من أين يبدأ الإيمان؟

عباس علي العلي
2021 / 11 / 28

في مباحثنا السابقة بينا أن الإيمان حالة وجدانية تتصل بالعقل من جهة وبالإرادة من جهة أخرى، لا نفصل بين العقل والإرادة على أنهما نقيضان أو ضدان نوعيان، ولكن نشير في الحقيقة أن الإرادة أحيانا تأت من غير طريق التعقل وهي الغالب في الأمر، وتسمى أصطلاحا بالتقليد أو المتابعة اللا شعورية بالأنتماء للمحيط، ولكن حينما تقترن بالعقل وتنصاع لخ نرى تكاملا في صيرورة الإيمان على أنه حرية فقط، فكل ما ننتمي له بالحرية يبقى في محل تطور وأهتمام في تقصي جوانبه على أنها من ضروريات التكامل بين الإيمان وبين الذات المؤمنة، ومن هنا نبدأ في البحث عن طرائق الإيمان العقلي الوجداني من منظور فكري يؤسس لحقيقة هامة، أن ما نؤمن به ليس دوما هو الخيار الصحيح بدون فهم جاد وعملي لما نؤمن به ومنه مفهومنا للإيمان بالدين وما هو قبله بالأساس وهو الإيمان بالديان أو المشرع الأساس.
هذا الحديث ليس بالجديد وليس بالذي يترك خاصة وأن ما يتركه على الساحة الفكرية من صراعات على المفاهيم والرؤى لم يخلف من ورائه غير المزيد من الفرص لتناوله في كل مرة بالحديث والنقد والنقاش الذي يصل أحيانا للخصام، ومع كل هذا لا نجد ولو مرة واحدة أن الناس قد أرست مراكبها على مرسى متقارب، فكل حزب بما لديهم فرحون ومنهم وجلون أن تضعف حججهم فيكونوا كمن نفضت غزلها من غير نتيجة، الحقيقة أنا كمفكر وكاتب لا أحبذ سياسة وأسلوب تعامل الخاسر والرابح، لأننا كبشر ساعين للحقيقية ولسنا ملاكها على الأقل من جانبها النسبي، ويبقى الإيمان خيار متاح لكنه محكوم بالرشد العقلي قبل أن يكون محمولا معرفيا متاح للجميع.
وأود أن أشير لقضية مهمة مرت علينا كتأريخ وواقع أن قضية الإيمان الديني مهما كان شكلها أو توجهها، هي بالأخر مجرد تصورات مستندة إلى أسبابها أكثر من كونها قضية رأي ورأي أخر، يمكن فك ألغازها وسرائرها بالحرية المنطلقة من حق الإنسان الوجودي أن يكون بها أو بدونها إنسان، ومع ذلك ما زال البعض يظن أنه يملك حق الإلجاء لنفسه ليجعل من الأخر مؤمنا بما أمن ولو قهرا وأستلابا، وإلا بماذا نفسر تصرف هؤلاء عندما يزعمون أنهم حراس معبد الإيمان الواحد الذي لا خيار ثاني معه ويظنون أن الإيمان شكلا من أشكال الطاعة العمياء التي لا تقبل النقاش ولا تتصالح مع المخالف.
وقيل أن نبدأ البحث علينا أن نفهم جملة حقائق أساسية منها ما يتعلق بما نؤمن به ومنها ما هو متعلق بكيف نؤمن؟ ومنها لماذا نؤمن ومتى؟ الحقيقة الأخرى التي يجب أن يعيها الناس أن العقل الإنساني بطبيعته ونظامه وجدواه ليس بواحد لا في أسسه ولا في برامجه ولا حتى في صيرورته عقلا منفتحا على كل أحتمال، بهذا الإقرار يمكننا أن نشاهد نماذج متنوعة متعددة متناقضة وأحيانا متفاوتة في النظر والوسيلة والنتيجة من الإيمان ذاته، لذا لا عجب أن تتعدد الخيارات وتتعدد معها الصور الإيمانية التي عليها الناس طبقا للطريقة التي يتم التعامل بها مع قضية الإيمان.
أولا لنفهم كلمة إيمان كبداية للبحث مدلولا وقصد وأستعمال أصيل في المصدر الديني، فكل إيمان هو في الحقيقة تصديق مجرد أو إقرار بما هو حقيقي في ذاته، لأن العقل لا يمكنه الإيمان بأي شيء لا يملك المصداقية أو الصدق في ذاته، قال الخليل "الأمن" ضدّ الخوف، والفعل منه أمن يأمن أمناً، و "الإيمان" التصديق نفسه، وقوله تعالى‌: «وَما أنْتَ بِمُؤمنٍ لَنا» أي بمصدِّق لنا، وعلى‌ ذلك درج المتكلّمون في تعريف الإيمان على أنه مجرد الحصول على الإطمئنان بما هو صادق حتى لو يؤمنوا به (الَّذينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كما يَعْرِفُونَ أبْناءَهَمْ) حيث فسّروه بالتصديق قولا وفعلا وعملا، فالإيمان جزء منه معرفة وجزء منه إقرار بالمعرفة والجزء الأكبر هو مزج لبنهما على أنهما حقيقة واحدة (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ ).
ويستلزم الإيمان بالشيء وتصديقه أن يكون المؤمن عالما بما يرمن فليس للتصديق طريق تلقائي دون العلم به (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)، بالنتيجة المنطقية والأفتراضية يجب أن يكون الإيمان معلوما بما فيه على وجه اليقين وإلا عد هذا الأمر من باب التوهم وأحيانا الخداع (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)، فليس كل إدعاء بالإيمان هو إدعاء مصدق وصادق وجاد حتى يتم أمتحانه وأختباره من خلال الأطمئنان الحر الذي هو فوق الخوف وبعد التصديق به، من النصوص التي تشير لمبدأ الصدقية في معنى الإيمان ما ورد في نص قرآني محكم (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، فالإرتياب والشك تضعضع من حقيقة التصديق وبالتالي تضيع قوة الإيمان بما هو صادق وحقيقي.
فكل مصدق بقضية ما على وجه اليقين فهو مؤمن كنطاق عام وقانون أساسي لا علاقة له بما يترجم إيمانه بالواقع، لأن الترجمة السلوكية هي فعل عقلي خارج قضية الإيمان بذاتها، ولكم من طبائع العقل السليم والرشيد أن يتطابق مع المعقول ويعمل به وإلا فعل ترك ما تعقل ضرب من الخروج عن المنطق ويعد شكلا من أشكال الظلم، لذا عندما يصف الله الكاذبين بأنهم ظالمي أنفسهم فهو يقر بأن العاقل لا يظلم نفسه، والكافر مع إيمانه المفترض إنما يترك الحق لما هو دونه لسبب ما وعلة ما، فكل كافر هو كاذب بإيمانه ومكذب لعقله طالما أنه يعلم ذلك لكنه يفشل في مطابقة الحق مع التصديق، ومن هنا يعرف الكفر مطلقا بأنه التكذيب بالمعقول وليس إنكارا له على أنه حقيقي.
فالكافر بمعنى ضدي مقابل المؤمن ليس هم من ينكر الضروري العقلي على أنه معلوم، ولكن هو من يكذب نفسه وعقله ويكذب ما هو مؤمن به على أنه صادق، فهو أصلا يخدع نفسه ليضل عن الإيمان أما بفعل خارجي أو بقصد داخلي ذاتي، هذا الكاذب أصبح بكذبه مع إقراه الذاتي بالإيمان تحول لكافر به أي مغطي لحقيقة إيمانه، فلا يوجد كافر بمعنى ناكرا لوجود الله مثلا أو ناكر لحقيقة الإيمان مطلقا، ونت هنا نفهم النص التالي من سورة غافر (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)، النص يشرح حالتي الكفر التي تستوجب العذاب والخلود في النار وهما "الكفر بالله" بمعنى الأنكار الكلي و " الشرك به" وهو الإنكار الجزئي، وكلاهما مرتبط بجهل الإنسان بما لا يجهل، فالكفر هنا دعوى مبنية على الكذب على النفس وليس إنكارا عقليا محضا، والدليل أنه في الآية الثانية من النص تقول (أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، فالدعوة في حقيقتها لا سند لها وليس لها دليل لا في الدنيا ولا في الأخرة، فهي محال عقلي لا يمكن تصديقها أو الأطمئنان بها لأنها قضية كاذبة، هذه دعوى الكفر أو الشرك بالله دعوة للكذب من مكذب لعاقل لا يقبل التسليم بدون دليل ولا حجة ولا برهان.
نصل إلى جوهر قضية الإيمان وهو الصدق مع الذات والتصديق بموضوع لا يقبل التكذيب، فمن عرف معادلة الصدق والتصديق أصبح مؤمنا لا بشرط أخر كم يفهم عادة من قضية التسليم قبل الإيمان الواردة في ما سبق، التسليم هو عجز من الإتيان بخلاف المعروض وهنا هو التصديق، فالمسلم هو من لا يجد دليلا ولا حجة على أفتراض الكذب بما يعرض عليه، فيقر مرغما عن عجز وبطلان حجة، وهذه مرحلة أولى تتليها التصديق العقلي وهو ما يسمى باليقين الذي ينهي الشك والحيرة عند المسلم ليتحول بعد أستقرار التصديق في القلب إلى مؤمن بدرجة أفتراضية، فمن أمن وعمل صالحا فهو من قد جسد وترجم إيمانه بما يجعله في ثبات على طريق الإيمان، وإن تكاسل أو أمتنع عن تجسيد هذا الإيمان مع أستقر يقينه بصدق ما أمن به لا يخرجه من درجة الإيمان بأي حال ويبقى مؤمنا مقصرا لا كافرا ولا مشركا ولا عاصيا لأمر الله، فالعاصي هو منكر كذاب متمرد باغي للظلم ومريد للكفر.
خلاصة ما نجد في معنى الإيمان وبدايته التي تمتد من التصديق بما علم وعرف وأدرك ثم لم ينكر ذلك، ليس تسليما عن أضطرارا وعجزا بل بعقل وفهم قائم على حجة ودليل وبرهان، فقد خرج من حال الجهل إلى حالة اليقين فأضحى مؤمنا به، وكل تسليم مع إنكار كاذب أو كذب لجحد أو دافع متمرد فهو من باب الكفر المختار الذي يعارض العقل، فمواصفات الكافر بالنتيجة أنه كاذب ليقينه وكاذب على عقله وظالم لنفسه مطيع لهواه، يخالف منطق ما علم وعرف بعد إن كان جاهلا ليس عليه شيء، العلم والمعرفة بداية الكفر وبداية الإيمان معا، فمن يختار التصديق أختار الإيمان ومن أختار التكذيب فقد أختار الكفر (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 6 إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ 7 تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ 8 قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ 9 وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ 10 فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ 11 ) الملك.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي