الحرية الدينية في موضع التنصيص

عباس علي العلي
2021 / 11 / 24

لكم دينكم أيها الناس خطاب عام شامل موجه ومخصص أساسا كما يبدو للقارئ أنه محدد بما سبقته من آيات تخاطب الكافرون، فكل من يدين بغير دين الله هو كافر طبقا لهذا التحديد، والسؤال هنا أليس الدين واحدا من نتاجات أعتقاد الفرد بوجود قوة خارقة فوقية غالبة وغير مرئية يرمز لها مرة بالسماء أو بساكن السماء أو بالخالق المدبر، أو بواضع قوانين الكون كما هي الآن، بالمجمل الغالب في تصور كل المتدينين أنهم يتوجهون لله بفرق التسمية أو تحديد الطريق أو ترميز الفكرة، فالدين مرتبط بأعتقاد البشر وجود إله أو رب يدير الوجود ولا بد من التصالح معه أو التوافق مع ما يريد عبر ألية الدين.
فالدين هنا عموما محسوب على الله والغالب من الناس تعتقد بحزم أن أي قواعد دينية قديمة أو متعارف عليها لا بد أنها جاءت من السماء عبر الوحي أو الرسل، هذا إذا ما أستثنينا بعض الديانات البدائية الطوطمية والتي لو تأملنا بها مليا وبفهم متعبديها نصل لذات المدار، المهم تساؤلنا يدور حول التفريق بين لكم ولي طالما أن الموضوع دين وأرتباطه كما قلنا بالله، السؤال الأساسي كيف نعرف دين الله الذي وصفه النص بكلمة لي؟.
بالرجوع إلى ما بأيدينا من نصوص القرآن وهنا أعتمد فقط عليها كون النص محل البحث ورد في القرآن، نجد أن دين لي كما عبرت الجملة النصية يراد منه تمام الدلالة التي وردا في هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) أي الدين المكتمل على يد الرسول محمد ص كما هو محفوظ بالكتاب المجيد، وكذلك يقصد به ما كان عهدا بين أبناء إبراهيم ع (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وأيضا وفي نفس النسق حدد النص ما هو الدين بصورة قاطعة (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، ولأنه وحسب النصوص الأخرى لا يقبل من أي متدين دينه ما لم يكن وفقا لمحددات الإسلام (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ).
إذا دين الله هو الدين المنزل على إبراهيم وبنيه وذريته من أسحق ويعقوب وصولا إلى دين النبي محمد كله مهما تنوعت وتعددت الرسالات، لأنها نزلت جميعا من مصدر واحد وهدف واحد ولنتيجة واحدة بشرط أن لا يجري فيها لا تحريف ولا تغيير على النصوص الأمرة والناهية والنصوص الإرشادية، وما عدا ذلك فهو دين الناس الذي نعته الله بكلمة (لكم دينكم) تفريقا عن معنى (ولي دين)، هنا لا بد أن نشير إلى حقيقتين توضيحيتين وردت في السورة، أولهما (أن الكافر هو ليس من أنكر الدين أو لم يتدين) بمعنى أن الكافر متدين بدين ولكنه ليس دين الله (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)، النقطة الأخرى (قد يكون الكافر متدينا بدين الله ولكن ليس بالصورة التي وضعها الله) وهذا المفهوم ورد في سورة المزمل (والو أستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا)، فالأول أتخذ غير دين الله والثاني حرف ولم يستقم كما أؤمر فزل وأنحرف عن الطريقة، وبالنتيجة فكلاهما يصح على من تدين بهما لفظ الكافر كما حكمت به السورة وهم المخاطبون بها.
ونعود إلى البداية لنوضح ماهية الكافر في اللغة وتعريفه حتى نكون على بينة من المقصود دلالة وأصطلاح، فالكافر عموما هو من يغطي الشيء بغطاء يجعله غير مرئي أو خارج مدى الإدراك به، فكل من فعل ذلك يسمى كافرا بعيدا عن المعنى الديني، لذا يطلق على الفلاح الذي يغطي البذور في التربة كافر لأنه كفر أو غطاها عن النظر أو الرؤيا، فالكافر الديني بنفس المعنى حين يغطي أحكام الله وأوامره ونواهيه وما يريد به للناس من خير وأصلحيه بغطاء أما من سنخ مفاهيم الدين ولكنها محرفة، أو ينفي وجود تلك القواعد والأحكام ويحاول تغيبها عن الوجود، ولا عجب مثلا أن نرى اله يصف بعض المتدينين في دينه إدعاء وتمويها بأنهم كافرون أو مشركون.
السورة محل البحث وإن جاءت بنص لله فهي تجري على لسان نبيه وهذا اللسان ممكن أن يكون لسان كل مؤمن يتعرض للمقارنة أو الدعوة للتدين بدين أخر (لا أعبد ما تعبدون)، فهذا الجزم النافي يؤكد أن الرسول لا ينكر فقط عليهم عبادتهم وإن كانوا يزعمون أنهم يتعبدون بدين الله أو دين أرتضوه لأنفسهم كقناعات، ولا يمكنهم أن يعبدوا ما يعبد هو لأختلاف في الأسس والقواعد والمفاهيم وربما حتى الطقوس (ولا أنتم عابدون ما أعبد)، لنفس العلة والسبب، هذه القطيعة والمقاطعة سببها الوصف الذي قلناه في النقطتين أعلاه، أضافة إلى ملاحظة مهمة وردت في السورة أيضا وهي أن المقاطعة والرفض ليست فيما يتدينون به الآن ولكن تمضي إلى أبعد من ذلك فهو ينفي عن نفسه أنه كان على دينهم في يوم ما (ولا أنا عابد ما عبدتهم)، هذه النقطة التي تشكل تنزيها للنبي من كونه قد عبد فيما مضى الدين الذي يزعم البعض أنه كان يهوديا أو نصرانيا قبل أن يبعث بدينه الجديد.
يحلو للكثير من المغرر بهم أو الذين يحاولون تشويه تاريخ محمد ص العقائدي بأن ما جاء به ليس أكثر من أمتداد جديد لدينه السابق بأجتهادات خاصة وهذا ألطف ما يقولون، أو أن دين محمد ص ما هو إلا سرقة أو تحريف أو تزوير لدين سابق أراد أن يمنحه تفردا وطعم جديد، فهناك اليوم وخاصة ممن يعتمدون على الروايات التأريخية وما يقرؤونه من الأدلة الأركيولوجية التي يفسرونها على هواهم وخاصة تلك الملاحظات التي كتبت في بعض الوثائق المسيحية التي عاصرت حياة النبي أو كانت قريبة في زمانه منه، أنه كان من طائفة من طوائف المسيح الذين ينفردون في مفاهيم ورؤى تختلف عن مفاهيمهم ورؤاهم، وقد أوردنا هذه الوثائق في كتابنا (محمد النبي_ التأريخ والإنسان 2021)، هذا النص ينفي ويزكي النبي من أن يكون يهوديا أو نصرانيا ومع ذلك تتكرر اللازمة التي وردت في السورة تأكيدا لهذا القطع بقوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد).
الجملة المكررة هنا (ولا أنتم عابدون ما أعبد) تنفي في نفس سياق النفي الثاني الذي قطع بأن النبي محمد لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، فقد أضاف تأكيدا أخر هنا ليس بذات المعنى الوارد في دلالة نفس الجملة التي وردت أولا، وهي أن هذا الدين الجديد وإن كان من نفس مصدر الديانتين السابقتين وبنفس النسقية لكنه ليس متساويا معه من ناحية الأحكام أو المفاهيم أو الأفكار، فالنص يؤكد أنه ومع أفتراض صحة ما تتعبدون به سابقا أو أسلافكم الأولون ولكنكم بإصراركم هذا فأنتم لم ولن تعبدون هذا الدين كما هو، فالجملة متشابهة بالبناء اللفظي ولكنها تختلف في المدلول الزماني بناء على حال الجملة التي تسبقها، الأولى نفي حاضر التدين له ولهم، والثانية نفي تأريخي لتدين الذي كانوا وكان عليه، وبالتالي نستخلص من الجملتين جواب أخير وهو (لكم دينكم... وأنتم تتحملون وزر ما تؤمنون به.... ولي دين... أنا المسئول عنه والمسئول في توضيحه لكم ولغيركم).
نعود لأصل السؤال وهو علاقة الدين بالله وعلاقة الإنسان بالدين ثانيا، من الحقائق التي أوردتها النصوص أن الله غني من أن يؤمن الناس بدين أو يكفروا به، فهو لا ينتفع ولا يضار لا في هذه ولا في تلك، وكل ما يريد الله من الدين هو أن يضع تصور وخارطة طريق كبرى يستهدي بها الإنسان ليكون على أفضل الأوضاع التي تؤهله ليكون إيجابيا مع نفسه ومع الوجود ليس إلا، أما ما أنزل من عقوبات وتهديد ووعيد في حالة الكفر وعدم الإيمان بما وضع لهم من الدين، فهو واحد من الأساليب التربوية التي تجعل الإنسان معنيا بفهم الدين وقريبا من الجوهر والقصد منه، ولكن بجميع الأحوال لا يعني وجود تلك العقوبات والتهديد بها هو من باب تحدي الرب للإنسان (ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة على دين واحد وبدون جزاء ولا عتاب ولا عذاب)، لكن هنا لا يكون الإنسان إيجابيا ولا يمكنه أن يلبي متطلبات علة الخلق وفقا لما أراد الله)، وقد يعتبر ذلك تفريغا من الكينونة والكيفية التي خلقه بها، وأهم من كل ذلك أنه عطل العقل والقرار والخيار والإرادة للبشر حتى يخوضوا تجربتهم بكل حرية ومسئولية.
هناك رأي أخر يقول ماذا أستفاد الإنسان من الدين وهو مهدد ومتوعد له بالعذاب ونار الحريق مما يجعله خائفا وتحت ضغط القهرية ربما لا يمكنه أن يفعل كل الطاقة العقلية لديه، ومعروف نفسيا أن الخوف الدائم يقمع الحرية ويقمع الإبداع داخل الإنسان، وبالتالي حالة النكوص والتراجع في أداء الوظيفة الوجودية مسئول عنها الدين والله معا، والحقيقة أن الإنسان كما تشجعه الحرية للإبداع عليه أن يعرف أن هذا الإطلاق خاص به ولكونه يعيش في ظل مجموع ومرتبط بعلاقات مع الأخر وعليه حقوق وألتزامات نابعة من هذه العقدة الحياتية، فلا بد له من تحديد واضح للحرية وعليه الخضوع لها حتى يصون حريته الداخلية ويصون حدود حرية الأخر.
هذه المعادلة الجدلية بين الحق وبين القيود ليست ناتجة عن الدين وحده ولا مسئول عنها كونها تهدد الحرية وتقمع الإبداع كما يزعم البعض، العلم والمعرفة وقوانين المجتمع وضوابط العيش الجمعي أيضا لها أستحقاقات وتفرض قيودا حتى في بعض الذاتيات الأخلاقية والذوقية تحد هذه الحرية، فمثلا العلم الخارج عن السيطرة الوجودية مدمر، ونوازع النفس المتضخمة تعتدي على حرية الأخر وتدمرها، حدود الزمان والمكان وطبيعة تكوين الإنسان موانع للكثير من المفاهيم التي تتعلق بالحرية، فالحرية قبل أن تكون مفهوم سائب ومطلق وكامل تعني للإنسان الخيار الأفضل، تعني له أن يكون إيجابيا صالحا ومصلحا ومتصالحا مع واقعه كي يستفيد منها، هذه هي بالجملة وظيفة الدين وعلته المؤسسة أنها تهدي للخير دوما والأصلح والأفضل لمن يريد أن يتماهى مع وجوده الجزئي من ضمن قانون الوجود الشامل.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية