جسر اللَّوْز 22

علي دريوسي
2021 / 11 / 28

جلسنا على البلكون نراقب غروب الشمس، أعدت مها لنا القهوة وأخذنا نتحدّث في أمور دراستها وجماليات الحياة في ألمانيا، الجماليات الملبدة بالصعوبات والعقبات اليومية. وجدت مها تستغل أحياناً انشغال منير بالنظر إلى شيء ما لترميني بشرارة عينيها التي يستقبلها جسدي برعشة داخلية لذيذة دون أن أستطيع تفسير الحالة.
غادرناها بعد حوالي الساعتين لترافقني نظرة عينيها السوداويتين الواسعتين. ذهب منير في طريقه وذهبت بدوري إلى محطة الباص، وقفت بانتظار الباص وأنا أفكر بالمرأة الإضافية التي تعرَّفت إليها اليوم، مها اِمرأة متوسطة الطول، يميزها حوضها الواسع، نهداها الصغيران، شعرها الأسود الطويل، وجهها البيضوي، وجنتاها المكتنزتان ناهيك عن الشبق الذي يهطل من جسدها الطري كما يتراءى للمهتم في المرة الأولى. فيما بعد يتعلم الإنسان أن الشكل الخارجي ليس مقياساً للمضمون الذي يحلم به. سألت نفسي: كيف لي أن ألتقيها ثانيةً؟ صحيح أننا قد تبادلنا أرقام الهواتف لكني لا أرغب بالمبادرة، فهي بالنتيجة كما فهمت اِمرأة متزوجة، أو لنقل بصورة أخرى اِمرأة مخطوبة، تزوجت قانونياً على الورق، أي سجلت زواجها في المحكمة كي تستطيع لاحقاً تقديم طلب لم الشمل وإحضار عريسها إليها.
"أعزائي لا تقلقوا، سأخبركم بتطورات الأمور مع مها لاحقاً."
أعود معكم إلى حكاية شريط الفيديو الذي صوَّره منير لي مع صديقتي سوزاني دون أن يأخذ إذننا ودون أن يرسل لي نسخة منه، الله وحده يعلم ما الذي فعله منير بالفيديو!
كان الطقس مشمساً في عطلة نهاية الأسبوع، قرّرنا، سوزاني وأنا، أن نتنزه في حديقة المدينة الكبيرة. في الحقيقة هي من اِقترحت وأنا لم أملك إلا الموافقة طواعيةً، كانت قد جهزّت بعض الأطعمة الخفيفة وكذلك الصحون وكؤوس البلاستيك وزجاجة سيكت من النبيذ الفوَّار وزجاجة ماء ولم تنس مفرش النزهة للجلوس. في الوقت نفسه اتصل منير، طلب مني اللقاء في المدينة لأنه يشعر بالضجر، لم أسأله عن صديقته، وحده من قال أنها ذهبت لرؤية أمها، دعوته لمرافقتنا دون أن أسأل صديقتي سوزاني، وافق بفرح ثم جلجل ضاحكاً وقال: "أيامك يا عم، صحتين على قلبك!"، وأضاف: "سأحضر معي بعض المكسرات وأبريق المتة وبقلاوة."
طلبتُ منه أن ينتظرنا الساعة الحادية عشرة والنصف في ساحة ليني، عند الزاوية الجنوبية الغربية من الحديقة الكبيرة، وأغلقتُ الهاتف. شعرت بأنني أخطأت، لكنني لم أتراجع. كنا ما زلنا نفكر بطريقة عربية.
حكيت لسوزاني ما جرى واعتذرت لأنني لم أسألها قبل أن أتفق معه، بدت عليها علائم الانزعاج لكنها قالت بهدوء: "لم أتعرّف إليه بعد، لم أره إلا مرة واحدة في بيتك ولوقت قصير، لا بأس، يستطيع مرافقتنا هذه المرة، رغم رغبتي أن أكون لك ومعك وحدك هذا اليوم."
إلتقيناه في الموعد المحدّد، كان يحمل حقيبة ظهر سوداء، علّق كاميرا في رقبته ووضع قبعة قش على رأسه، كان يقف مرتدياً بنطلونه القصير باستعدادٍ كتلميذ نجيب ويبتسم باشتياقٍ، بدا واضحاً هذه المرة ميلان وانخفاض كتفه الأيسر بالمقارنة مع الأيمن، بدا جبينه الآخذ بالكبر يوم بعد يوم بسبب شعر رأسه الآخذ بالتساقط البطيء واضحاً، ذكّرني المشهد بالفنان "حسني البورظان" في مسرحية "غربة". الشيء الذي دفعني أن أصرخ عن بعد وأنا أضحك: "أبو ريشة .. ابعد عن بعضك!"
صافحني وحاول معانقة سوزاني. بدت قامته الصغيرة بالمقارنة مع قامتها الشامخة مثل لوحة، لعله وصل برأسه إلى مستوى كتفيها، ابتسمتُ وتنبأتُ بحاجته للارتباط مع اِمرأة طويلة القامة وركوب سيارة ضخمة. مشينا ودخلنا الحديقة سوية، كانت الحديقة تضج بالناس كالعادة، شباب وصبايا، رجال ونساء من مختلف الأعمار، بعضهم يمارس رياضة الجري أو المشي أو الرقص على الشارع مرتدين أحذية الدحرجة، بعضهم يستلقي عارياً على المرج متمتعاً بأشعة الشمس وبعضهم يشرب البيرة أو يداعب شريكه. ومن الأشياء المهمة والملفتة للنظر والجديدة بالنسبة للأجانب هي رؤية الأجساد شبه العارية للمسنين والمسنات في الأماكن العامة. ثقافة من نوع آخر. خرائط الشيخوخة والتعب، تعب الجلد والعظام، التي صنعها الزمن مدهشة وتستحق الرؤية والتفكير.
كان كل ما حولنا يدعو للطمأنينة ويحرّض السعادة الداخلية على الانبعاث.
بحثنا عن مكانٍ للجلوس، الأماكن متشابهة، وقع اختيارنا على قطعة من المرج الأخضر تجمع بين الظل والشمس، جلسنا، فرشنا ما أحضرناه معنا، صببت لي ولها كأسين من السيكت، بينما كان منير قد عبّر عن رغبته باحتساء المتة. وما هي إلا دقائق حتى دأب منير على اِلتقاط الصور لي ولها وتسجبل بعض المقاطع الفديوية حين كنا نتبادل القبل.
حدّثنا منير عن عمله وصراعاته الصغيرة مع زملائه، ولم ينس أن يسألني للمرة الثالثة عن لقائي الأول مع سوزاني، لربما ودّ التأكد من مصداقية ما رويته له في غيابها.
تعرّفت إلى سوزاني في القطار السريع المسافر من محطة السكك الحديدية الرئيسية في مدينة درسدن الواقعة شرق ألمانيا إلى مدينة دورتموند الواقعة في القسم الغربي من ألمانيا. كنت يومها في طريقي إلى منزلي الأول حيث تعيش صديقتي آنالينا، أقصد زوجتي الألمانية الحقيقية.
يتبع

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي