بكل رحابة صدر بالرغم من الظروف المعاشية الصعبة التي كان يعيشها قسم منها. لقد قسمت لقمة عيشها مع رفاقنا واغدقت عليهم المحبة والحنان لدرجة عند مغادرتهم نحو الوطن كانت العوائل تشعر وكأن جزء من العائلة قد فارقهم، وكانوا دائماً في السؤال عن أحوالهم واخبارهم. والذي زاد من وتيرة طيبتهم هي الأخلاقية العالية والشفافة التي اتسم بها رفاقنا فترة مكوثهم معهم ، إذ تركوا أثراً جميلاً لديهم، إلا أن البقاء لأيام غير معروفة في كنف العوائل ومع تردي الأوضاع المعاشية في عموم سوريا، كان لابد من التفكير في معالجته، فلجأ القائمون على إدارة المحطة إلى استئجار البيوت لتسكين الرفاق مع توفير مستلزمات العيش والحياة اليومية، ولابد من الإشادة بالروحية العالية والمسؤولة من لدن أغلب الرفاق على صبرهم وتحملهم للبقاء فترات طويلة في تلك البيوت بعد ان كانوا بذهنية ومزاج خاصّين ما ان يصلوا إلى القامشلي حتى يتم تسفيرهم نحو الوطن.
وهنا أود الإشارة إلى انه بالرغم من تواجد وبقاء اعداد كبيرة من الرفاق ولفترات تعدت أحياناً أشهراً في القامشلي، بقيت القامشلي كمحطة لنقل السلاح والرفاق وتهيئة مستلزمات سفرهم في أية لحظة سنحت لها. ولم تكن هي منظمة حزبية كما يتصور بعض الرفاق( بمفهوم منظمة لها قواعدها وفق النظام الداخلي للحزب آنذاك)، وكل ما جرت من الأمور في بناء العلاقات مع الجهات الرسمية السورية في المدينة كانت هي حال امتداد لعلاقات الحزب مع الحكومة السورية، وكذلك حال العلاقات الأخرى التي بنيت مع الأحزاب سواء السورية، الكردية ـ التركية، العراقية بمختلف اتجاهاتها أو مع القرى والشخصيات فيها ومع من كانت من الأفراد، كانت خاضعة بمجموعها لخدمة وتسهيل مهام الهدف الرئيسي الذي تشكلت هذه المحطة لأجله، وما فاض عن ذلك كانت تعد من الأمور الثانوية.
لجأ الرفاق المسؤولون عن المحطة وبتوجيهات قيادة الحزب وتجاربهم الشخصية إلى حصر وتضيق دائرة المعلومات عن عملها واسرارها، وذلك حفاظاً على سرية العمل ومنعاً للهفوات التي قد تبرز هنا وهناك، وتلحق بنا وبالأشخاص والأدلاء والجهات المتعاونة معنا ضربات موجعة، حيث زود كل رفيق بالمعلومات الخاصة بالمهمة المكلف بها حصراً، وسارت الأمور بشكلٍ جيد وبقي الحزب بمنأى عن الخروقات الأمنية سواء من الجانب العراقي أو التركي أو السوري.
لقد تم منذ البدء بتكوين المحطة تقسيم العمل بين الرفاق: مجموعة، حسب معرفة أشخاصها وتخصصهم للقيام بمهمة مخازن الأسلحة لترتيبها وتنظيفها والتهيئة لإرسالها سواء مع الرفاق أو المهربين أو حمولات على ظهور البغال، ومجموعة أخرى لتلبية متطلبات الرفاق من معالجات صحية ومشتريات ضرورية وزيارتهم لدى العوائل السورية...الخ ، وتم فيما بعد بناء ورشة لخياطة ملابس البيشمركة والقابوريات ...وغيرها وتكليف رفيق بكامل الصلاحيات للقيام بها، ومجموعة أخرى مسؤولة عن أمور الحدود والتنسيق مع الأدلاء لسفر المجاميع والبحث عن الممرات الجديدة والأدلاء لها ... أنا شخصياً من الموقع الذي اشغلته خلال السنوات التي قاربت العشر كمساعد لمسؤول المحطة فترة، ومسؤولها فيما بعد، لا يسعني إلا أن اعبر عن اعجابي بالعمل الدؤوب والشعور العالي بالمسؤولية والتفاني من قبل الرفاق الذين عملت معهم في إدائهم للمهمات التي أنيطت بكل واحد منهم، وكان عمل الواحد منهم يكمل عمل الأخر، وكل إنجاز من الإنجازات التي تحققـت في هذا المجال وهي كثيرة ( نقل أطنان من السلاح بمختلف أنواعها بما فيها صواريخ ـ استرلا المضاد للطائرات ـ وإذاعة الحزب وملحقاتها والمعدات الفنية الأخرى، إلى جانب الاعداد الكبيرة من الرفاق) ينسب لهم جميعاً، ولكل حسب موقعه ومهمته واذكر منهم الرفاق (جلال دباغ الذي كان له الدور في تأسيسها وأول مسؤول لها، محمد شيرواني، درمان سلو، سلام موسى، حاكم عطية، أبو حازم، خيري القاضي، حمه صالح والشهداء فارتان شكري، كاميران، كارزان ...) وأخرين، واستميح العذر للرفاق الذين لم يسع المجال هنا لذكرهم.
وهنا أود وبإيجاز أن أشير إلى عملية التنسيق بين محطة القامشلي ومحليتي نينوى ودهوك للمراسلة بين المركز القيادي للحزب في دمشق والمركز القيادي في المحليتين المذكورتين من خلال مدينة سنجار، وكان هذا خطاً سرياً جداً في حينه ومخصصاً للمراسلة فقط، وكان لقيادة المحليتين وصايا صريحة لنا لتعامل مع الرفيق الذي يقوم كمراسل لأنه كان ضمن تنظيمات الداخل وفي حالة كشفه كان سيتعرض لخطر الوقوع بقبضة مخابرات النظام مما يؤدي إلى خسارته من جهة وانقطاع الخط من جهة أخرى، لذا كان التعامل معه محصوراً بالرفيق مسؤول المحطة من حيث الصيانة والاهتمام، وقد تم تنسيب الرفاق من القامشلي لمرافقته، وأستمر هذا الخط فعالاً وسريا لحد عام 1989 عندما عبر من خلاله انصارنا في منطقة (بهدينان) وقيادة المحليتين المذكورتين إلى سورية وبذلك انتفت الحاجة لها أو أهملت.
منذ بداية تشكيل هذه المحطة كانت لدى الحزب فكرة الاعتماد على الذات ليس في إدارة محطة القامشلي فحسب، بل في تسير جميع أمور النقل من القامشلي وإلى كوردستان من خلال تشكيل مجموعة من الرفاق المتميزين ليقوموا بالمهمة، تم تداول الفكرة مرات عديدة بين الرفاق المسؤولين في دمشق وقاطع بهدينان والقامشلي، ولقد توفرت القناعة عند الجهات الثلاث، إلا أن الجوانب الفنية واللوجستية لتنفيذ الفكرة بالكامل لم تكن ناضجة وبشكلٍ خاص بين القامشلي ومحطاتنا في الجانب التركي ( فكان لابد في هذا الجزء من الاستعانة بالأخرين )، وهكذا بقيت الفكرة مدار البحث والمناقشات، أواسط 1982 بعد التداول مجدداً للفكرة بين الرفيق الراحل توما توماس (مسؤول قاطع بهدينان) والرفيق الراحل سليمان يوسف (مسؤول المكتب العسكري والمشرف على عملية النقل) والرفاق مسؤولي القامشلي، إذ تم تشكيل مفرزة لنقل السلاح والرفاق ( مع الاستعانة بأدلاء من الأحزاب الصديقة مفرُزين للعمل مع حزبنا) وهكذا شُكلتْ المفرزة وسميت بمفرزة (الطريق)، وقدمتْ إنجازات كثيرة خلال عملها ( مرافقة الرفاق الملتحقين الجدد، نقل السلاح كحمولات على الظهور، المساهمة مع الأدلاء وأحياناً مع المهربين لإيصال الحيوانات المحملة بالسلاح ومرافقة الرفاق العائدين من كوردستان إلى القامشلي) وبتشكيل هذه المفرزة أضيفت إمكانية جديدة إلى جانب إمكانيات الحزب الأخرى في مجال نقل الرفاق والسلاح، لقد عمل ضمن هذه المفرزة مجموعة لامعة من الرفاق، قسم منهم واصلوا العمل فيها إلى النهاية وقسم أخر تركوها لتكليفهم بمهمات أخرى، وقد خسر الحزب في (27 ـ 9 ـ 1984) كوكبة لامعة منهم بعد أن استشهدوا في المعارك الحدودية على نهر دجلة في العمق العراقي وهم (عبد الكريم جبر /المسؤول العسكري لها، صالح حسين الأسدي، هاشم جهاد سيف، راضي محمد، نجيب هرمز يوحنا والطبيب أبو ظفر ومعهم الدليل السوري أبو إبراهيم لهم المجد والخلود، هؤلاء كانوا حقاً ملح ارض العراق.
علاقة محطة القامشلي كانت مركبة، داخل سورية مع مركز القيادة في دمشق من خلال عضو المكتب السياسي (فخري كريم)، وفي كوردستان مع مسؤول قاطع بهدينان (توما توماس) والمشرف الرئيسي على هذه المحطة والمتنقل بين كوردستان وسورية كان عضو المكتب السياسي (سليمان يوسف ـ ابوعامل) واشراف عام ايضاً من المكتب السياسي من خلال (عمر علي الشيخ وكريم أحمد) وكانت لهذه المحطة الصلاحيات الكاملة والميزانية المفتوحة مع الرقابة وكلف الرفيق ( محمد شيرواني ) مسؤولاً للمالية فيها، وتوسعت قيادة المحطة فيما بعد بانضمام الرفاق في محطة أبو حربي (الجانب التركي) اليها.
بعد انسحاب الرفاق الأنصار من قاطع (بهدينان) إلى تركيا، قامت قيادة هذه المحطة بالتعاون مع رفاق محطة (أبو حربي) المتواجدون هناك بسحب معظمهم من المخيمات التركية إلى سوريا بالتعاون مع الأحزاب الكردية(التركية) الصديقة لحزبنا.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي