السودان: الإنذار الأخير !

جو أتارد
2021 / 11 / 22


كان يوم أمس اليوم الأكثر دموية الذي تشهده السودان منذ الانقلاب حتى الآن. حيث تعرضت المسيرة الوطنية لأعنف حملة قمع حتى الآن من قبل قوات الأمن. يجب أن تكون هذه المذبحة إنذارا نهائيا للجماهير حول أن الدفاع المسلح عن النفس بأي وسيلة ممكنة هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يضمن انتصار الثورة السودانية.


خلال الأسبوع الماضي أعلن قائد الانقلاب، اللواء عبد الفتاح البرهان، عن تشكيل مجلس سيادي جديد يترأسه هو والجنرال حميدتي -قائد قوات الدعم السريع وقائد ميليشيات الجنجويد المسؤولة عن غالبية أعمال القمع المضاد للثورة.

ويأتي هذا على الرغم من استمرار إصرار البرهان على أنه لم يقم بانقلاب، بل تدخل فقط لـ”تصحيح” مسار الانتقال إلى الديمقراطية، وأنه ملتزم بتسهيل عملية تشكيل حكومة مدنية ولن يشارك بنفسه في أي حكومة.

مناورات البرهان الجريئة هذه أغضبت الجماهير التي أوضحت موقفها في مظاهرة وطنية مخطط لها في نهاية الأسبوع، حيث رفعت شعارات: لا مفاوضات مع مدبري الانقلاب، لا ترتيبات لتقاسم السلطة، لا تسوية مع الجنرالات، من أجل الانتقال الكامل إلى حكومة مدنية!

تم تفريق “مسيرة الملايين” الثانية هذه عن طريق حملة قمع عنيف، قتل على اثره العديد من الأشخاص عندما أجبرت الجماهير على التراجع تحت وابل الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع.

مجزرة 17 نوفمبر
ردا على هذه الجريمة وعلى رفض المجلس العسكري اعادة تغطية الإنترنت، على الرغم من صدور حكم عن المجلس التشريعي السوداني يطالب بذلك، دعت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين إلى مظاهرة وطنية ثالثة في 17 نوفمبر.


لهذا التاريخ دلالة، حيث كان هو الأجل المحدد في الأصل لنقل السلطة في مجلس السيادة السابق من يد الجيش إلى يد الحكومة المدنية، قبل أن ينفذ البرهان انقلابه يوم 25 أكتوبر ويحله.

على الرغم من تحمل الجماهير لما يقرب من شهر من القمع المتواصل: الضرب والرصاص والاعتقالات التعسفية وحظر شبه كامل للاتصالات، فقد نظمت من خلال لجان المقاومة احتجاجا وطنيا ضخما آخر.

المعطيات والصور غير واضحة بطبيعة الحال، إلا أن الاحتجاجات شملت ما لا يقل عن 16 بلدة ومدينة، ونزل مئات الآلاف إلى الشوارع.


لكن الجيش والشرطة هذه المرة لم يضيعوا أي وقت، إذ قطعوا ليس فقط تغطية الإنترنت بل وأيضا خطوط الهاتف، وعزلوا الجماهير ونشروا القوات مباشرة في الأماكن التي كان من المتفق الاجتماع فيها لتنظيم المسيرات.

قوبلت الحشود بهجوم شرس شنته قوات الأمن، وتركزت أسوء أعمال القمع في الخرطوم.

كما تعرضت المدينة التوأم، بحري في الشمال، حيث كانت لجنة المقاومة المحلية نشطة بشكل كبير، لقمع سادي خاص. تم قطع الكهرباء عن الأحياء التي طوقتها قوات القمع وأطلقت الغازات المسيلة للدموع في الشوارع وتمت محاصرة الناس في منازلهم أثناء مطاردة المحتجين.


كما وردت أنباء عن قيام قوات الأمن بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على المستشفيات، التي سرعان ما اكتظت بالضحايا.

قُتل ما لا يقل عن 15 متظاهرا، ليرتفع العدد الإجمالي للقتلى إلى 39. من بين القتلى شخص يبلغ من العمر 70 عاما. وأحدهم كان صاحب متجر في شمبات لم يشارك في الاحتجاجات. دخلت قوات الأمن إلى محله وطلبت منه تسليم المختبئين داخل متجره، وعندما قال لهم إنه لم يكن معه أحد، قاموا بإطلاق النار عليه.


وأصيب مئات آخرون، وغمرت أعداد كبيرة من الضحايا المستشفيات مصابون بأعيرة نارية في الرأس والجذع، مما يعني أن القوات المعادية للثورة قد تلقت أوامر بإطلاق النار من أجل القتل.

من المحتمل جدا أن يكون عدد القتلى أعلى بكثير، حيث تُرك العديد من الأشخاص في حالة حرجة، كما أن الافتقار إلى الاتصالات يجعل من المستحيل الحصول على تقدير دقيق.

وفي بيان كان سيكون مثيرا للضحك لو كانت الظروف أقل مأساوية، اشتكى المجلس العسكري (الذي ما يزال ينكر استخدامه للعنف ضد المتظاهرين) من تعرض 30 شرطيا للاختناق بالغاز المسيل للدموع!

بأي وسيلة ممكنة!
استيقظت الجماهير صباح هذا اليوم وهي في حالة من الصدمة والغضب. وحتى وقت كتابة هذا المقال ما تزال قوات الأمن تواصل حملاتها القمعية، وتواصل القيام بدوريات وتضايق المارة بشكل عشوائي في الخرطوم وبحري. كما أطلقت حملة اعتقالات استهدفت أعضاء بارزين في لجان المقاومة.


إن هذه الفظائع التي يرتكبها مدبرو الانقلاب لا تؤدي إلا إلى المزيد من دفع الجماهير لمواصلة احتجاجها، وقد واصلت لجان المقاومة وضع المتاريس على الطرق في أحيائها لعرقلة تحركات الجيش.

أدان تجمع المهنيين السودانيين حملات القمع وأكد موقفه الرافض للمفاوضات أو التنازلات أو الشراكة مع الجيش، في حين تطالب العديد من لجان المقاومة بتنظيم يوم عصيان مدني. وما يزال جزء كبير من البلاد مغلقا بفعل الإضراب.

التعتيم يجعل من الصعب قياس الحالة المزاجية، لكن واستنادا إلى التعليقات المتدفقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يبدو أن قسما على الأقل من الجماهير على الأرض قد بدأ يشعر بالإحباط من تكرار مواجهة الثورة المضادة المسلحة بالطرق “السلمية” فقط.

وكما قلنا مرات عديدة: إن الطريقة الوحيدة لتحقيق النصر هي أن تنظم الجماهير لجان دفاع ذاتي وتواجه الثورة المضادة بالسلاح في يدها. سيتطلب هذا، في النهاية، التآخي مع العناصر المتعاطفة من بين صفوف القوات المسلحة، إلا أنه على المدى القصير يجب على الجماهير أن تستعد للقتال بأي وسيلة ممكنة.

كتب لينين عن العمال والفلاحين الذين ينظمون الدفاع الذاتي الثوري ضد المئات السود الفاشيين في ثورة 1905:

يجب عليهم تسليح أنفسهم بأفضل ما في وسعهم (بالبنادق، المسدسات، القنابل، السكاكين، نفاضات الغبار، العصي، الخرق المبللة بالكيروسين لإشعال الحرائق، الحبال أو سلالم الحبال، مجارف لبناء الحواجز، خراطيش البيروكسيلين، الأسلاك الشائكة، المسامير [ضد سلاح الفرسان]، الخ، الخ). يجب ألا ينتظروا، تحت أي ظرف من الظروف، المساعدة من مصادر أخرى، سواء من أعلى أو من الخارج؛ يجب عليهم توفير كل شيء بأنفسهم.

في بعض الحالات قاومت الجماهير في السودان قوات الشرطة باستخدام الحجارة وبالصدور العارية.

صحيح أن الجماهير تفتقر إلى السلاح، لكن الجيش أقل عددا، وبالتالي فإذا كانت الجماهير منظمة ومستعدة للقتال، سيكون في مقدورها أن توقف زحف الثورة المضادة المدججة بالسلاح.

سيتوجب على الجماهير القيام بذلك إلى أن يتم كسب قسم من الجنود إلى صفوف الثورة. لكن ما يجب عليها ألا تفعله هو الاستمرار في السياسة الانتحارية التي يدعوا إليها تجمع المهنيين السودانيين وقادة لجان المقاومة، والمتمثلة في السير بدون حماية في مرمى رصاص قوات الأمن.

لا مفاوضات! لا اتفاق! لا شراكة!
يجب على القواعد أن تعارض بشراسة ذلك النداء المتجدد من قبل تجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة إلى العصيان المدني السلمي. إن هذه الأساليب السلمية هي بالضبط ما يغذي ثقة الثورة المضادة ويؤدي إلى المزيد والمزيد من إراقة الدماء.

يجب على قادة الثورة أن يمكنوا الجماهير من المقاومة، وينظموها للقيام بذلك، وتوجيه نداء عام لكل العناصر متذبذبة بين صفوف القوات المسلحة من أجل التمرد والانضمام إلى إخوتهم وأخواتهم الطبقيين. وإذا كان القادة الثوريون غير مستعدين لاتخاذ هذه الإجراءات، فيجب عليهم التنحي وترك المكان للقادة الذين سيفعلون ذلك.

يوجه البعض، ولا سيما العناصر البرجوازية الصغيرة من بين الجالية السودانية في الخارج، الدعوة للأمم المتحدة لإرسال قوة حفظ سلام لدعم الحكم المدني. يجب أن نقول إن هذه فكرة مفلسة.

انظروا إلى هايتي، أو أوغندا، أو أي مكان آخر تدخلت فيه الأمم المتحدة باسم “السلام” و”الديمقراطية” لتروا مدى نجاح أجهزة الإمبريالية في الدفاع عن تلك المثل السامية.

وعلاوة على ذلك فقد كان فولكر بيرثيس، الممثل الخاص للأمم المتحدة المسؤول عن السودان، يتفاوض خلف الكواليس مع كل من البرهان وحميتي من أجل العودة إلى الشراكة العسكرية المدنية. إن الأمم المتحدة أبعد ما تكون عن الإصرار على الحكم المدني، بل تريد الإبقاء على هؤلاء الجزارين في السلطة!

إن أكثر ما تخشاه الأمم المتحدة، التي هي هيئة تسيطر عليها الدول الإمبريالية، هو الإطاحة الثورية بالمجلس العسكري السوداني، والذي يمكن أن يؤدي إلى إطلاق تأثير الدومينو للثورات في جميع بلدان المنطقة التي تعيش فيها الجماهير في ظروف مماثلة لتلك الموجودة في السودان. إن محاولاتهم تنظيم صفقة متفاوض عليها لا تؤدي إلا إلى ذر الرماد في أعين الجماهير وبث الأوهام بأنه قد يمكن، بطريقة ما، التوفيق بين مصالح الثورة والثورة المضادة.

لكن كلا من الجماهير الثورية والجيش يدركون أن مثل هذا التوفيق مستحيل. فلا أحد منهم يستطيع أو يتحمل وجود الآخر في السلطة بأي شكل من الأشكال. لا يمكن أن تكون هناك مصالحة بين الثورة والثورة المضادة: لا يمكن أن يكون هناك سوى انتصار كامل لأحدهما أو للآخر.

نقتبس من التحذير الذي وجهه تروتسكي للقوى الثورية في إسبانيا، عندما كانوا محاصرين في صراع مرير مع قوات الفالانج الفاشستية بزعامة فرانكو:

الثورات [هي] قاطرات التاريخ… ومن يتخلف عن الركب يسقط تحت عجلات القاطرة، وبالتالي -وهذا هو الخطر الرئيسي- فإن القاطرة نفسها يمكنها أن تتحطم.

من الضروري التفكير في مشكلة الثورة حتى النهاية، حتى خلاصاتها النهائية الملموسة. من الضروري تكييف السياسة مع القوانين الأساسية للثورة، أي مع حركة الطبقات المتصارعة… أثناء الثورة يكون البحث عن الخط الأقل مقاومة هو السبب في أبشع الكوارث.

لقد أظهرت الثورة السودانية قوة وحزما عظيمين. لو كانت المسألة متعلقة بالشجاعة فقط، لكانت الجماهير قد انتصرت بالفعل عشر مرات. وما يزال بإمكانها أن تنتصر.

لكن الثورة هي مسألة حقائق عملية. والحقيقة هي أن الجماهير السودانية سوف تسحقها ببساطة الثورة المضادة التي لا تعرف الرحمة إذا لم تكن مستعدة لحمل أي سلاح متاح لها والمضي قدما.

وفي خضم هجومها المضاد، لا يمكن للجماهير أن تعتمد إلا على قواتها الخاصة. إن دموع التماسيح والتصريحات الفارغة لما يسمى بالمجتمع الدولي وهيئات الثرثرة الإمبريالية، مثل الأمم المتحدة، لن تنقذ السودان من الديكتاتورية. وحده الصراع الطبقي المستقل للجماهير ما يمكنه تحقيق ذلك.

يجب أن تكون الجماهير مستعدة لمقاومة كل محاولات التسوية مع نظام البشير القديم. يجب سحق تلك المخلوقات الرجعية المعادية للثورة، والاستيلاء على ثروتها من قبل الشعب من أجل إعادة بناء البلاد على أساس ديمقراطية عمالية حقيقية، تحت سلطة حكومة العمال والفلاحين.

إن احتياطيات الثورة عميقة، لكنها ليست لانهائية، ويجب ألا تضيع بسياسة مسالمة عديمة الجدوى. إن تضييعها بتلك الطريقة سيكون إهانة للشهداء الذين سقطوا بالفعل. يجب معاملة البرهان والجنرالات بنفس القسوة التي عاملوا بها الشعب!

من أجل تسليح الجماهير! من أجل هزم الانقلاب! من أجل انتصار الثورة السودانية!

18 نوفمبر/تشرين الثاني 2021

ترجم عن النص الأصلي:

Sudan: the final warning

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي