بين الاستثمار والاستحمار السياسي

بير رستم
2021 / 11 / 27

بالرغم من إنني تناولت كثيراً -مثل غيري- قضية العلاقة بين الأحزاب والقوى الكردستانية مع الأنظمة الغاصبة لكردستان وحاولت توضيحها وشرحها بين الضرورات والمحظورات؛ أي بين ما يفرضه الواقع الجيوسياسي ولعنة الجغرافيا حيث لا مفر من نسج مثل هذه العلاقات لايجاد بعض الدعم ومخرجات الحلول في مشكلة جزء كردستاني، بحسب ما تسمح الظروف والصراعات الإقليمية بين القوى والدول الغاصبة نفسها على قضايا ومشكلات خلافية بينهم تتعلق بالحدود والمياه والصراعات الداخلية وبين أن تصبح مرتزقاً عميلاً ومأجوراً رخيصاً لدى جهة وطرف إقليمي غاصب لكردستان حيث الأولى تفرضها واقع جغرافية كردستان وصراعات الدول الغاصبة وعدم وجود داعم دولي -خاصةً في المراحل الماضية- كما قلنا وبالتالي يمكن فهم تلك العلاقة في ضوء تلك الظروف والمناخات السياسية وقد استفادت منه عدد من القوى والأحزاب الكردستانية وبالأخص كل من الديمقراطي والوطني الكردستاني في جنوب كردستان -إقليم كردستان حالياً- وذلك في علاقتهما بكل من سوريا وإيران وبعدهما جاء العمال الكردستاني ليستفيد هو الآخر من تلك العلاقة مع النظامين المذكورين؛ أي سوريا وإيران.


لكن الغير مقبول والغير مفهوم هو أن تقبل على نفسك أن تكون “حليفاً” -أو بالأحرى تابعاً ذليلاً- لطرف غاصب لكردستان ك"تركيا" ولا تحقق شيئاً من المكاسب السياسية لا على الصعيد الحزبي ولا على الصعيد القومي، بل فقط يكون دافعك وهمك هو القضاء على مشروع المنافس الحزبي الآخر لك ولكي لا نبقى في الضبابيات والعموميات فإننا سوف نسمي الأشياء بأسمائها ونقول؛ طيب ها هو العمال الكردستاني يستفيد من النظامين السوري والإيراني وخاصةً في مرحلة الثمانينات والتسعينيات ليصبح أحد أقوى الأطراف الكردستانية، إن لم نقل أقواهم؛ أي أستفاد للحدود العظمى من النظامين على الصعيد الحزبي وكذلك وعلى الصعيد السياسي فقد أحيا حقيقةً -وليس زعماً- القضية الكردية في باكوري كردستان (تركيا) بعد أن كان النظام التركي وإعلامه يروجون لدفن كردستان وذلك من خلال الترميز إلى ذلك برسم كاريكاتوري فيه قبر وكتب على شاهده؛ “هنا تم دفن كردستان”، طبعاً ناهيكم اليوم بأن العمال الكردستاني ومن خلال نضالاته قد أوصل طرف سياسي إلى داخل البرلمان التركي، ودون أن نتطرق لما تحقق بفضل هذه المنظومة العمالية الكردستاني من مكاسب ثقافية لغوية تراثية غنائية وإغناء للمكتبة الكردية وفي مختلف المجالات الثقافية والموسيقية.. وهكذا كان الحال مع الحزبين الآخرين؛ الديمقراطي والوطني الكردستاني في جنوب كردستان بحيث بات شعبنا اليوم يعيش في ظل إقليم كردستان بنوع من الحرية والكرامة الوطنية.


لكن وبالمقابل لنأتي لواقع حركتنا السياسية في روجآفاي كردستان (سوريا) وماذا حقق من استفادة في العلاقة مع الأنظمة الغاصبة لكردستان حيث لو دققنا في تاريخ الحركة الكردية في هذا الجزء لوجدنا بأنه لم يقدر أن يخرج من إطار الجغرافية السورية إلا في جزئية محددة وهي علاقة حزب الاتحاد الشعبي بقيادة صلاح بدرالدين خلال فترة الثمانينيات ومن خلال منظمة التحرير الفلسطينية، لكن رغم ذلك لم ينعكس إلا في الجزئية الحزبية حيث حينها تقوى الحزب على حساب البارتي، بينما كردياً كردستانياً لم يحقق شيئ يذكر، أما باقي الأحزاب الكردية الأخرى في سوريا فكانت العلاقة خاضعة للأطراف الكردستانية القوية حيث علاقة البارتي مع البارزانيين والتقدمي مع الجلاليين كأمثلة؛ أي بقية علاقاتنا مع الدول الغاصبة من خلال الأطراف الكردستانية وبتوضيح أكثر بقيت علاقة الأطراف الكردية السورية محصورة مع النظام السوري حيث جل -إن لم نقل كل- القياديين الكرد السوريين ومثل كل قيادات الأحزاب اليسارية والقومية والشيوعية العربية، كانوا دورياً “يشربون” فنجان قهوة في مكتب أحد ضباط الاستخبارات السورية، هذه قبل “الثورة السورية” وبعدها صار أغلب الشباب يشربوها في مكتب الميت التركي.

طيب نحن راح نتناسى كل المرحلة الماضية قبل “الثورة” ونقول؛ بأن الظروف لم تسمح بنسج بعض العلاقات والاستفادة من الصراعات بين هذه الدول والحكومات التي تقتسم جغرافية كردستان -وأرجو أن لا يقول أحد؛ بأنك “تبرر” العلاقة، بل هي مفروضة وللأسف حيث لا مفر إن أردت أن تعمل شيئ، ثم العلاقة مع نظام إقليمي آخر غاصب لإقليم كردستاني آخر هو أهون من العلاقة والتبعية للنظام الإقليمي الذي يغتصب إقليمك وأنت تذهب ل”تشرب” فنجان قهوة لدى استخباراته- مع العلم أن الصراع السوري العراقي بين “بعثي” القطرين كانت مواتية للاستفادة منه وإيجاد بعض الدعم لقضية جزئنا، لكن الأخوة الكبار أولاً في جنوب كردستان وبعدها في شمالها فرضوا علينا أن لا نستفيد من تلك الصراعات، كونها كانت سوف تضر بعلاقاتهم مع النظام السوري ورغم كل ذلك ويلي راح راح ونحن أولاد اليوم، فها إننا نتساءل ونقول: ليتهم لو حققوا من المكاسب مع تركيا ربع ما حققه الكردستاني من النظام السوري ووقتها كنا قلنا كلاماً آخر بحقهم وحق الارتزاق والذيلية للنظام التركي حيث النظام السوري “سلم” كل المنطقة للكردستاني، كما يزعمون، فليتفضل النظام التركي ويسلمهم المناطق الكردية التي احتلتها من سوريا وليس كل الإقليم الشمالي لكردستان -أي باكوري كردستان- والمحتل تركياً على غرار النظام السوري وحينها سنعرف تماماً الفرق بين الاستثمار والاستحمار السياسي مع تقديري لكل القيادات التي ترفض الأخيرة، لكن لهم أسبابهم القاهرة للخضوع لفريق ما زال مصراً على الإستحمار وللأسف.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي