يوميات ترجمانة صحفية مهاجرة

جاكلين سلام
2021 / 11 / 28

1
كل ما قمت به اليوم من تنظيف وطبيخ واتصالات هاتفية، وقراءات عبر النت، والرد على تعليقات فيسبوك، والاستماع الى الراديو، وما اليه، لم يكن إلا محاولة فاشلة في الجلوس لكتابة مقالة أريد أن أنتهي منها. كنت أقول لنفسي، سأنتهي البارحة لكنني لم أفعل لأسباب مزاجية تماما. بل أيضا هربت أصيص الزريعة الأخضر المتبقي تحت البرد، إلى داخل البيت في محاولة مني لإطالة عمر هذا النبات المتسلق. ( تشتت مطلوب- انقاذ الخط الأخضر)
كأن:
كل مقالة أكتبها لأول مرة، تكون كحالة حب أتهيب الدخول أو الخروج منها ذهنيا
الكتابة حب بديل. الكتابة حب.
كل حب يبعث على القلق إلى أن يموت العشاق جماعة أو فرادى.
2
مسح الغبار عن طاولة الكتابة يساعد في تلميع الأفكار، وليس بالضرورة في تقديم فكرة طازجة. هناك فكرة في الصحافة الغربية بأنه ( يمكنك تدوير الكتابة والمقالات) بمعنى: يمكنك استخدام فكرة معينة لديك عن الشعر أو شواهد عن حالة ثقافية عربية او عالمية لتكون مادة لكتابة أخرى في ظرف آخر.
مرة، عدت إلى مقال قديم يخص الجوائز، وأعدت تدويره بشكل يناسب الإشكال المطروح في الساحة العربية حول الجائزة ( سين) وارسلته للنشر مجانا في موقع الكتروني. نشر المقال وبعد أيام عاد المحرر كي يشتكي بأن بعض ما ورد في المقال منشور سابقا في ( صحيفة كذا منذ 10 سنوات) قلت له نعم، نشر ويحق لي تدوير الفكرة. لكنه شعر بالغضب واعرب عن ذلك. لغاية الان لا اعرف اسم محرر الموقع ولا يهمني أن أعرفه شخصيا. (المراسلات بالايميل عبر شخص او اسم سري لا أعرفه ولم يعرف عن نفسه!)
3
هذا موضوع يمكنني إعادة تدويره والاستشهاد به أكثر من مرة، إذا أردت أن أكتب عن الصحافة عربيا وعالميا، مهنيا، وخلبيا.
الصحفي المميز الامريكي Jimmy Breslin
القصة: حين اغتيل ج ف كندي وكان هناك اكثر من ٣ الاف صحفي لتغطية التحريات ومراسم الدفن والموكب وما اليه.
صحفي مميز "جيمي برسلن" مجنون بتفرده، غادر الحشد وذهب الى المقبرة التي سيدفن فيها الرئيس الذي اغتيل. وهناك أجرى حوارا مع الرجل الاسود الفقير الذي يقوم بحفر قبر الرئيس المغتال، والمحبوب.
تكلم معه عن فطاره وعن أجرة عمله وقدرها ٣ دولارات وبعض القروش...
قال الرجل الأسود، الحفار: انه شرف لي ان احفر القبر بغض النظر عن الاجرة...
أذهلني الفيلم الوثائقي عن الصحافة والمنافسة والمهنية والتفرد.
4
دراما شرقية:
ينجون من الحرب. يصبحون لاجئين. يحصلون على معونة اجتماعية وأساسيات العيش الكريم
بم! تصدمهم سيارة على المفرق. تحطم عظامهم وامالهم
يتألمون طويلا بالعربي، ولا يموتون، بسهولة
هولاء الذين يقطع قلبي، ألمهم
فيما لساني يترجم لسانهم ويحمل كلماتهم من لغة الى اخرى.
ولا أحتاج هنا الى ترجمة الاهات والدموع والانكسار في الهيكل -الجسد الذي ورثوه وعبروا به من قارة الى قارة.
ألم يطعن القلب، تاريخ هذا الشرق
ما بعد المتوسط وما خلف المحيطات والبحار.
( حوادث كثيرة شاهدتها في عملي )
5
ترجمانة في عيادة طبيب العينية
الطبيب للمرأة: سأختبر مقدرتك على قراءة الحروف. انظري الى هذه الأحرف عبر الجهاز.
اللاجئة: انا ا لا اقرأ الانكليزية ولا أعرف الحروف. ذهبت الى المدرسة فقط الى الصف السادس الابتدائي
ثم تزوجت.
وقف الطبيب مرتبكا ومستغربا. ثم سأل: هل تقرأين الأعداد ؟
اللاجئة: ربما أعرف بعض الأرقام ولكن لا أعرف لفظها بالانكليزية
خرح الطبيب من الغرفة وعاد ومعه بعض اللوحات عليها ارقام من 1- 9
...
س: ما هو عنوانك؟
هي: لا أعرف
س: هل لديك ضمان صحي؟
هي: لا اعرف ... اسأل الكفيلة...( كانت الكفيلة في الصالة المجاورة تنتظر المريضة كي تأخذها الى بيتها بعد المعاينة)
س: هل انت حامل الان؟
هي: لا أعرف .... ثم صمتت....ثم قالت بالعامية: (نفسي عم تلعي من يومين= أشعر بالغثيان من يومين ...ويارب ما أكون حامل )
س: امممم يا مدام - لا يمكنني ان ارسلك للتصوير بالاشعة والتصوير الطبقي ...اذا لم يصلني تأكيد منك بخصوص الحمل اولا!

س: كم ولد لديك؟
هي: 6 فقط لا غير، الحمد لله.
...
لم تنته القصة هنا...
*
الطقس بارد، الحرارة ناقص 3، وهدوء شديد يقطعه صوت محرك ( موتورسيكل-دراجة نارية) على الطريق الى مكان ما من هذا العالم.


جاكلين سلام، شاعرة وكاتبة صحفية ومترجمة سورية كندية
مدونتي وعليها كتابات منشورة:
www.jacquelinesalamwritings.blogspot.com

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي