تشيلي - نموذج الإلتفاف على النضالات الجماهيرية

الطاهر المعز
2021 / 11 / 25

تشيلي، انتخابات عامة على خلفِيّة احتجاجات تشرين الأول/اكتوبر 2019:

كانت انتفاضات تونس ومصر مسبوقة باحتجاجات عُمّالية وشعبية، منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، وشكلت انتفاضات 2011، حدثًا تاريخيا، شمل العديد من البلدان العربية، من المغرب إلى البحْرَيْن، ولكن الإنتفاضة انتكست، وخسرت الفئات الشعبية من كادحين ومُعطّلين، فُرْصَةً تاريخية، بسبب القَمع السّافر، ودعم الإمبريالية للفئات الحاكمة، وتدخُّلِها العَلَنِي، لِتُضَحِّي ببعض رُموز الإنظمة، مع المحافظة على هيمنة الكُمْبرادور (وُكَلاء الإمبريالية)، وخسرت الفئات الشعبية المعركة بسبب فقدانها التّمثيل السّياسي (الحزبي) القادر على الإنطلاق من الإنتفاضة العفوية، للتّخطيط للخطوات المُوالية وللمُستقبل، متوسّط وبَعيد المدى، أو تحويل الإنتفاضة إلى ثورة...
عرفت العديد من بُلدان أمريكا الجنوبية حركة اجتماعية هامّة سنتَيْ 2019 و 2020، نتعرّض لبعض ملامحها، ونُركّز على "تشيلي" التي أطبقت عليها الإمبريالية الأمريكية الخناق، منذ نصف قَرْن، وبعد بضعة أشهر من الإحتجاجات العنيفة، ومن رُضُوخ النّظام، وقُبُولِهِ انتخاب لجنة مُوَسَّعَة لكتابة دستور جديد، جرت مُؤخّرًا انتخابات رئاسية وتشريعية وإقليمية، كانت نتائجها مُغايرة لتوجُّهات وآمال جماهير الفئات المُنتفِضَة، ما يطرح تساؤلاً حول دَوْر العملية الإنتخابية: هل تعكِسُ الإنتخابات طموحات المواطنين، أم تزرع الوَهْم وتخدم القُوَى الأحْسَن تمويلا وتنظيما والأَقْوى في مجال الدعاية والإعلام؟

السّياق السياسي لاحتجاجات 2019- 2020
جرت انتخابات تاريخية في فنزويلا وتشيلي، خلال نفس اليوم، وبينما حقّق الحزب الإشتراكي الحاكم في فنزويلا فوزًا ساحقًا في الانتخابات الإقليمية يوم الأحد 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، في مواجهة المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة، في عشرين، من إجمالي ثلاث وعشرين ولاية، بالإضافة إلى بلدية العاصمة "كاراكاس"، انتكست القوى التقدّمية بتشيلي، وكانت نتائج الإنتخابات الرئاسية مُعاكسة لطموحات جماهير الكادحين والفقراء والشباب والنساء والشعوب الأصلية، التي ناضلت ضد إرث الدكتاتورية العسكرية، التي ابْتَعَدَ رُمُوزُها عن السلطة، قبل ثلاثة عُقُود، وبقِيَ دُستورها ونظامها وبرنامجها الإقتصادي والسّياسي سائِدًا...
انطلقت موجة جديدة من الحركات الاجتماعية سنة 2019، في أمريكا الجنوبية، وهي حركات شعبية، شكّلت المطالب الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، لعدة قطاعات وفئات من المجتمع قواسِمَها المُشتركة، وبالخصوص في تشيلي وبوليفيا والإكوادور وكولومبيا، فيما تُواصل الإمبريالية الأمريكية دعم الأنظمة الدّكتاتورية والنيوليبرالية، والإشراف على الإنقلابات العسكرية و"الدّستورية"، في شبه القارّة الأمريكية التي تتميّز بعُمْق الفجوة الطّبَقِيّة، والتفاوت الكبير في الدّخل، وبانعدام فُرَص التّوظيف، وبعدم المساواة، وبتهميش السّكّان الأصليين، من أصحاب البلاد الشّرْعِيِّين..
أدّت الحركة الإجتماعية في الأرجنتين إلى هزيمة الرئيس اليميني الثّرِي، ماوريسيو ماكري الذي دعمته الولايات المتحدة وصندوق النقد الدّولي، وفي إكوادور، احتج المواطنون ضد إلغاء دعم الوقود، قبل توسّع الحركة الاجتماعية إلى قطاع النّقل وإلى فئات الشباب، والسكان الأصليين. أما في كولومبيا، فقد دعت النقابات وأحزاب المعارضة إلى إضراب عام، بنهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2019، احتجاجًا على عُنف أجهزة الدّولة، وعدم احترام اتفاقية السلام مع "القوات المسلحة الثورية لكولومبيا"، وضد الفساد وتأجيل سن التقاعد وتدني الأجور... أما في بوليفيا فقد أجهضت الإمبريالية الأمريكية مشروع تأميم معدن "الليثيوم"، حيث تمتلك بوليفيا نحو 70% من الإحتياطي العالمي، وهو معدن يُستخدم في صُنع بطاريات السيارات الكهربائية والحواسيب والهواتف المحمولة وغيرها من أدوات التكنولوجيا الحديثة، ونظمت الإمبريالية الأمريكية انقلابا، مَزَجَ بين العُنف المادّي المُسلّح والعنف السياسي/الدّستوري، وبعد سنة واحدة من الإحتجاجات والتّضحيات الكبيرة، تمكّن اليسار من استعادة مؤسسات الدّولة، عبر انتخابات عامّة...
شكّلت مُناهضَةُ التدابير الاقتصادية النيوليبرالية، وفساد الفئات الحاكمة، والعنف السياسي والاغتيالات، قواسمً مُشتركةً للحركات الإجتماعية، وقاعدةً لتحالف موضوعي بين العاملين والمُعَطّلين وفئات الشباب والنساء، والسكان الأصليين. أما على المستوى الخارجي فقد تجسّدت هيمنة الإمبريالية الأمريكية في التّدخّل السَّافر في شؤون بلدان القارة، من خلال دعم المليشيات اليمينِيّة المُسَلَّحَة، والحركات والأنظمة الرجعية وزعزعة استقرار الأنظمة التّقدّمية، ومَنْع تشكيل "محور بوليفاري جديد"، كان الرئيس الفنزويلي السابق "هوغو تشافيز" يدعو لإقامته.

انتصارات جُزئية:
في تشيلي ، كانت الزيادة في أسعار تذاكر القطار الحَضَرِي (المِتْرُو) التي تم إقرارها في السادس من تشرين الأول/اكتوبر 2019، بمثابة الشّرارة التي أطْلَقَتْ حركةً اجتماعيةً غيرت الصّورة التي نَشَرَها صندوق النقد الدّولي والإمبريالية الأمريكية، عن "الإنتقال السّلمي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، ولم يملّ الحُكّام اليمينيون للبلاد من التّذكير بنمو الناتج المحلي الإجمالي، بمعدّل 5,2% على مدى رُبُع قَرن، وسبق أن ذكرنا أن نمو الناتج المحلّي الإجمالي لا يعني بالضرورة نُمُوّ دخل الكادحين والفُقراء والأُجَراء، ولا يعني حصولهم على حصّة من هذا النّمو (الذي يختلف عن "التّنمية")، فقد بقيت الفوارق مجحفة بين المواطنين، بل تزسّعتْ، حيث يمتلك 1% من أثرياء تشيلي (من بينهم أُسْرة الرئيس بينييرا) نسبة 26,5% من الثروة الوطنية، سنة 2019، وكان لتدخّل الجيش لقمع الإحتجاجات ضد حكومة الرئيس الملياردير والنيوليبرالي اليميني، المُساند لحُكم الدّكتاتورية العسكرية، تأثِيرٌ مُعاكس، فاحتدّت المواجهات بين قوات القمع والمواطنين...
احتفل عشرات الآلاف من الأشخاص في ساحة "باكيدانو" بالعاصمة "سانتياغو"، يوم الإثنين 18 تشرين الأول/اكتوبر 2021، بالذكرى السنوية الثانية للحركة الاجتماعية لعام 2019، وذَكَّرَ المُحتجُّون، بهذه المناسبة، بالفجْوَة الطَّبَقِيّة العميقة، واستمرار اتّساع التفاوت المُجحف، بين الأثرياء والفقراء، ورددوا هتافات ضد الرئيس الملياردير اليميني "سيباستيان بينيرا"، الذي أمَرَ بقمع الحركة النقابية والإجتماعية، ووصفوه ب"اللص القاتل"، وهو مُتّهَمٌ بالفساد وبغسيل الأموال، بحسب ما وَرَدَ في وثائق "أوراق باندورا".
كانت ساحة "باكيدانو" الدّائِرِيّة الواسعة، مركزًا للإحتجاجات، على مدى عُقُود، وعاد لها وهجها، خلال احتجاجات الطّلاّب، سنة 2011، ضد ارتفاع رُسُوم التعليم، وارتفاع دُيُون الأُسَر، من أجل تعليم أبنائهم، وأصبحت السّاحة رمزًا للغضب الشّعبي وللاحتجاج الاجتماعي، ورمزًا قويًا للأمل، وهي السّاحة التي تَجَمّع بها سُكان الأحياء الشعبية بالعاصمة، ثم التحقت بهم فئات البرجوازية الصّغيرة من الطلبة والموظّفين والأُجَراء، لتصبح مكانًا للتجمعات الإحتجاجية المنتظمة، ضد انخفاض قيمة الرواتب ومعاشات التقاعد، وارتفاع رسوم النقل العام، وارتفاع رُسوم التّعليم والرّعاية الصحّيّة، وأزال المُحتجّون تمثال لواء من القرن التاسع عشر كان جالسًا في وسط الساحة، وهو أحد رُمُوز القمع وإبادة الشّعوب الأصلية بالبلاد، ورغم القمع الشديد، كانت تلك الت"جمُّعات الإحتجاجية رمزًا للنضال ضد ما سُمِّي “الفاشية الاجتماعية”، أي النظام المَوْرُوث من فترة الدّكتاتورية العسكرية (منذ انقلاب 11 أيلول/سبتمبر 1973 وحتى سنة 1990) وفرضَت احتجاجات 2019 و 2020، صياغة دستور جديد، خَلَفًا لدستور الدكتاتورية الذي ينص على فَرْض الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي، وطرحه للإستفتاء، سنة 2022...
على هذه الخلفية، جرت الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية والإقليمية، يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وعاد اليمين المتطرف، وريث الدّكتاتورية، بقوة، ليفرض إيديولوجية "الفاشية الإجتماعية" طيلة الحملة الإنتخابية، رغم الزّخم الذي اكتسبَهُ "اليسار" (بمختلف تلويناته ) من خلال مُساهمة مناضليه في عشرات المسيرات والإحتجاجات، التي بدأت خلال الرّبع الأخير من سنة 2019، وتواصلت سنة 2020.
رَكَّز اليمين المتطرف، بقيادة المُحامي الثّرِي جدًّا وعضو الكونغرس "خوسيه أنطونيو كاست" (ابن الضّابط النّازي الألماني) على ضرورة فَرْض النّظام والأمن، مُهْمِلاً المطالب الإجتماعية والمادّية لكادحي وفُقراء الشّعب، وارتفعت شعبيته، بفعل حضوره المُستمر بوسائل الإعلام المُتواطِئَة، رغم إعلان إعجابه بالدّكتاتور، الجنرال "أوغوستو بينوشيه"، وبالرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، وبالرئيس البرازيلي "جاير بولسونارو" (وهو ضابط متقاعد دعم الإنقلابات العسكرية بالبرازيل وتشيلي والأرجنتين)، خاصة في الأسابيع السابقة للإنتخابات، بدعم من الإنجيلِيين (المسيحيين المتطرفين) ومن مجموعات اليمين المتطرف، وحصل بالفعل على أكبر نسبة تصويت، خلال الدّور الأول، يوم الأحد 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وقد يفوز بجولة الإعادة (الدّور الثاني) يوم 19 كانون الأول/ديسمبر 2021، ضد خصمه "غابريال بوريك" الذي يُمثل اليسار الوَدِيع، رغم إشادة "كاست" بالإرث الاقتصادي الليبرالي، والإرث القمعي (باسم الأمن والإنضباط) للديكتاتور السابق "أوغستو بينوشيه"، ما جعل مُعارضيه يُطلقون عليه كُنية ( KKK ) في إشارة إلى "كيو كلاكس كلان"، المنظمة الإجرامية العُنصرية الأمريكية، وقد يُشكِّلُ انتخابُهُ، عودةً إلى الوراء.
تَرَشَّحَ "غابريال بوريك"، كممثل "اليسار"، وهو قائد طُلاّبي سابق (سنة 2011)، بدعم من تحالف واسع يضم الحزب الشيوعي التشيلي، بعد انتصاره على منافسيه من اليسار (منهم "دانيال جادو")، في انتخابات تمهيدية داخلية، وتعهّد بإدخال تحسينات على نظام التعليم، وبإلغاء خصخصة نظام المعاشات التقاعدية، الموروثة من فترة حكم دكتاتورية "بينوشيه" في الثمانينيات من القرن العشرين، بإشراف صندوق النّقد الدّولي، وبرفع الضرائب على “فاحشي الثراء” لتحسين الخدمات الاجتماعية وتعزيز حماية البيئة والسكان الأصليين الذين قاموا باحتجاجات، ضد عمليات الإستحواذ على أراضيهم من قِبَل الشركات العابرة للقارات التي دَمّرت الغابات ولوثت المياه، وقمعت قواتُ الشرطة هذه الإحتجاجات بعنف شديد، أواخر تشرين الأول/اكتوبر 2021، في مقاطعتي "أراوكانيا" الجنوبية و "بيو بيو"، وأيّدَ مرشح اليمين المتطرف "خوسيه أنطونيو كاست" وأنصارُهُ عُنْفَ الشُّرْطة ضد ما يعتبرونه "الانحدار والفوضى"...
يُقدّر العدد الإجمالي للناخبين بنحو 15 مليون، من إجمالي 19 مليون نسمة، وتمت دعوتهم للمشاركة في عملية انتخاب رئيس جديد في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 (الجولة الأولى)، و 155 نائب بالمجلس التشريعي و 27 عضو بمجلس الشيوخ (انتخابات جُزْئِيّة)، و 302 عضو بالمجالس الإقليمية، حيث شارك أقل من 48% من الناخبين، وتجري الدّورة الثانية يوم 19 كانون الأول/ديسمبر 2021، وهذه أول انتخابات رئاسية منذ انطلاق الحركة الاجتماعية التاريخية ضد عدم المساواة في أواخر العام 2019 في البلاد، والتي أسفرت عن انتخاب لجنة مُوَسّعَة، قوامها 155 عضوًا، تضم ممثلات عن النساء، وممثلين عن السكان الأصليين، يومي 15 و 16 أيار/مايو 2021، لصياغة دستور جديد، بديل عن دستور الدّكتاتورية العسكرية، في غضون تسعة أشهر، وهي فترة يمكن تمديدها لمدة ثلاثة أشهر، قبل أن يُعرض الدستور الجديد على الناخبين، سنة 2022، في استفتاء إلزامي للتصويت، وكان ذلك حدَثًا تاريخيا، لكن إقبال الناخبين كان منخفضًا، حيث لم تزد نسبة المشاركة عن 42,5%، لانتخاب أعضاء الجمعية المُكَلّفة بتعديل الدستور الموروث من ديكتاتورية "أوغستو بينوشيه" (1973 – 1990)، ولم يحصل اليمين آنذاك سوى على أقل من 24% من الأصوات، وتَعَرَّضَ التحالف اليميني "المحافظ" الحاكم والأحزاب التقليدية لانتكاسة شديدة، بسبب ارتباطه الوثيق بالأثرياء، في البلد الذي يُعتَبَرُ واحدًا من أكثر الدول تفاوتًا في أمريكا الجنوبية، ويعتقد أكثر من 60% من التشيليين (بحسب استطلاعات للرأي) أن الدستور الموروث من الديكتاتورية العسكرية قد أوجد نظامًا يستفيد منه عدد قليل من الأشخاص، ويشكل عقبة أمام الإصلاحات الاجتماعية...
ترشّح لهذه الإنتخابات الرئاسية، في دورتها الأولى، أربعة مرشحين من اليمين، من نواب ووزراء سابقين للرئيس اليميني سيباستيان بينيرا، مدافعين عن النموذج الليبرالي الجديد الموروث من دكتاتورية الجنرال بينوشيه، ومثّل مُعَسْكر اليسار مُرشحان يدافعان عن مطالب الحركة الاجتماعية ضد التفاوتات، أحدُهما الشيوعي "دانيال جادو"، من أصل فلسطيني، وهو رئيس بلدية دائرة شعبية في محافظة العاصمة "سانتياغو"، حيث استفاد السكان الفقراء من سياساته الإجتماعية التي شملت خفض أسعار الأدوية والنظارات، وتوفير الإسكان الاجتماعي، لكنه انهزم في الإنتخابات التمهيدية للرئاسة، فهو لا يمتلك ملكة الخطابة والدّيماغوجية التي يتمتع بها نائب البرلمان، "غابرييل بوريك"، المحسوب على "اليسار"، وهو زعيم سابق لمظاهرات الطّلبة من أجل التعليم المجاني سنة 2011. تزامنت الجولة الأولى للإنتخابات الرئاسية مع الانتخابات التشريعية وانتخابات جُزئية لمجلس الشيوخ المتداخلة مع انتخابات إقليمية، وفي حال فوز اليمين، يمكنه عرقلة وتعطيل صياغة الدستور الجديد.

التّنَوُّع داخل اليسار:
ترشّحت "فابيولا كامبيلاي" لانتخابات مجلس الشيوخ، وهي عاملة تسكن حيًّا شعبيًّا بالعاصمة "سانتياغو"، وكانت في طريقها إلى عملها، خلال احتجاجات 2019، فأصابتها قُنبلة يدوية أطلقتها الشّرطة، فقدت على إثرها بَصَرَها، وهي من المُرشّحين اليسارِيِّين (خلال هذه الإنتخابات) الذين يدافعون عن حياة كريمة، ومعاشات تقاعدية أفضل، ونظام صحي أفضل، وتعليم أفضل، وتُعْلِنُ معارضتها لمنظومة عدم المساواة الاجتماعية، ولخصخصة الخدمات العامة، وهي الإجراءات التي وقع إقرارها في ظل دكتاتورية الجنرال "بينوشيه"، والتي يتمسّك بها اليمين المتطرف الذي تعهد مرشحوه بـ "تنظيم ودعم الأعمال التجارية، وبمقاومة النهب والتدمير والحرق من قبل المتظاهرين القادمين من الأحياء الطَّرَفِيّة..."، كما يُؤَكّد خطاب مرشحي اليمين واليمين المتطرف على "الهجرة وارتباطها بانعدام الأمن" ويعارض الاحتجاجات على عدم المساواة التي انطلقت قبل عامين، متهمًا المحتجين بـ "التخريب". يرتدي أنصار اليمين المتطرف قمصانًا عليها رسائل معادية للشيوعية، مثل "نفضّل الموت بدلاً من السلطة الشيوعية"، أو "ضد النسوية والإجهاض والقتل الرحيم ..."، أو شعارات عنصرية ضد السكّان الأصليين للبلاد، مثل شعب "مابوتشي" المتواجد بشكل رئيسي في منطقة أراوكانيا...
تُمثل قضية الشعوب الأصلية، مثل شعب المابوتشي، ومطالبتهم باستعادة أراضيهم المُصادَرَة بالقُوة، موضوعًا حَسّاسًا في هذه الانتخابات. إنه نزاع تاريخي بين السلطات والجماعات المسلحة والمنظمات التي تدافع عن حقوق شعب المابوتشي، وأسفرت أعمال القوات المسلحة الحكومية عن سقوط العديد من القتلى بين السكان المدنيين، ويحقق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في وفاة عضو شاب من شعب المابوتشي، قُتِل يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2021، عند حاجز أقامته الشرطة، وكانت الحكومة قد أعلنت حالة الطوارئ في تشرين الأول/اكتوبر 2021، ترافقت مع انتشار عسكري واسع، في ذكرى احتجاجات تشرين الأول/اكتوبر 2019، وسبق أن قُتلت امرأة وأصيب 17 شخصا، واعتقلت الشرطة عشرة أشخاص، بحسب بيان للشرطة، يوم الأحد 10/10/2021، خلال مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين من شعب "مابوتشي" الذين يعدون من السكان الأصليين في تشيلي، وتظاهر نحو ألف منهم في وسط العاصمة "سانتياغو"، وارتدى بعضهم الأزياء التقليدية لشعبهم، من أجل المطالبة بالحكم الذاتي، قبل أن تتحرك الشرطة لتفريقهم، مستخدمة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، واستمرت المواجهة نحو 40 دقيقة، واتهمت منظمات حقوق الإنسان المحلية والأجنبية أجهزة الدولة التشيلية بالتمييز ضد شعب المابوتشي الذين وجدوا على أرضهم، قبل قُرُون من الإحتلال الأوروبي لأراضيهم وافتكاكها، قبل أن يتم تشتيتهم وتهميشهم...
يعتبر أفراد شعب المابوتشي من السكان الأوائل لأجزاء كبيرة من تشيلي، وحاربوا الغزاة الإسبان، ثم جيش تشيلي بعد استقلال البلاد في القرن التاسع عشر، وانخفض عددهم حاليا إلى حوالي 800 ألف من إجمالي حوالي 19 مليون نسمة، وأصبحوا لا يُشكّلون سوى جزءًا صغيرًا من سكان البلاد.
خلال الحملة الانتخابية ، أدان المرشح الرئاسي غابرييل بوريك (اليسار "المُعتدل") حالة الطوارئ، ودعا إلى فتح حوار يضم المنظمات الدولية والمحلية، لكن مواقفه بشأن كوبا وفنزويلا وبوليفيا وغيرها، لم تكن تتميز بالتّباين الكبير مع مواقف القوى الرّجعية، وبقي موقفه غامضًا بشأن البرنامج الإقتصادي، والتّأميم، أما اليسار المناهض للنظام، فيقترح من جانبه، طرد الشركات العابرة للقارات من الأراضي التي يطالب بها شعب المابوتشي، والتكامل، بل الإندماج الإقليمي بأمريكا الجنوبية، بينما يعلن المرشح اليميني المتطرف "كاست" أنه يؤيد تشديد القمع والحصار العسكري ضد شعب مابوتشي، بالتوازي مع الحفاظ على النموذج النيوليبرالي الموروث من ديكتاتورية "بينوشيه"، وفرض "النظام والاستقرار والأمن، مُرَدّدًا في كل مناسبة: "لا نريد اليسار، لأنه سيُغْرِقُ البلاد في الفوضى والجوع والعنف" ...
نُركّز في الفقرة الموالية على "أوسكار دانيال حذوة"، أحد المُترشِّحِين للإنتخابات التمهيدية التي تمت الإشارة إليها في فقرة سابقة، وهو من أصل فلسطيني، تدرّج مِن رئيسٍ لبلدية "ريكولتا" إلى مرشح الحزب الشيوعي للانتخابات الرئاسية (قبل الإنسحاب والتّكتّل وراء "غابريال بوريك")، ما أثار غضب اليمين وبعض اليسار من أنصار الإحتلال الصهيوني لفلسطين، وأشار "حذوة" في واحد من أحاديثه إلى دور الجالية الفلسطينية في الخارج للتعريف بقضيتها والانتصار لها، وتجاوز بعض المظاهر الفلكلورية، مثل أكل الطعام الفلسطيني ورقصة الدّبْكة...
وُلِدَ أوسكار دانيال حذوة سنة 1967 بمدينة "ريكولتا" التي يرأس بلديتها (محافظة سنتياغو)، وهاجَرَت أُسْرَتُهُ من "بيت جالا" في الضفة الغربية المحتلة، واختصَمَ مع والده الذي كان مؤيداً للجنرال "أوغوستو بينوشيه"، وبدأ نشاطه السياسي كرئيس فرع "الاتحاد العام لطلبة فلسطين"، من 1987 إلى 1991، ثم مُنسِّقًا عامًّا لمنظمة الشباب الفلسطيني لأمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي من 1991 إلى 1993، وهي سنة انضمامه للحزب الشيوعي، وترشّح وفاز باسمه، سنة 2012، بمنصب رئيس بلدية "ريكولتا"، حيث بقي وفيًّا للقضية الفلسطينية، من خلال وضع رسوم لحنظلة (ناجي العَلِي) وبعض الشعارات واللافتات، على واجهة البلدية، ما أثار ضدّه بعض الإنتقادات من اليمين واليمين المتطرف، لكن شعبية "أوسكار دانيال حذوة" جعلت الحزب الشيوعي يُقرّرُ (نيسان/ابريل 2021) ترشيحه لمنصب رئاسة تشيلي، رغم اتهامه من قِبَلِ المركز الصهيوني "ويسنثل" بمُعاداة السامية...
يُقدّر عدد الفلسطينيين خارج وطنهم، بأكثر من عشرة ملايين فلسطيني، منهم حوالي ثلاثمائة ألف يعيشون في تشيلي (سنة 2019)، ولذا تُعَدّ الجالية الفلسطينية في تشيلي أكبر جالية في أمريكا الجنوبية، وتعود أصول معظم أفرادها إلى بيت لحم، وبيت جالا، وبيت ساحور، و بعض المناطق الأخرى، وهي هجرة قديمة، لذلك اندمج أفرادها داخل المجتمع التشيلي، ونشطوا في مجالات التجارة والإقتصاد والسياسة، وتُنظّم الجالية الفلسطينية المُظاهرات للتنديد بالعدوان الصهيوني، وتُنظم حملات لدعم ضحايا القصف والعُدْوان...

نتائج انتخابات 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021:
أفضت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، إلى جولة إعادة، يوم التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2021، بين مرشح اليسار غابرييل بوريك الذي حصل على قرابة 26% والمرشح اليميني خوسيه أنطونيو كاست الذي حصل على أكثر من 28% من الأصوات.
تزامنت الإنتخابات الرئاسية مع انتخابات مجلس النواب في كافة مناطق البلاد (155 نائبًا)، وانتخابات 27 من أعضاء مجلس الشيوخ في ثماني مناطق، من إجمالي خمسين عضو.
حصلت التيارات التقدّمية على ثمانين مقعد، مقابل 68 للقوى اليمينية المُعْلَنَة، من إجمالي 155 مقعد، بمجلس النواب، وتكافأت القوى بمجلس الشيوخ، حيث أصبح لكل تيار 25 نائبًا.

رهانات انتخابات 2021:
شملت انتخابات تشيلي، يوم الأحد 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، اختيار رئيس، بين مُتنافِسَيْن أساسِيّيْن، أحدهما عضو يميني سابق في مجلس الشيوخ، وثانيهما مرشح يساري دعم الاحتجاجات الحاشدة في الشوارع، وتعهد المرشح اليميني خوسيه أنطونيو كاست (55 عاماً) ، بمكافحة الجريمة وأشاد "بالإرث الاقتصادي" الليبرالي للديكتاتور السابق أوغستو بينوشيه. أما مرشح اليسار "غابرييل بوريك" فهو عضو في البرلمان (35 عاماً) قاد احتجاجات الطلاب في عام 2011 للمطالبة بتطوير النظام التعليمي في تشيلي، وتعهد بإلغاء نموذج عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، مع تعزيز حماية البيئة وحقوق السكان الأصليين، وهو يمثل شريحة هامة من السياسيين المحافظين والمنتمين لتيار الوسط الذين هيمنوا على المشهد السياسي في تشيلي لعقود.
تأتي الانتخابات بعد عامين من الإحتجاجات الجماهيرية الضخمة للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة، والتي قمعتها السلطة اليمينية بشدّة، وكان مطلب تغيير الدّستور الذي شَرْعَنَ الإقتصاد الليبرالي، أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين، حيث أسفرت الاحتجاجات عن مقتل حوالي خمسين شخصا وإصابة المئات بعضهم حالته خطرة، وأدّت الإحتجاجات إلى اختيار هيئة لكتابة دستور جديد، وإلى فتح تحقيق ومساءلة بحق الرئيس "سيباستيان بينييرا"، إثر انتشار تقارير تفيد بأن عائلته باعت، سنة 2010، خلال ولايته الأولى، حصة في مناجم "دومينغا" بقيمة 152 مليون دولار، مع تمرير جزء من الصفقة عبر شركة مسجلة في جزر العذراء البريطانية، وهي من الملاذات الضريبية المعروفة.
حافظ الرئيس الملياردير "سيباستيان بينييرا" على السياسات النيوليبرالية التي تم وضعها في عهد الدكتاتورية العسكرية، بزعامة الجنرال "أوغستو بينوشيه" (1973 – 1990)، ويُعتبر الرئيس أحد أغنى الرجال في البلاد.
كشفت "وثائق باندورا" عن مشروع التعدين "دومينغا" الذي وقعت إثارتُه عدة مرات خلال السنوات العشر الماضية، آخرها في آب/أغسطس 2021، عندما وافقت على إنجازه حكومة "سيباستيان بينيرا"، في موقع مُصَنّف كمحمية طبيعية، وسوف يقضي المشروع على التنوع البيولوجي (البري والبحري) والغذائي والحيواني للمنطقة، كما كشفت "وثائق باندورا" عمليات الاحتيال والتّهرّب الضريبي وعن تضارب محتمل في المصالح يشمل رئيس الدولة في بيع شركة التعدين "دومينغا"، سنة 2010، وأظهر التحقيق أن إحدى الشركات التي تمتلكها أُسْرة الرئيس "سيباستيان بينيرا" باعت حصتها في الشركة مقابل 152 مليون دولار، على ثلاث دفعات، وكانت آخر المدفوعات مشروطة بالالتزام بعدم إنشاء منطقة حماية بيئية في منطقة المنجم، ويتضمن مشروع التعدين إنشاء ميناء للتصدير في موقع ذي تنوع بيولوجي فريد من نوعه، ويشمل مشروع التعدين كذلك تركيب محطة لتحلية المياه في منطقة تعاني من جفاف شديد منذ عشر سنوات...
يُعتبر المُرشّح اليميني المتطرف "خوسيه أنطونيو كاست" وريثًا شرعيا للدكتاتورية العسكرية، وللرئيس "بينييرا"، وهو مُتشبّعٌ بالإيديولوجيا النّازية، فقد كان والدُهُ ضابطًا بالجيش الألماني، خلال الحرب العالمية الثانية، وهرب بعد الحرب إلى الأرجنتين، ثم إلى تشيلي، البلدَيْن اللَّذَيْن استضافا أكبر عدد من النّازيّين، بإشراف ودعم أمريكي. إنه ليس وافدًا جديدًا على عالم السياسة، فقد انتمى إلى حزب يميني أسّسته الكنيسة الكاثوليكية، التي دعمت الجنرال "أوغوستو بينوشيه"، ولا يزال "كاست" يُعْلِنُ حنينَهُ إلى فترة وقِيَم الدكتاتورية العسكرية التي قتلت حوالي 3500 مواطن خلال انقلاب 11 أيلول/سبتمبر 1973، وسُجن حوالي 50 ألف مواطن، وتعرض وتعرّض حوالي أربعون ألف مواطن للتعذيب، وهو نائب في البرلمان وتزعم المجموعة الأكثر يمينية بالبرلمان، لفترة أربع سنوات، ويُنْعَتُ حزبه بالمُحافظ، وهو في الواقع يميني متطرف، يُعارض الإجهاض، حنى في حالات الإغتصاب، أو الخطر على حياة الأم، وأسَّسَ حزبًا جديدًا (الحزب الجمهوري)، سنة 2019، بعد انتخاب دونالد ترامب، عن الحزب الجمهوري الأمريكي، يدعو إلى تدريس الطّقُوس الدّينية في المدارس العمومية، ويُدافع عن مشروع اقتصادي نيوليبرالي، يسحق الفُقراء والعاملين، ويدعم الأثرياء، وهو صاحب مشروع قانون يسمح بحرية شراء وحمل السلاح والحق في إطلاق النار على اللصوص، أو المُهاجرين المُتَسَرِّبين من الحدود، بذريعة "مكافحة الاتجار بالمخدرات"، ويُصرّح علنًا بدعم سياسة الرئيس البرازيلي (الضابط، اليميني المتطرف) "جاير بولسونارو"، وسياسة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، وأعلن أنه صَوّت، خلال استفتاء سنة 1988 لتمديد سلطات الديكتاتور حتى عام 1997، بحسب تصريح لهُ نقلتْهُ صحيفة "لوموند" الفرنسية (21/11/2021)، كما أعلن أنه يعتزم، في حال انتخابه، العفو عن العسكريين المُدانين بالتعذيب أو الإغتيال والقتل المرتكب ضد المُعارضين، خلال فترة حكم الدّكتاتورية العسكرية.

استنتاجات، على ضوء نتائج الدّور الأول:
يأتي هذا الاقتراع بعد مرور عامين فقط على أزمة اجتماعية غير مسبوقة في تشيلي، وتُؤَكّدُ نتائج الدّورة الأولى من الإنتخابات الرئاسية والتشريعية تراجع الأحزاب التقليدية بعد عامين من الإنتفاضة والحركة الاجتماعية التي هزت البلاد، بمشاركة عشرات الآلاف من المُحتجّين المُطالبين بالعدالة الإجتماعية، في بلد يُعْتَبَر من أكثر المجتمعات حَيْفًا وتفاوُتًا، رغم الثروة المعدنية، فالبلاد أكبر مُنْتِج عالمي للنّحاس.
بعد ثلاثة عُقُود من الإنزياح الهادئ للدّكتاتورية العسكرية، وبعد عامين من احتجاجات اجتماعية هائلة، ما الذي يجعل ممثل اليمين المتطرف، الدّاعم للسياسات النيوليبرالية وللغطرسة الأمريكية، مُتقدّمًا على كافة منافسيه، من اليمين واليسار، خاصة وأنه وَعَدَ بإعادة الإعتبار للدّكتاتورية العسكرية و"للسّوق الحُرَّة"، وهو دائم الإشادة ب"الإرْث الإقتصادي النيوليبرالي" لنظام الدّكتاتورية العسكرية، بزعامة الجنرال "أوغوستو بينوشيه"، وهو سليل أُسرة برجوازية ألمانية، شغل بعض اعضائها مناصب عُليا (وزارات وإدارة المصرف المركزي ومناصب في مجلس النواب والشيوخ، غير المُنْتَخَبِين...) خلال فترة الدّكتاتورية العسكرية، وكان أبوه ضابطًا بالجيش الألماني، خلال فترة حُكم النّازية، وخلال الحرب العالمية الثانية، ودَرَس مُرشّح اليمين المتطرف بالمدرسة الألمانية بالعاصمة "سنتياغو"، قبل دراسة الحُقُوق بالجامعة الكاثوليكية، ثم تأسيس شركة استشارات قانونية، تُقدّم النّصائح (بمقابل مالي) للأثرياء والشركات لاستغلال الثّغرات القانونية، ولزيادة ثرواتهم...
كيف انتقلت البلاد من وضع غليان ثوري، سنة 2019، إلى سيادة الدّعاية اليمينية المتطرفة، سنة 2021؟ تكمن الإجابة على بعض التّساؤلات في "الوفاق" الذي حَصَل، أثناء المفاوضات مع الدّكتاتورية العسكرية والولايات المتحدة وصندوق النقد الدّولي من جهة، وقوى "الوَسَط" من جهة أخرى، فقد أفضت هذه المفاوضات إلى الحفاظ على إرْث الدّكتاتورية العسكرية، خلال ثلاثين عامًا من حكومات تحالفات يسار الوسط، الديمقراطي المسيحي وتحالف الحزب الاشتراكي، ومختلف قوى اليمين والوسط، التي حكمت البلاد، بين 1990 و 2020، وهو "وِفاق" شبيه بما حَصل في إسبانيا، بعد وفاة الدّكتاتور الجنرال "فرنسيسكو فرانكو"، قبل أن ينفَجِرَ الغضب الشّعبي، ضد دُستور الوفاق، وضد نظام التقاعد وخصخصة قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والنقل والثروات المعدنية والطاقة، وضد النظام الرأسمالي الليبرالي الذي نَشَرَ البُؤْس...
أعادت قُوى اليسار "المعتدل"، في تشيلي، السّقُوط في فخ "الوفاق"، فشاركت في المحادثات من أجل إيجاد مَخْرَجٍ لمأزق النّظام القائم، خلال احتجاجات 2019/2020، وتم بذلك "اختطاف" ديناميكية الثورة، وتحويل وجهة التمرد نحو صناديق الإقتراع، ما جعل الإنتفاضة تَهُزُّ عرش النظام، دون إسْقاطِهِ (كما حَصَل بتونس ومصر)، وبقي الإرث الإقتصادي للدكتاتورية العسكرية قائمًا، وبقي معه نظام المعاشات التقاعدية المُخَصْخَص والنظام الصحي والتّعليمي، ولم تتمكن الجماهير المنتفضة من صياغة برنامج لمجتمع بديل أو وضع الأسس لمنظمة ثورية تحرك في هذا الاتجاه، بسبب افتقادها إلى البَوْصَلَة، وإلى تنظيم يُمثّل مصالحها...
أشرفت الشركات الكبرى، والحكومة اليمينية لسيباستيان بينيرا (التي تُمثّل الأثرياء)، خلال الحملة الإنتخابية، على حملة إعلامية واسعة، تتهم شعب "مابوتشي" بتهريب المخدّرات في جنوب البلاد، وتُقدّم مُرشّح اليسار (رغم مُسالمَتِهِ ووداعتِهِ، ومُساهمته في "الحوار" مع رُمُوز نظام الحُكْم، من أجل الخروج من الأزمة، سنة 2020) كرمز للعنف والفوضى، فيما قدّمت ممثلي اليمين، كرمز للإستقرار وللنّظام والأمن، ما جعل جزءًا هاما من الفئات "المتوسّطة" (البرجوازية الصّغيرة) تميل لتفضيل مُرشّح اليمين المتطرف، ونجحت الحملة الإعلامية والإيديولوجية اليمينية أيضًا في تهيئة المواطنين لفوز اليمين المتطرف، بدعم من اليمين المَوءصُوف ب"المُعْتَدِل"، ولتَقَبُّل تدابير التّقشّف التي يعتزم رأس المال فَرْضَها سنة 2022، وفرض حالة الطوارئ في بعض مناطق البلاد، بذريعة الحفاظ على الأمن، مع إهمال حقوق المواطنين في الرواتب اللائقة، والتقاعد، والرعاية الصحية والتعليم والمرافق...
أظْهرت هذه الإحتجاجات (كما احتجاجات الوطن العربي، سنة 2010/2011) الحاجة المُلِحّة إلى دعم المنظمات القاعدية للعمال والشباب والنساء، وسكان الأحياء والأرياف الفقيرة، من أجل بناء بديل ثوري (حزب وجبهة أو ائتلاف)، يُمثل العُمّال وصغار المزارعين، وفئات الكادحين والأُجراء والمُعَطّلين عن العمل والفُقراء، لمواجهة مُخَطّطات الدّولة الرجعية التي تُمثّل مصالح رأس المال والأثرياء، وضرورة تعزيز وحدة العمال والنساء والشباب وسُكّان الأحياء الشعبية، من أجل الدفاع عن حقوق هذه الفئات، وبناء تحالف قادر على الإنتصار، في الشّارع، ومواقع العمل والسّكن، قبل صناديق الإقتراع، لأن القوانين الإنتخابية صُمِّمَتْ لإقْصاء الفُقراء والكادحين...

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية