تحية إلى المناضل العمالي الشيوعي الثوري بيار بوا

بيار بوا
2021 / 11 / 28



النص هو خاتمة كتاب بيار بوا- حياة مناضل عمالي شيوعي ثوري، لي بون كاراكتير، 2020



ولد بيار بوا عام 1922 في عائلة عمالية وتوفي يوم السبت 16 شباط/فبراير عام 2002، قبل أيام قليلة على عيد ميلاده الـ 80.

تنحدر والدته من أصول عمالية في قطاع الزراعة من بيكاردي. منذ طفولتها عملت في الخدمة المنزلية، وعندما بلغت سن الـ 14 عملت كمدبرة منزلية. عاشت التهجير مرتين، خلال 1914-1918، ثم عادت إلى بلد مدمر. حيث عملت من جديد بالخدمة المنزلية في باريس.

ينحدر والد بيار من عائلة ريفية شديدة الفقر من ليموزين، عمل في قطاع البناء في العاصمة. دعي إلى الخدمة الإلزامية حيث أمضى عامين فيها، ومن ثم نقل للمشاركة في حرب 1914 إلى: الألزاس وشومين دي دام، سوم، إيطاليا، لم يسرّح من الخدمة الإلزامية إلا سنة 1920، حين بات مناهضاً للعسكر. بعد ولادة ولديه، بيار وجان، انتسب إلى الحزب الشيوعي عام 1923، بعد 3 سنوات على تأسيسه، وبقي فيه حتى العام 1933.

وصلت عائلة بوا إلى غوسانفيل التي كانت ضمن سين اي أويز، عام 1925، واستقرت في منزل قيد الإنشاء، لا تتوفر فيه المياه والغاز والكهرباء والصرف الصحي، والطرقات المفضية إليه موحلة. أمضى والد بيار كل حياته في استكمال بناء المنزل وتوفي قبل أن ينجز ذلك فعلياً.

لم يذهب بيار بوا إلى المدرسة إلا عندما بلغ سن الـ 7، لأنه كان عليه الانتظار تأسيس مدرسة في تلك المنطقة. وبدأ بالعمل عندما بلغ سن الـ 15 كبنّاء عند صاحب عمل صغير.

في العمر نفسه، انتسب بيار إلى الشبيبة الشيوعية، التي كانت منشغلة بالحرب الاسبانية، إلى جانب 20 رفيقاً من الشبيبة الشيوعية، بنوا منزلا لحلقتهم بعد شرائهم منزلاً مرت به سكة الحديد، فأصلحوه بأنفسهم. هناك أجرى قراءاته السياسية الأولى وأصبح مسؤولاً عن المكتبة وعن توزيع نشرة الطليعة.

عندما بلغ سن الـ 17، عمل عند بريسونو، مؤسسة تصنع عربات قطارات المترو في مونتاتير، بالقرب من كريل في لويز. فكان يسير من عمله وإليه مسافة 70 كلم كل يوم على دراجته الهوائية. ومن ثم عمل في الشركة الوطنية لسكك الحديد كتلميذ متمرن في أسفل الهرمية الوظيفية. وقبل نشوب الحرب بقليل عام 1939، عمل بيار بوا في محطة سورفييه، دائما في منطقة سين اي أويز.

واستمر مناضلا في صفوف الشبيبة الشيوعية على الرغم من منع كل التنظيمات الشيوعية، ومن ثم، وبفضل تمتعه بحرية الحركة بسبب عمله في قطاع سكك الحديد، تابع نضاله خلال الاحتلال، بعد هجوم ألمانيا على الاتحاد السوفياتي.

وفي عام 1941، أقنعه زميل سابق في مدرسته، ماتيو بوتشولز، بوجود هوة عميقة بين سياسة الحزب الشيوعي ومبادئ الشيوعية. من أجل ذلك، زوده بوتشولز بكتب عن أسس الماركسية حتى يقرأها، ومن ثم، بواسطة بطاقة طالب مزورة، توجه إلى المكتبة الوطنية، حيث كان لا زال ممكناً قراءة الكتب الممنوعة، كان بيار بوا يستفيق عند الساعة 3 فجراً للتوجه على الدراجة الهوائية إلى سانت دنيز، حيث كان يعمل. لم يكن بإمكانه الذهاب بواسطة القطار لأنه هو الذي كان يفتح المحطة عند الساعة الـ 5 صباحاً! حيث كان يعمل حتى الساعة الواحدة ظهراً، وبعد الظهر، كان يتوجه إلى المكتبة الوطنية حتى الساعة الخامسة أو السادسة مساءً. ومن ثم يعود إلى غوسانفيل على دراجته الهوائية.

منذاك، أصبح بيار بوا مناضلاً تروتسكياً، حيث بدأ بالمشاركة في نشاطات المجموعة التي أسسها دافيد كورنر. في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1942، باتت المنطقة المسماة حرة محتلة من الألمان. فطلب منه كورنر استعمال بطاقته الوظيفية كعامل في سكك الحديد للتوجه إلى المنطقة الحرة، حتى يرى رابتيس (بابلو، المسؤول عن الحزب العمالي المستقل) في سانت هيلير دو توفي، بالقرب من غرونوبل، حيث كان في مصحة، بهدف تسليمه منشورات المجموعة. بعد بضعة أشهر، عاد بابلو إلى باريس، حيث كان يعطي للمجموعة، التي بات اسمها الاتحاد الشيوعي (الأممية الرابعة) دروسا في التثقيف الماركسي التي كان يشارك فيها بيار بوا.

كان شهر حزيران/يونيو عام 1943، الزمن الذي استدعي من بعمره إلى العمل الإجباري، فطاله ذلك بحيث عمل في الشركة الوطنية لسكك الحديد كعامل سكك حديد. ولكن بعد مرور وقت استدعي للعمل في مرفأ هامبورغ حيث معسكرات إنزال العسكر. عندها “انشق” وتخفى حتى نهاية الحرب.

عند التحرير، ولكونه تروتسكياً، خطفه أعضاء في الحزب الشيوعي وسجنوه في مركز حزبهم، إلى جانب شقيقه جان. أطلق سراح بيار، لاحقاً تمكن جان من الفرار، وعندها عرفا، أن ماتيو بوتشولز قد عُثِرَ على جثمانه في نهر السين.

في كانون الأول/ ديسمبر عام 1944، عمل بيار بوا في مصنع لشركة السيارات سيتروين حيث استكمل نضاله هناك. بدأ في مصنع سانت أوين في بريس، حيث كانت مهمته حمل قطعة حديد تزن 28 كيلوغراماً. العمل يقوم به عاملان، الأول يحمل القطعة، والثاني يأخذها منه ليمررها تحت ماكينة الضغط، كل ذلك يجب أن يحصل خلال دقيقة. من ثم عمل في مصنع سيتروين في لوفالوا، حيث كانت تُجدَّد محركات الـ جي أم سي الأميركية التي كانت تأتي من الجبهة. فكانت تفكك وتجمع بعد تنظيفها. ومن ثم عمل في فيلبروكين، وبعدها في كليشي. ترك سيتروين لمدة 11 شهراً ليعمل في مهن عديدة قبل أن يشتغل في مصنع رينو، في شهر أيار/مايو 1946. عمل في القسم رقم 6 الذي يصنع بشكل رئيسي التروس.

في شهري نيسان/أبريل- أيار/مايو عام 1947، قاد عمال القسمين 6 و18 بعد انتخابهم للجنة إضراب، وبات، تحت قيادة كورنر السياسية، المحرك وقائد إضراب رينو-بيانكور، الذي أجبر الوزراء الشيوعيين على الاستقالة من حكومة راماديه.

ومن ثم، وكما أن الاتحاد العمالي العام لم يرغب بالاعتراف بنقابة القسمين 6 و18، أسس بيار بوا، يقول البعض رغماً عن أفكاره، نقابة مستقلة اسمها نقابة رينو الديمقراطية، التي خاضت معركة صعبة للاعتراف بها وحتى تستطيع تمثيل العمال. عام 1949، تلاشى الاتحاد الشيوعي إثر النزاع بين كورنر وبوا بسبب طريقة إدارة كورنر لنقابة رينو الديمقراطية. بعد حلّ الاتحاد الشيوعي، تابع بيار بوا نضاله داخل مصنع رينو. حيث نشر مجلة صغيرة، اسمها العامل المتحرر، ولاحقاً مع رفاق من المصنع قريبين من مجموعة اشتراكية أو بربرية، حيث شارك في مجلة، كانت توزع باليد، واقتصر ذلك على مكاتب رينو، باسم المنبر العمالي. صدر العدد الأول في شهر أيار/مايو 1954. من وقتها وحتى العام 1956، ومع بعض الرفاق السابقين من الاتحاد الشيوعي المستقل، كان بيار بوا (الذي كان يناضل تحت اسم الرفيق فيك) أحد المؤسسين لمجموعة الصوت العمالي، التي كانت معروفة بنضاليتها بين بقية الرفاق. منذاك، اندمجت حياته مع النضال في هذه المجموعة. ولاحقاً، بعد حلّ مجموعة الصوت العمالي إثر انتفاضة أيار/مايو عام 1968، الحلّ عينه حصل عند العديد من منظمات اليسار المتطرف، كان بوا من مؤسسي النضال العمالي.

بعيداَ عن احترامنا، وصداقتنا ورفاقيتنا وعاطفتنا تجاهه، كان واحداً، من بين صفوفنا، من الذين ينشرون حقاً الوعي الطبقي. كان يتميز بعمق تحرري، ولكن، في زمن تنتشر التسويات من كل الأنواع، والتخلي عن الأفكار الشيوعية، راديكاليته، التي كانت تتموضع ضمن تقاليد الحركة العمالية الشيوعية، كانت حارسة حكيمة لنا. حتى لحظات حياته الأخيرة، شارك في حياة وإدارة منظمتنا.

قبل أكثر من شهرين بقليل من وفاته، صفق له الرفاق ما إن صعد على المنصة خلال مؤتمر النضال العمالي في بداية شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2001، حيث أنهى مداخلته بالتالي:

“أود أن أختم بالقول: ليس كبار السن من يجب تكريمهم. من دون شك هم يستحقون ذلك. ولكن إذا كان من أمر مهم، أو على الأقل يجدر ملاحظته، فإنه من دون شك مرتبط بظروف زمننا الخالية من المثل العليا.

من يجب أن أهنئهم، هم الشباب الجالسين هنا، لن أقول متى يبدأ سن الشباب ومتى ينتهي، ولكن هم الذين يمثلون مستقبل أفكارنا، وهم يعود، كما آمل، عليهم وضعها [للأفكار] موضع التنفيذ.

في الواقع، من أصفق لهم هم الشباب الذين انضووا اليوم في الحياة النضالية. أسباب الأمل، لن يجدوها حولهم، إنما هي موجودة فيهم. ولذلك يجب تهنئتهم.

وأقول لهم بعد 60 سنة من النضال، كنت دوماً سعيداً، على الرغم من الظروف التي مررت بها. كنت سعيداً بالتثقف، والتفكير، والتمرد. سعيد بين رفاقي من كل الأجيال، سعيد لأنني لست حبيساً في مكان صغير جداً كما هم للأسف الكثير من الناس.

إذاً، رفاقي، إلى الأمام، ثقوا بمستقبل الإنسانية!”

10 أيار/مايو 2009

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان