أراء صادمة تبغي فضح واقعنا المتخلف

سامى لبيب
2021 / 11 / 27

- لماذا نحن متخلفون (86) .

- لا يعتمد تقدم أو تخلف الشعوب على ما تمتلكه من وسائل التكنولوجيا والتقنية الحديثة كما يعتقد الكثيرون بل على منهجها وثقافتها الفكرية ومخزونها الحضاري التي إما أن تنتج حالة تقدم أو تأخر , فالمكون الثقافي الحضاري هو الذي سينتج التكنولوجيا والتقنية وكافة أشكال التقدم , كما أن المكون الثقافي الرجعي المتجمد سينتج حالة تخلف بالضرورة .
- من هنا يكون حُكمنا على تقدم وتخلف الشعوب من خلال مخزونها الثقافي الفكري الذي ينتج أسلوب ومنهجية حياة وطرق تعاطي مع الأمور الحياتية سواء بشكل مرن منطقي أو مُتحجر مُتعسف , ومن هنا أيضا نجد أن ثقافتنا الشرقية الإسلامية قد أثبتت جمودها وتخلفها وإفلاسها وعدم قدرتها على تقديم فكر متطور مواكب للعصر بل صار وجودها مُعرقل لتقدم وتحضر الإنسان بما تستحرضه من نهج فكري وسلوكي قديم .
- تتفرد الثقافة الغربية الآن بكل مقومات الحضارة من خلال منظومة وفلسفة فكرية تُعظم من حرية الإنسان وكرامته لتطلق إمكانياته الإبداعية فى العمل والإنتاج والفن , ومن هنا يجمع الجميع على تفوق وعظمة حضارة الغرب في عالمنا المعاصر لما أنجزته فى شتي المجالات بدءاً من حرية وكرامة الإنسان إلى التفوق العلمي والتقني والتكنولوجي والرفاهية ليتقدم هذا مجموعة رائعة من الخصال كإحترام الحريات الشخصية وحقوق الإنسان , كذا التفاني في العمل وإتقانه علاوة على النظام الدقيق فى كافة مناحي الحياة .

* فزاعة العلاقات الجنسية الحرة .
- لا يَنكر حضارة الغرب إلا كل جاحد وحاقد وصاحب رؤية منغلقة متعصبة ليشيد العامة والخاصة بها , وإن كان دائما هناك تحفظ من حضارة الغرب من جانب الأصوليين والسلفيين الإسلاميين يتمثل فى رفعهم فزاعة وفوبيا الحريات خاصة الحرية الجنسية .
- لقد فلح السلفيون في شيطنة حضارة الغرب من خلال نقد وجود حريات جنسية لديهم , ليتحفظ المعتدلون ويرفعوا شعار فلنقتبس من الغرب محاسنه ولنبتعد عن قبحه , ليكون واقع الحال أننا لا نقتدي بمحاسنه ولا فضائلة ولا قبحه .
- أعترف بخطأ توجهي في حداثتي عند تبني قول فلنقتبس من الغرب محاسنه ولنبتعد عن قبحه منطلقاً من رؤيتي حينها بعدم التصادم مع ثوابت وقيم مجتمعنا , ولكني أري الآن أن هذا القول خاطئ ومُضلل يبغي الإبتعاد عن حضارة الغرب والتنفير منها وشيطنتها لتبقي وضع ثقافتنا كما هي عليه وذلك بخلق فزاعة وفوبيا ورفض لأخلاق وسلوك الغرب ليصب في نهاية المطاف إلى الإرتماء فى حضن ثقافتنا البائسة المتجمدة المتخلفة .
- أقول الآن أننا لو لم نتبع المنظومة بأكملها فلا داعي منها , فالتصور أننا سننتقي من الغرب محاسنه ونهمل سلبياته كما نراها فهذا لن يتم , فالأمور يجب أن تتخذ تقبل فلسفة كل المنظومة أو لتنصرف عنها فلن يجدي الإحتيال والمرواغة والترقيع .
- قد تكون رؤيتي هذه صادمة وهذا هو واقع الحال وما أبتغيه من الصدمة التي تخلق فكر وموقف مغاير وتحريك المياه الراكدة , ولكن لا تكون هذه الرؤية معتمدة على تصدير الصدمة الفاقعة فلها مبرراتها المنطقية والسيوسولجية.
- بداية الحريات مبدأ أساسي للحضارة الغربية فهي حجر الزاوية التي قامت عليها هذه الحضارة فأي إنتقاص من الحريات الشخصية يعني التقويض والخروج عن فكر وفلسفة ومضمون الحضارة الغربية , لتأتي الحرية الجنسية كمكون أساسي من تلك الحريات وليزداد أهميتها أنها من الضرورات الحياتية للإنسان .
- اللذين يستخدمون الحرية الجنسية كفزاعة وتنفير من حضارة الغرب غير مُحقين فى تنفيرهم , فبداية ما شأنهم التدخل فى الحريات الشخصية ؟! , وماذا يضيرهم من تلك الممارسات الحرة ؟! , ليتبقي الرغبة فى إستحضار الثقافة المستبدة التى تطلب الوصاية والقهر والتدخل فى الحريات الشخصية والفضول بدس الأنوف فى حريات وسلوك الآخرين .
- التنفير والتقبيح للممارسات الجنسية الحرة هو لنصرة الأفكار الثيوقراطية في مواجهة حرية الإنسان أملاً في بقاء منظومة الملاك القادرين على شراء الجسد وإعتلاءه فى مواجهة الفقراء والمهمشين لتتعالي قيمة وسطوة المال والإمتلاك وتتواري قيمة الحب .
- خطورة حظر الممارسات الجنسية الحرة هو فتح الباب الملكي لقهر الحريات مما يسمح بالتدخل فى كافة الحريات كحرية التفكير والتعبير والإعتقاد والسلوك مما يعني تقويض أسس الحضارة كما يعني ترسيخ مفهوم وثقافة الوصاية لمن لا يحق لهم الوصاية .
- قد يُقبح البعض حضارة الغرب والحريات الجنسية فيه بوجود البغاء والعهر , لنقول بداية أن البغاء والعهر كان متواجداً قبل وجود الغرب وأنه متواجد فى كافة المجتمعات وأن البغاء يرجع للمنظومة الرأسمالية التي تشتهي الإستثمار حتي في جسد المرأة , كما أن العهر ليس قبيح فى المجمل فهو تفريغ للطاقات الجنسية المحرومة من إقامة علاقات عاطفية وتجنباً لإعتداء وإغتصاب هؤلاء المحرومين لبنات وأطفال أبرياء .

* حرية الفكر والإعتقاد والتعبير .
- من المفاهيم التي إقتبسناها من الحضارة الغربية مبدأ حرية الفكر والإعتقاد والتعبير لتتصدر البنود الأولي في دساتيرنا , ولكن لكون هذا البند إقتباس من حضارة الغرب دون التشبع بثقافة وفلسفة الغرب , فقد تدخلت ثقافتنا البائسة العفنة لتفرغ هذه الحرية من مضمونها لتصدر قوانين وتشريعات تناهض وتناقض تلك الحرية , فهناك قوانين إزدراء الأديان مثلاً المُستمد من ثقافتنا ونهج العصور الوسطي فليس هناك حرية فكر وإعتقاد طالما تمس الأديان خاصة الإسلام , فليس من حقك تغيير دينك وإعتقادك الإسلامي بأي دين أو معتقد أو فكر آخر , بل ليس من حقك تغيير مذهبك الإسلامي من سني إلى شيعي , كما يعتبر من الإزدراء إيمانك بالقرآن فقط دون الأحاديث , كذا نقدك لفكر السلف القديم وإجتهاداتهم هو من الإزدراء , لنجد أنفسنا أمام فكر سلفي متعنت .
- المثير للإشمئزاز والتقيؤ أن كل دعاوي وقضايا إزدراء الأديان صادرة من أفراد عاديين وليس من أجهزة الدولة أي يتدخل فرد عادي ليحشر أنفه ويطالب بالحكم على مُفكر بإدعاء إزدراء الأديان , ليضاف لذلك هذا السفه أن الأمور تترك لتقدير ومزاج القاضي فليست هناك قوانين محددة لإزدراء الأديان !
- لا مكان للثورة والحجر على كتابات أو رسومات أو أفلام يقال عنها أنها مسيئة فهذا إعتداء وفرض وصاية على حرية الفكر والإبداع والتعبير , ولنا أن نسألهم سؤال لن يفلحوا فى تقديم إجابة منطقية عنه , فما الضرر الذي يحيق بهم أو بدينهم من كتابات ورسومات يُقال أنها مُسيئة , لننصحهم فمن يستاء عليه الإنصراف أو إستخدام الريموت كنترول .
- حرية الفكر والإعتقاد والتعبير من أسس الحضارة الإنسانية وهي تُعلي من قيمة العقل والفكر والإرداة وحجر الزاوية للتطور فلا تابوهات ودوائر حمراء تَحد من حرية الإنسان , ولكن كون ثقافتنا البائسة تحاول التشبث وفرض وجودها فهي تقوض أهم مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان .
- إن الإستثناء فى الحريات هو بمثابة فتح الباب لكل أشكال القمع والقهر والوصاية على حرية الإنسان كما أن الأمور تنساب لتزيد دوائر القهر والإستثناء , فحظر العلاقات الجنسية سيجلب دوما تدخل ووصاية على أى عمل أدبي أو فني يري الرقيب والسلفي أنه حرام وغير جائز , كذا حظر نقد الأديان والرسل سيجلب حظر نقد القامات والشيوخ لتتسع دوماً دوائر الحظر والقهر .
- يخطئ من يتصور أن منظومة الحظر والقهر والتنفير هي من حضور وإنتاج المؤسسات الدينية بل هي أدوات لتفعيل القهر والحظر خدمة لأهل السياسة , فالسياسي يبغي فى ترسيخ وجود دوائر وخطوط حمراء ليتربي المواطن على وجودها فلا تمتد الأمور لتتعامل مع سياساته .
- إن إعتياد الإنسان على ممارسة حريته الشخصية وحرية الفكر والتعبير بدون حظر وقهر سيطلق بالضرورة كافة قدراته الإبداعية فهو مُتحرر من القيود لنحظي على إنسان مُبدع فى عمله , لتجدر الإشارة أن الحرية تقف وتتقيد عندما تمس حرية الآخرين ولا قيود لها عندما تتصادم مع أفكار ونظريات وثوابت الآخرين .
- الجدير بالإنتباه أن إستمرار الحظر والقهر سيخلق بالضرورة حالة من الإحتقان والكبت المجتمعي كما يؤثر على الصحة النفسية للإنسان , ولكن الأمور لن تكتفي بذلك فستنتج حالة مختلة متردية تتمثل فى إعتياد الشعوب على القهر لتستعذب العيش فى ظل الحظر والقهر والذل بل قد يصل الحال إلى أن تدافع عن منظومة القهر والقاهرين بإعتبارهم المحافظين على التراث والثوابت والأخلاق وهنا تتحول الأمور إلى حالة ميئوس منها لنقول : مفيش فايدة .
- إن ممارسة الحظر والقهر على حرية فكر وسلوك الإنسان سينتج بالضرورة مسخ بشري , فهناك قهر فى حالة الرغبات الجنسية ليولد حالة من الكبت والهوس الجنسي والشعور بالذنب والتشوش , فالجسد جائع والذهن مشغول بهذا الجوع مما يعيقه عن العمل والإبدع والإنتاج , كذا كبح وكبت أراءه وحرية فكره وإعتقاده سينتج حالة من النقمة أو المبالاة والبلادة ليمارس بيلوجية الحياة متجمداً متقولباً مقهوراً عن الفكر والإبداع , فلا تسأل لماذا نحن متخلفون .

دمتم بخير .
ما لم نحقق حرية الفكر والإعتقاد والتعبير والسلوك فلن نذوق التطور والحضارة وسنتمرغ فى مستنقع التخلف إلى أن ننقرض .

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان