تأملات في -سورة الشعراء-

حسان الجودي
2021 / 11 / 28

.
تقدّم سورة الشعراء حجّةً لا تدحض حول أن الإيمان هو حاجة روحية سامية. وأن جميع البراهين العقلية والمعجزات لا تستطيع تقديم الإيمان على طبق من ذهب إلى الناس.
تحدثت السورة القرآنية عن تاريخ الأنبياء مع شعوبهم ، التي طالبتهم بالمعجزات تأكيداً على رسالتهم. وحين استجاب الله لتلك المعجزات ، وحقّقها على يد أنبيائه موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب. لم تغير المعجزات شيئاً وبقي الكافر على كفره والمؤمن على إيمانه. وقد تكررت في السورة آية "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين" ثمانية مرات لتؤكد فشل المعجزات في تغيير النفوس.
ويبدو هذا السياق الجميل، متفقاً مع وجود الجانب الروحي العميق في الإنسان، والذي يتناغم مع الإيمان بالمعتقدات المختلفة سواء أكانت أدياناً سماوية أو أدياناً وضعية . لكنه لا يبدو متفقاً أبداً مع سياق الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، والذي أضحى تجارة رائجة. وهو تجارة، لأن القرآن الكريم ليس كتاب علوم أو فلك. إنه كتاب تعاليم أخلاقية وحكايات دينية تعليمية ، و قواعد تشريعية.
لا حاجة لأي مؤمن أن يقتنع بكلام زغلول النجار أو غيره حول إعجاز سورة الحديد مثلاً (وهو بالمناسبة تدليس صريح من زغلول النجار) ، كي يزداد ثبات إيمانه. ولن يغير كافر موقفه العقائدي حين يسمع تجّار الاعجاز العلمي وهم يلعبون كسحرة فرعون بالآيات، ويكذبون ويزيفون ويستعينون بما يدعى (العلوم الزائفة) لإثبات وجود إعجاز علمي في القرآن الكريم.
لقد قدّم الله ثمانية أمثلة تاريخية تدل على فشل المعجزة في إحداث التغيير في النفوس ، فكيف يستقيم مع تجار الإعجاز العلمي منطق النظر إلى المعجزة كوسيلة تغيير؟
قد يرى الإنسان الله في شجرة لوز تتفتح، كما كتب نيكوس كازانتزاكيس. وقد يراه في طلوع الشمس أو في الشفق القطبي ، أو في ولادة طفل جميل له، أو في إحدى صور ناسا لكوننا الشاسع. حينها تنث الروح الدفء الوجودي الجميل ، والذي يثير مشاعر البهجة العميقة والامتنان والرغبة في التعبير عن الشكر للخالق.
المفارقة الجميلة الأخرى في سورة الشعراء هي الآيات الأخيرة منها:
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون .
والإشارة الإلهية واضحة في الآيات السابقة على قدرة الشعر في إحداث التغيير. فالشعراء يتبعهم الغاوون ، وفي هذه الإشارة إحالة صريحة على دور الكلمة على إحداث التغيير ، وهذا لم تستطع المعجزة فعله!
هل ذم الله الشعراء في تلك الآيات أيضاً؟
لا أعتقد ذلك ، فالنظر إلى الآيات في شرطها الزمني يقود إلى أن المقصودين هم الشعراء (السيئون ) . بينما هناك طائفة أخرى هم الشعراء (الجيدون) الذين كانوا يدعون إلى الخير ، عكس الشعراء المذمومين.
ولفهم هذا السياق لا بد من الإشارة إلى كيف كان الشعر عند العرب مقروناً بالحروب والوقائع ، وكيف كان الشعر لا يزدهر إلا في الحرب. وكيف استطاع الشعراء استخدام القصيدة كأداة قتال.
ويمكن لنا أن نغض النظر عن التصنيف القرآني الذاتي للشعراء ، (كفاراً ومؤمنين) ، لننطلق إلى التصنيف الموضوعي للشعر نفسه.
وهل يمكن وضع بعض المعايير لذلك؟
إذا كانت اللغة موجودة قبل الأفكار، والمشاعر قبل الأفكار ايضاً. فهذا يعني أن الشعر هو قبل كل شيء . ..
وهو تلك العصا السحرية التي استخدمت للطيران، وقصّ البحار، وتحويل القلب إلى طائر طنّان في فضاء الكون.
السؤال الذي يتبع ذلك، كيف استطاع الإنسان تطويع الشعر في مسيرته التطورية التي يميزها الصراع والتنافس .
نستطيع بهذا السؤال فهم وجود الملاحم الشعرية . ونستطيع فهم وجود شعر الحماسة والفخر . كما نستطيع فهم سياق سورة الشعراء في آياتها الأخيرة.
ونستطيع التيقن حينها أن الإنسان كسر تلك العصا السحرية وحوّلها إلى أداة قتال.
ونستطيع في الأوان الحالي الوقوف على التراث العظيم الشعري للبشرية والتأكد من أن الشعر الخالد مرتبط بالجوهر النقي للروح الإنسانية التي تنشد السلام مع الأنا والآخر والكون، ولا يمكنه أن يكون إطلاقاً رمحاً أو سيفاً نطعن به الآخر.
لا مجد في جميع الحروب!
والشعر الحقيقي ليس أحمر بكل يد مضرجة يدقّ. إنه شعر نظيف من الكراهية والعنف ، شعر يدعو إلى التسامح ونسيان الحقد . إنه باختصار نص مقدس يتحدث عن الجمال والحرية والعدالة والإخوة الإنسانية ، ويشق مجراه في رؤوس وقلوب السامعين والقرّاء بالكلمة الطيبة.
وهو كما كتب هايدغر: "الشّعر منبع ومؤسّس اللغة والفن والتاريخ والوجود والوقت والحقيقة، إنّه لنبع أولي، يؤسّس ويؤطّر ويُسمّي، يبعث على الوجود، يصنع فكراً. لا شيء خارج الشّعر. إذا ما نظرنا بدقّةٍ للأمور سنجدُ أنّه لا يوجد شيء خارج الشّعر، ولا يفلتُ حتى العدم من قبضة الشّعر".
لذلك تبدو الرهانات على حصان الشعر الاسود خطيرة ومؤثِّرة ، حين يتعلق الأمر بركوب الحصان وارتداء الخوذة والزرد ، وحمل الرمح ، ورفع العقيرة بضرورة إبادة الأعداء.
لكنها على ما يبدو الجاهلية الألف للشاعر العربي/السوري المعاصر.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي