الميت(جورج باتاي):قبح ادراك المشاعر

بلال سمير الصدّر
2021 / 11 / 27

مثلما يعلق المحرم في حد ذاته الصورة الأولية للأيروسية في العنف المنظم للانتهاكات،تعمق المسيحية بدورها درجات الاضطراب الجنسي بواسطة الانتهاك المظلم....الايروسية-ص142
لما سقط ادورار ميتا احست بفراغ وجابها ارتعاش دفعها كملاك،انتصب نهداها العاريان وسط كنيسة من حلم حيث ارهقها الاحساس بفقدان لايعوض...قبيل موته كان ادورارد قد ابتهل اليها كي تتعرى
ألغى الزمن جميع القوانين التي كان الخوف اجبرنا على الامتثال اليها،خلعت ملابسها،ثم حملت معطفها بذراعها..كانت مجنونة عارية بعد ان بالت...قالت هو العراء والفظاعة(من استهلالية القصة بقلم جورج باتاي)
قصة الميت لجورج باتاي هي قصة غارقة في رمزية المصطلحات والفكر الأيروسي الخاص جدا بجورج باتاي،وهي لاتختلف من حيث العبارات وطريقة السرد عن قصة مدام ادواردة من حيث العالم السوريالي المختلط بجوانية العالم الداخلي المكثف جدا المقدم من قبل جورج باتاي...
سقط ادورار ميتا...شعرت ماري بانفتاح الفجوة
إذا كان الخوف لايستطيع كبح جماح الرغبة أو تدميرها،فأنه يقويها،فالخطر يشل الحركة،ولكنه إذا كان أقل حجما،فأنه يستطيع اثارة الرغبة...نحن لانصل الى الانتشاء اللهم في افق الموت،أي في افق ما يدمرنا مهما كان بعيدا...
الزمن اختلف بالنسبة لماري الآن،فالزمن هو زمن الانتهاك،زمن تدنيس المقدس واسم ماري يشير الى ذلك،والعلاقة-كما يبدو-بينها وبين ادورارد هي علاقة زوجيه،اي علاقة انتهاك مقبولة اجتماعيا مبنية على العمل.
أول ما اندفعت اليه ماري بعد وفاة زوجها هو العري،وإذا كنا نريد ان نفسر الرواية برؤية قصيرة النظر،فنقول عن العري وببساطة بأنه القيود التي كانت على إمرأة ذات رغبة شبقية جنسية عالية...إمرأة محكومة أو كانت محكومة بعلاقة زوجية ومقدسات الدين.
....حقيقة،فإن محرم العري اليوم هو محل مراجعة عميقة،ولا أحد يجهل العبثية النسبية،أي الطابع العبثي المشروط تاريخيا لمحرم العري من جهة،ومن جهة أخرى حقيقة أن محرم العري يثيران المسألة العامة للأيروسية،اعني مسألة الحياة الجنسية وقد تحولت الى الايروسية(الحياة الجنسية الخاصة بالإنسان،اي الحياة الجنسية لكائن يتميز باللغة)،وفي تلك التعقيدات التي توصف بأنها مرضية،أي في الرذائل, تكون لهذه المسألة دلالتها الخاصة دائما.وفي هذا المستوى يمكن تحديد الرذيلة على انها فن توفير الشعور بالانتهاك للنفس بدرجة متفاوتة من الهوس....الايروسية
العري بالنسبة لماري هو انتقال الى حياة ايروسية في اللانظام،انطلاق من كينونة الكبت الى كينونة اعلى وهذا بحد ذاته يقودها الى الرذيلة المرغوبة،وبالتالي ما سيحدث معها لاحقا:فن توفير الشعور بالانتهاك للنفس بدرجة متفاوتة من الهوس عندما ابتهل اليها ادورارد قبل موته ان تتعرى:
لكنها لم تستطع ان تخلع ملابسها لحظ إذ:كانت مشعثة:لم ينبثق من ثوبها الا الصدر
إذا كان العري-عند باتاي-يدمر اللياقة التي نمنحنها لأنفسنا عبر الثياب،فاللباس كان في لحظاته الاخيرة.....كان بالنسبة لماري مرتبط بالمقدس المحكوم بالعمل وعراء صدرها هو غرابة الجسد الذي ينطلق الى نقطة أقل نظاما....جسد أكثر عريا ولانظاما

بعد ان بالت...قالت هو العراء والفظاعة
من الواضح ان العراء الكامل هو نقطة اللانظام،نقطة اللانظام العامرة بالفوضى،هو الفظاعة التي كانت فظاعة قبل لحظات قليلة،وفعل البول ههوانتقال فعلي من ايروسية الى فعل جنسي مقابل للتطابق الحيواني بين الانسان والحيوان،فعل البول هو توكيد الانتهاك....الاصرار على الاقتراب من الموت
عراء مطلق في الحانة مع بكاء ظاهري غير معروف المصدر
تتحرك بوضاعة نحو المجون....ومن ثم تجشأت ماري بمرارة
ما العلاقة بين المجون والبكاء والمرارة؟
هي تنتقل بشكل غير واعي نحو لحظة الاسراف التي مازالت تحكمها مقتضيات(أنا)سابقة
ثم جرعت الكحول كما يجرع المرء موته...قالت صاحبة الحانة سنأكل من اردافك
ماري بلاشك،هي المقتضى التام للحظة الاسراف التي ستقودها الى موت فعلي،كما انها تمثيل رمزي للمقدس الذي يجوز انتهاكه من قبل المقدس نفسه....
ان انتهاء العلاقة الزوجية(الافتراضية) بموت ادوارد هي لحظة انتهاك المقدس بالنسبة للقبيلة بانتهاك ما كان مقدسا ومن ضمنه العلاقات الجنسية...
باالنسبة لجورج باتاي إن كان هذا يدل على شيء فهو يدل على المفارقة الدينية التي تبيح انتهاك المقدس في لحظات معينة،ومن ضمنها الأكثر شهرة وتكرارا هو الزواج....أليس الزواج هو انتهاك المقدس ولكنه مقبول نظرا لطباعة العلامة الدينية عليه...
ماري هي لحظة انتهاك المقدس بموت الزوج-لازلنا نقول ان العلاقة بينها وبين ادورارد الميت هي علاقة زوجية افتراضية فباتاي لايشير الى ذلك في اي جزء من اجزاء القصة-اي انحلال العقدة الدينية المسيحية،كما انها في نفس الوقت وهي تسير الى ذلك بوعيها بالرغبة الى الانطلاق الى النقطة الأقل نظاما...الى نقطة الاسراف أو نقطة اللانظام.....نقطة استدراك الوعي المختلف
هي واعية بأنها تريد الانتهاك...تريد الرذيلة...أن توفر لنفسها شعور بالانتهاك للنفس بدرجة متفواتة من الهوس،ثم أن موت ادورارد هو انتهاك آخر للمقدس-المرتبط والمحكوم كما قلنا بالمقدس نفسه-فهي انتهاك المقدس الجنسي من جهة،ومن جهة اخرى هي القربان المقدس الذي سيقدم للآلهة لتسيل دمائه ويأكل منه الآخرون.
ماري هي انتهاك مقرر للحظة تاريخية معينة....
ماري هي قربان مقرر للحظة تاريخية معينة...
تطلب من بييرو ان يواقعها...ظلت متوترة بسبب رغبة عاجزة
أما لسان بييرو الذي كان يبللها فقد كان يذكرها ببرودة الميت...
ماري في لحظة تحرر من ماضي ذو معنيين....هي تنتهك المقدس بالوعي الخاص بها الذي لايكتسب أي قداسة...هي تنتهك المقدس ايضا من خلال التبرير الديني المقنع بفكرة موت ادورارد...
غارقة في نور الميت...غارقة في الايروسية الانتهاكية العليا...غارقة في الاسراف الادراكي الواعي للحظة الادراك الأعلى ذات التكثيف العالي للوعي المعادلة تماما للحظة الموت....
لازال هو مقدمات لحظة الانتهاك...ولحظة التضحية(المعنى المزدوج)
عملية(مص)ماري من قبل بييرو هي تحضير للطقس الانتهاكي الذي سينتهي بالوطْء الطقسي المشابه (تماما) لاحتفالات الانتهاكات القدسية.
من تلك الليلة الفاجرة خرج رجل وهو يغلق مظلته بمشقة،تقطع شبحه الشبيه بفأر من فتحة الباب من الرواية
يقول جورج باتاي في مبحثه عن الايروسية:
كانت الكنيسة قد فقدت جزئيا القدرة الدينية على الايحاء بحضور مقدس مع مرور الزمن:لقد فقدت ذلك خاصة،بسبب ان الشيطان أو النجس توقف عن التحكم في اضطراب جوهري،وفي الوقت نفسه كانت العقول المتحررة قد توقفت عن الايمان بالشر.لقد انساقت بهذا الوجه نحو حالة تتوارى فيها الايروسية التي لم تعد تمثل خطيئة.لأنها لم تعد قادرة على ان تكون في وضع (المتيقن من فعل الشر).
ففي عالم يكون مدنسا-الكلام لازال لجورج باتاي-باكمله،لن يحصل شيء خارج نطاق الميكانيكا الحيوانية.صحيح انه يمكن لذكرى خطيئة ان تستمر،ولكنها سترتبط بالوعي بمجرد سراب.
ماري تبول على الكونت:
ظلت ماري تبول...
ارتوت بالبول بيديها وهي وسط الزجاجات والاكواب
اغرقت ركبتيها ومؤخرتها ووجها
قالت:انظر كم أنا جميلة
أقعت،وجعلت فرجها على ارتفاع مقابل لرأس الوحش،ثم فتحت شفتيه بفظاعة
الفقرة السابقة لها دلالات كثيرة...
البول وعضو البول والاست الذي هو نفسه عضو مثير للشهوة
العضو الجنسي والأست المثير للشهوة هما عضوان مقرفان من ناحية شكلية،ومن ناحية أخرى (فعلية)
من مرجع جورج باتاي:...في اتحاد الاجسام يقحم الجمال الانساني التعارض بين الانسانية الأكثر نقاءا وحيوانية الاعضاء المثيرة للقرف،وتعطينا سجلات(ليورناردو دافنشي) هذا التعبير اللافت للنظر عن مفارقة القبح الذي يقابل الجمال في الايروسية.
تدنيس جمال الوجه من خلال الكشف عن الأجزاء الخفية للمرأة،ثم بعد ذلك وضع عضو الخصوبة فيه.
ما حدث هو كشف عن القناع المتواري-المشترك-للعضو المثير للشهوة برمته...انه الحقيقة المتوارية خلف مظهر جمالي مزيف،فإذا كان العضو الجنسي يتصف بالقبح من ناحية المظهر(الشكل)،ومن ناحية الفعل المختلف عن الفعل الجنسي(البول والغائط)،بالاضافة الى قباحة الفعل الجنسي الذي يكون منقوعا بالشهوة بحيث تواري الشهوة قباحته،فالقباحة هي مشتركة الصفة مع التدمير،فالعضو برمته (من ناحية فعلية ورمزية)،هو اقتراب رهيب ومباشر نحو الموت.
انظر كم أنا جميلة،هي عبارة مفارقة لأن الجمال البشري (بالذات الوجه) مدنس من خلال الكشف عن الجزء الخفي من المرأة،وهو الحقيقة العملية للفعل الايروسي الانساني المشترك للبشرية جمعاء.
بالت في وجه الشيطان...الحقيقة هنا هي انتهاك المقدس لأن الشيطان هو الوجه المقابل للمقدس
باختصار،لايوجد فعل شيطاني برمته...أي من الممكن القول ان الشيطان بحد ذاته هو خدعة تواري وتبرر المقدس من خلالها،ثم ننتقل الى الفعل الانتهاكي الذي مهد اليه اعلاه من خلال المص:
ماري يطأها بييرو
احاطو الضحية مسرعين
تركت ماري رأسها يهوي وهي متضايقة من تلك الاستعدادات،أما الآخرون فقد مددوها وفتحو ساقيها فيما كانت تطلق انفاسا صاخبة سريعة...
كان المشهد برمته يشبه ذبح خنزير أو قتل اله....ومن ثم:
لم يكن ما قراته ماري في عيني الرجل القصير إلا الحاح الموت،فذلك الوجه لم يكن يعبر عن شيء اخر غير أمل يحوله الوسواس الى خيبة كلبية....رجفت رجفة حقودة
ربما ان الموت كان يقترب منها فقد احست بذعر شديد...
يركز باتاي هنا على الادراك للكينونة المتعالية المصاحبة للقسوة العالية،على ان تكون ماري على وشك جماع مع الشيطان،في فعل يمثل الانتهاء من القيمة...نفي المقدس نفسه.
الشيطان هو الحجة التي يتوارى من خلفها المقدس...
الشيطان هو المقدس نفسه
تقترب ماري اكثر واكثر من الخراب...الاغراق الأكثر في الفحش والرذيلة العبثي،في احكام الفعل الايروسي وتحريره من الانضباط وايصاله الى نقطة الاسراف وحالة اللانظام.....الحالة التي يكون فيها الادارك متعاليا على الادراك نفسه...متعاليا على الوجود برمته
اللحظة التي تشبه الخوف
التي تشبه الاحساس بالموت...
تموت ماري التي كانت ترغب بالموت لتلحق بالموت...مارست هوس واعي
لتصل بلاوعي الى التلاشي...الى الالتحاق بادوارد الذي كان يمنع الموت عنها
فكر جورج باتاي وان كان مضطرب،ولكنه فكر مثير للفضول ومثير للجدل في نفس الوقت،يرتبط بالالحاد من خلال تشريحه الدقيق لفكرة الايورسية.
هو مرتبط بنيتشه،على انه قلب منظومة القيم الى منظومة أكثر تفتيتا،واكثر ارتباطا بجزأية معينة من منظومة نيتشة الكونية،وإذا كان نيتشة عالج الالحاد مثلا من خلال نقد الأساس الاخلاقي والالتفات الى حكم الطبيعة،فباتاي عمل على جعل الأخلاق مرتبطة تماما بالفعل الايروسي للإنسان،لأن الأخلاق ان لم تكن بتمامها،ولكنها مرتبطة تمام الارتباط بكبح الفعل الجنسي غير المتتظم للإنسان.
إن الأخلاق هي منظومة متوارية خلف المقدس،وهذا المقدس قادر على خلخلة منظومته بنفسه،فالأمر الذي يشي بعدم منطقية هذا المقدس المحيط البشري من كل الزوايا.
افكار باتاي عبثية أكثر،وان حاول باتاي ان يضفي عليها نوعا من الواقعية من خلال الاحتكام التاريخي،إلا ان افكاره ظلت ولازالت تدور في رحى النظرية(الشاذة) غير القابلة للاثبات ابدا.
هو نفسه قال عن فرويد-في موضوع زنى المحارم-انه نفسه-اي فرويد-اقام اسطورة لإيجاد حل للغز زنى المحارم....
بالنسبة الينا،فكر فرويد على علاته-هو متماسك اكثر من فكر باتاي،وإن كان كلاهما يقدمان النظرية القائمة على الاسطورة وعلى الاستقصاء الأدبي،إلا ان باتاي تفوق على فرويد باضفاء لمسته الخاصة.
30/10/2021

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان